بيَّنَ ابنُ جرير (١١/٧٠) حجة هذا القول بقوله: «احتج قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول: رأيت نفس فلان. بمعنى: رأيته. قالوا: فكذلك قوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾، إنما معناه: فاضربوا الأعناق». وعلَّقَ ابنُ كثير (٧/٣٣بتصرف) عليه بقوله: «يشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ [محمد:٤]. وقال رسول الله ﷺ: «إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت بضرب الرقاب وشَدِّ الوَثاق»»
اختُلِف في المراد بذوي القربى على أقوال: الأول: كان هذا السهم للرسول ﷺ، ثم صار لولي الأمر من بعده. والثاني: قرابة رسول الله ﷺ من بني هاشم. والثالث: هم قريش كلها. والرابع: هم بنو هاشم وحُلَفاؤُهم من بني المطلب خاصة. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٩٦) مستندًا إلى السنة القولَ الأخيرَ، ونسبه للشافعي، فقال: «لأن حليف القوم منهم، ولصحة الخبر الذي ذكرناه بذلك عن رسول الله ﷺ». يعني: حديث جُبَيْر بن مُطْعِم. وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٧/٨٦-٨٧)، وذكر أنه قول جمهور العلماء
ذكر ابنُ عطية (٦/٤٨) أن «المأتي» مفعول على بابه، وأن الآتي هو الإنجاز والفعل الذي تضمنه الوعد، وأن إتيانه إنما يقصد به «الوعد» الذي تقدمه. ثم ذكر هذا القول، حيث قال: «وقالت جماعة من المفسرين: هو مفعول في اللفظ بمعنى فاعل، بمعنى: آتٍ». وانتقده، ورجَّح الأول، فقال: «وهذا بعيد، والنظر الأول أصوب». ولم يذكر مستندًا. ووجَّه ابنُ كثير (٩/٢٧٠) هذا القول بقوله: «ومنهم مَن قال: ﴿مأتيا﴾ بمعنى: آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب: أتت عَلَيَّ خمسون سنة، وأتيتُ على خمسين سنة. كلاهما بمعنًى»
قال ابنُ عطية (٧/١٧٠): «وقال كثير من المفسرين: ﴿دابَّةُ الأَرْضِ﴾ هي سوسة العود، وهي الأرَضَة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل: (الأَرَضِ) بفتح الراء، جمع: أرضة، فهذا يقوي ذلك التأويل». ثم ذكر في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقالت فرقة: ﴿دابة الأرض﴾ حيوان مِن الأرض شأنه أن يأكل العود، وذلك موجود، وليس السوسة من دواب الأرض. وقالت فرقة منها أبو حاتم اللغوي: ﴿الأرض﴾ هنا مصدر: أرضت الأثواب والخشبة؛ إذا أكلتها الأرضة، فكأنه قال: دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس»
نقل ابنُ عطية (٧/٢٠٧) عن بعض المفسرين أنّ قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يدخل فيها أهل الرياء. ثم علَّق عليه بقوله: «ونزول الآية أولًا في المشركين». ووجَّه ابنُ كثير (١١/٣١١) قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب: أنهم المراءون بأعمالهم، بقوله: «يعني: يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بغضاء إلى الله عز وجل، يراءون بأعمالهم، ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء:١٤٢]». ورجَّح مستندًا إلى دلالة العموم شمول معنى الآية، فقال: «والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأَوْلى»
ذكر ابنُ جرير (٢٠/٣٨٢) أنّ القول بأن اليومين هما الأحد والاثنين هو ما جاءت به الأخبار، وقالته العلماء. وساق ابنُ عطية (٧/٤٦٥) الروايات، ثم قال: «والظاهر مِن القصص في طينة آدم: أنّ الجمعة التي خُلق فيها آدم عليه السلام قد تقدّمتها أيام وجُمع كثيرة، وأن هذه الأيام التي خلق الله فيها هذه المخلوقات هي أول الأيام؛ لأن بإيجاد الأرض والسماء والشمس وُجد اليوم». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «وقد يحتمل أن يُجعل تعالى قوله: ﴿يومين﴾ على التقدير، وإن لم تكن الشمس خلقت بعد، وكأن تفصيل الوقت يعطي أنها الأحد ويوم الاثنين كما ذكر»
اختُلف في المخاطب بهذه الآيات على أقوال: الأول: أنه النبي. الثاني: أنه الكافر. الثالث: البر والفاجر. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٤٣٣) -مستندًا إلى السياق- القول الأخير الذي قاله الحسين بن عبد الله، فقال: «لأنّ الله أتبع هذه الآيات قوله: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾، والإنسان في هذا الموضع بمعنى: الناس كلهم، غير مخصوص منهم بعض دون بعض. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أنّ معنى قوله: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾: وجاءتك -أيها الإنسان- سكرة الموت بالحق، ﴿ذلك ما كنت منه تحيد﴾». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣/١٨٨)
في قوله: ﴿إلا بسلطان﴾ أقوال: الأول: ببيّنة. الثاني: بحُجّة. الثالث: بملك. ووجّه ابنُ عطية (٨/١٧٣) القول الثاني، فقال: «والسلطان: هو القوة على غرض الإنسان، ولا يُستعمل إلا في الأعظم من الأمر والحُجج أبدًا من القوي في الأمور، ولذلك يعبّر كثير من المفسرين عن السلطان بأنه الحُجّة». ورجّح ابنُ جرير (٢٢/٢٢١) -مستندًا إلى اللغة- القولين الأولين، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول مَن قال: معنى ذلك: إلا بحُجّة وبيّنة؛ لأن ذلك هو معنى السلطان في كلام العرب». ثم بيّن احتمال دخول القول الثالث في ذلك، فقال: «وقد يدخل الملك في ذلك؛ لأنّ الملك حُجة»
رجّح ابنُ كثير (١٤/١٧٦) بهذا الأثر أنّ الآيات الأولى من سورة اقرأ هي أول آيات القرآن نزولًا، حيث قال معلقًا على هذا الأثر: «هذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نَزل الوحي قبل هذا؛ لقوله: «فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء». وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق... ﴾، ثم إنه حَصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا». ثم وجّه ما جاء في بعض الروايات عن جابر وتفيد أنّ آيات المُدَّثِّر هي أول آيات القرآن نزولًا بقوله: «ووجه الجمع: أنّ أول شيء نَزل بعد فترة الوحي هذه السورة». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٤١٩)
ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٢٣-٥٢٤)، وابن كثير (٢/١٩) إلى نَسْخِ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... ﴾ [التوبة:٢٩] استنادًا إلى السياق، وآثار السلف، فقال ابن جرير: «يعني بقوله: ﴿فاعفوا﴾ فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم: ﴿واسمع غير مسمع وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين﴾ [النساء:٤٦]، ﴿واصفحوا﴾ عما كان منهم من جهل في ذلك، ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء. فقضى فيهم -تعالى ذكره- وأتى بأمره، فقال لنبيه وللمؤمنين به: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، فنسخ الله العفوَ عنهم والصفحَ بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارًا». وقال ابن كثير: «ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾». وذكر ابن عطية (١/٣٢١) قولًا أنها منسوخة بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، ثم قال مُضيفًا: «وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته». ثم علّق بقوله: «وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع، أو قتل قريظة وإجلاء النضير، وأمر من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه الآية بعينها، لأنه لا يختلف أنّ آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها»