انتقد ابنُ كثير (١٤/٨) هذا الحديث بأن يكون ذلك في غزوة تبوك مستندًا لدلالة التاريخ، فقال: «وقوله: إنّ ذلك كان في غزوة تبوك. فيه نظر، بل ليس بجيد؛ فإنّ عبد الله بن أُبيّ بن سَلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش». ورجَّح -بدلالة التاريخ- أنها غزوة بني المُصْطَلِق، فقال: «إنما المشهور عند أصحاب المغازي والسِّير أنّ ذلك كان في غزوة المُرَيْسِيع، وهي غزوة بني المُصْطَلِق»
أورد ابنُ القيم (٢/٢٦٧-٢٦٨) هذا الحديث من رواية الإمام مسلم، وفيها: أنّ هذا الرجل هو آخر رجل يخرج من النار، تحت القول بأنّ الله يبدل سيئاتهم التي عملوها إلى حسنات يوم القيامة، ثم ذكر في الاستدلال به على هذا القول وجهين، انتقد أحدهما، وصوّب الآخر، فأمّا الوجه الذي انتقده فهو أن يكون الحديث ساقه السلف مساق التفسير للآية، وأن يكون المراد به: أنّ التبديل حاصل بعد دخول النار، فقال: «فهذا حديث صحيح، لكن في الاستدلال به على صِحَّة هذا القول نظر؛ فإنّ هذا قد عُذِّب بسيئاته ودخل بها النار، ثم بعد ذلك أُخرِج منها، وأُعطِي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداءً بعدد ذنوبه، وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات؛ إذ لو كان كذلك لَما عُوقِب عليها كما لم يُعاقَب التائب. والكلام إنّما هو في تائب أُثْبِت له مكان كل سيئة حسنة، فزادت حسناته، فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟». وأما الوجه الذي صوّبه فهو أن يكون مقصودُ السلف مِن إيراد الحديث تحت هذا القول: الاستدلال به على أنّ التبديل حاصِلٌ بالتوبة بطريق الأَوْلى؛ فإنّ الحديث أفاد أنّ هذا الرجل بعد دخوله النار وتطهره بها أعطي مكان كل سيئة حسنة، فالتبديل بالتوبة يكون أولى؛ إذ هي أقوى أسباب محو آثار الذنوب. ومَن ساق الحديث من السلف قصد الاستدلال بها على هذا النحو، ولم يَسُقْه مساقَ التفسير للآية، فإنّ الآية في التائب، يقول ابنُ القيم: «والناس استقبلوا هذا الحديث مُسْتَدِلِّين به في تفسير هذه الآية على هذا القول، وقد علمتَ ما فيه، لكن للسلف غَوْرٌ ودِقَّة فهم لا يُدركها كثيرٌ مِن المتأخرين. فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدةٍ إذا عُرِفَت عُرِف لطفُ الاستدلال به ودِقَّتُه، وهي أنّ الذنب لا بُدَّ له مِن أثر، وأثره يرتفع بالتوبة تارة، وبالحسنات الماحية تارة، وبالمصائب المُكَفِّرة تارة، وبدخول النار ليتخلص مِن أثره تارة، وكذلك إذا اشتد أثره، ولم تقو تلك الأمور على محوه؛ فلا بد إذن مِن دخول النار؛ لأنّ الجنة لا يكون فيها ذَرَّةٌ مِن الخبيث، ولا يدخلها إلا مَن طاب مِن كل وجه، فإذا بقي عليه شيء مِن خُبْث الذنوب أدخل كِير الامتحان، ليخلص ذهب إيمانه من خبثه، فيصلح حينئذ لدار الملك. إذا علم هذا فزوال مُوجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح، وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار، فإذا تَطَهَّر بالنار، وزال أثر الوسخ والخبث عنه، أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطَهَّر بالتوبة النصوح، وزال عنها بها أثر وسخ الذنوب وخبثها، كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة، لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله، وإزالة النار بدل منها، وهي الأصل، فهي أوْلى بالتبديل مما بعد الدخول»
قال ابن عطية (٤/١٤٩-١٥٠بتصرف): «قوله: ﴿فثبتوا﴾ يحتمل أن يكون بالقتال معهم على ما روي، ويحتمل بالحضور في حَيِّزهم والتأنيس لهم بذلك، ويحتمل أن يريد: فَثَبِّتوهم بأقوال مُؤْنِسَة مُقَوِّيَة للقلب، وروي في ذلك أن بعض الملائكة كان في صورة الآدميين، فكان أحدهم يقول للذي يليه من المؤمنين: لقد بلغني أن الكفار قالوا: لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن. ويقول آخر: ما أرى الغلبة والظفر إلا لنا. ويقول آخر: أقدِمْ يا فلان. ونحو هذا من الأقوال المثبتة... ، ويحتمل أيضًا أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان بلمته مِن تَوَهُّم الظَّفَر واحتقار الكفار، ويجري عليه من خواطر تشجيعه، ويقوِّي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾، وإن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان التثبيت، ولكنه أشبه بهذا؛ إذ هي من جنس واحد... ، وعلى هذا التأويل يجيء قوله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ مخاطبة للملائكة، ثم يجيء قوله تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عن صورة الحال، كما تقول -إذا وصفت حربًا لمن تخاطبه-: لقينا القوم وهزمناهم، فاضرب بسيفك حيث شئت، واقتل، وخذ أسيرك. أي: هذه كانت صفة الحال... ، ويحتمل أن يكون ﴿سألقي﴾ إلى آخر الآية خبرًا يخاطب به المؤمنين عما يفعله في الكفار في المستقبل كما فعله في الماضي، ثم أمرهم بضرب الرقاب والبنان تشجيعًا لهم وحضًّا على نصرة الدين». وبنحوه قال ابنُ جرير (١١/٦٩)، وابنُ كثير (٧/٣٢). وقال ابنُ القيم (١/٤٣٨): «قيل في تفسيرها: قَوُّوا قلوبهم، وبَشِّروهم بالنصر. وقيل: احضروا معهم القتال. والقولان حقّ؛ فإنهم حضروا معهم القتال، وثبتوا قلوبهم»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في موضع المعيشة الضنك على أقوال: الأول: أنّ المعيشة الضنك في الدنيا، وفي صفتها قولان: أولهما: أنها بالكسب الحرام. وثانيهما: أن صاحبها ينفق من ماله على تكذيب منه بالخَلَف من الله، فتشتد لذلك عليه معيشته وتضيق. الثاني: أن المعيشة الضنك في البرزخ، وهي عذاب القبر. الثالث: أن المعيشة الضنك في الآخرة في جهنم، بأن جُعِل طعامهم فيها الضريع والزقوم. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/١٩٨-١٩٩) مستندًا إلى السنة والسياق القولَ الثاني، وهو قول أبي سعيد الخدري، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي صالح، والربيع، والسدي، وعلَّل ذلك بحديث أبي هريرة المرفوع الثالث المتقدم في آثار تفسير الآية، وبـ«أن الله -تبارك وتعالى- أتْبَع ذلك قولَه: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾، فكان معلومًا بذلك أنّ المعيشة الضنك التي جعلها الله لهم قبل عذاب الآخرة». وانتقد ابنُ جرير (١٦/١٩٩) القول الثالث بأن «ذلك لو كان في الآخرة لم يكن لقوله: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾ معنًى مفهوم؛ لأنّ ذلك إن لم يكن تقَدَّمه عذابٌ لهم قبل الآخرة، حتى يكون الذي في الآخرة أشدَّ منه؛ بطل معنى قوله: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾». وانتقد مستندًا لدلالة العقل القول الأول بأنّ المعيشة الضنك إن «كانت لهم في حياتهم الدنيا فقد يجب أن يكون كل مَن أعْرَض عن ذكر الله مِن الكفار فإنّ معيشته فيها ضنكٌ، وفي وجودنا كثيرًا منهم أوسَع معيشةً من كثيرٍ من المُقْبِلين على ذكر الله -تبارك وتعالى- القابلين له المؤمنين؛ ما يدل على أن ذلك ليس كذلك». ووجَّه ابنُ عطية (٦/١٤٢) القول الثاني بقوله: «وحمل هذه الفرقة على هذا التأويل أنّ لفظ الآية يقتضي أن المعيشة الضنك قبل يوم القيامة بقوله: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، وبقوله تعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأَبْقى﴾»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣٣٥) اختلاف أهل التأويل في المَعْنِيّ بـ«الذّكر»، و«الرسول» في هذا الموضع، فقال: «قال قوم من المتأولين: المراد بالاسمين القرآن، و﴿رسولًا﴾ يعني: رسالة، وذلك موجود في كلام العرب. وقال آخرون: ﴿رسولًا﴾ نعت أو كالنعت لقوله سبحانه: ﴿ذكرًا﴾، فالمعنى: ذكرًا ذا رسولٍ. وقيل: الرسول ترجمة عن الذّكر كأنه بدل منه. وقال آخرون: المراد بهما جميعًا: محمد ﷺ، والمعنى: ذا ذِكْرٍ رسولًا. وقال بعض حُذّاق المتأولين: الذّكر: اسم من أسماء الرسول ﷺ. واحتجَّ بهذا القاضي أبو بكر الباقلاني في تأويل قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء:٢]. وقال بعض النحاة: معنى الآية: ذِكرًا بعث رسولًا، فهو منصوب بإضمار فعل. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون ﴿رسولًا﴾ معمولًا للمصدر الذي هو الذّكر». وذهبَ ابنُ جرير (٢٣/٧٦) -مستندًا إلى اللغة- إلى أنّ الرسول تفسير للذّكر، فقال: «الصواب من القول في ذلك أنّ الرسول ترجمة عن الذّكر، ولذلك نُصِب؛ لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة. فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم -يا أولي الألباب- ذكرًا من الله لكم يذكركم به، ويُنبّهكم على حظّكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولًا يتلو عليكم آيات الله التي أنزَلها عليه مبينات لمن سمعها وتدبّرها أنها من عند الله». وذهب ابنُ عطية (٨/٣٣٦) إلى أنّ المراد بالذّكر: القرآن، والمراد بالرسول: محمد ﷺ، فقال: «أبْين الأقوال عندي معنًى أن يكون الذّكر: القرآن، والرسول: محمدًا ﷺ، والمعنى: بعث رسولًا، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول، ونحا هذا المنحى السُّدِّيّ». ولم يذكر مستندًا. وهو ظاهر كلام ابن كثير (١٤/٤٣)
قال مقاتل بن سليمان: مكية، غير آيتين فإنّهما مدنيتان: أحدهما: قوله تعالى: ﴿أولم يكن لهم آية أن يعلمه﴾ الآية [١٩٧]، والأخرى: قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [٢٢٤]. وبعض أهل التفسير يقول: إنّ مِن قوله تعالى: ﴿والشعراء﴾ إلى آخرها -وهُنَّ أربع آيات [٢٢٤-٢٢٧]- مدنيات
انتقدَ ابن جرير (٢/٥٠٨) أثرَ سهل بن معاذ، وأثر أبي أمامة بقوله: «لو كان خبرُ سهل بن معاذ عن أبيه صحيحًا سندُه كان بيّنًا أنّ الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فقام بهن هو قوله كلما أصبح وأمسى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيًّا وحين تظهرون﴾ [الروم:١٧]، أو كان خبر أبي أمامة عدُولًا نَقَلَتُه كان معلومًا أنّ الكلمات التي أُوحِينَ إلى إبراهيم فابْتُلِي بالعمل بِهِنَّ: أن يصلي كل يوم أربع ركعات. غير أنهما خبران في أسانيدهما نظر». ووافق ابنُ كثير (٢/٥٤) ابنَ جرير في تضعيف هذين الحديثين كما تقدم
لم يذكر ابنُ جرير (٢/٦٨٣) غير هذا القول، وبيّن حجة أهل الكتاب التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: «قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن. وقولهم: يخالفنا محمد في ديننا ويَتَّبِع قبلتنا. فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل الغباء من المشركين». وبنحوه قال ابنُ كثير (١/٤٦٤). وأما ابنُ عطية (١/٣٨٢) فقد رَجَّح العمومَ في الآية، حيث قال: «قوله: ﴿لِلنّاسِ﴾ عموم في اليهود والعرب وغيرهم». وانتقد قولَ من جعلها في اليهود خاصة، كما سيأتي في التعليق التالي
علَّق ابنُ كثير (٤/٥٢) على هذا الأثر، فقال: «ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح». ووجَّه ابنُ جرير (٧/٣٤) معنى الآية على قول ابن مسعود، فقال: «فتأويلُ الآية على تأويلِ عبد الله هذا: إنّ الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذرة قِبَل عبدٍ له آخر في معاده ويوم لقائه، فما فوقه، فيتركه عليه، فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنَّه يأخذه منه له، ويأخذ مِن كُلِّ ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَه قِبَلَه. ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ يقول: وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها، ﴿ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾ يقول: ويعطه من عنده أجرًا عظيمًا. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله»
انتَقَد ابنُ كثير (٣/١٦٦) هذا الأثر في نزول الآية مستندًا إلى زمن النزول، فقال: «وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة». ونقل ابنُ عطية (٣/٢٣٣-٢٣٤) عن «سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن عباس: أنّ هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله ﷺ ليروه، ويعرفوا حاله، فقرأ النبي ﷺ عليهم القرآن، وآمنوا، ورجعوا إلى النجاشي فآمَن، ولم يزل مؤمنًا حتى مات، فصلى عليه النبي ﷺ... وروي: أنّ نعش النجاشي كشف للنبي ﷺ، فكان يراه من موضعه بالمدينة، وجاء الخبر بعد مُدَّةٍ أنّ النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي ﷺ عليه»