اختلف في المراد بالكتاب السابق على أقوال: الأول: هو مغفرة الله لأهل بدر. والثاني: ما قضاه الله في الأَزَل من إحلال الغنائم. والثالث: قضاء الله ألا يعاقب أحدًا بذنب أتاه على جهالة. ورجَّح ابن جرير (١١‏/‏٢٨٢-٢٨٣) العموم؛ لعموم اللفظِ، فقال: «وذلك أنّ قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ خبرٌ عامٌّ غيرُ محصور على معنى دون معنى، وكل هذه المعاني التي ذُكرت مما قد سبق في كتاب الله أنه لا يؤاخذ بشيء منها هذه الأمة، وذلك ما عملوا من عمل بجهالة، وإحلال الغنيمة والمغفرة لأهل بدر، وكل ذلك مما كتب لهم، وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى، وقد عَمَّ الله الخبرَ بكل ذلك بغير دلالة توجب صحة القول بخصوصه». وبنحوه قال ابنُ القيم (١‏/‏٤٥٠). وانتقد ابنُ عطية (٤‏/‏٢٤٢) القول الأخير الذي قاله مجاهد من طريق ابن جريج لمخالفته أدلّة الشرع بقوله: «وهو قول ضعيف، تعارضه مواضع من الشريعة»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٤-٦٥) في عود الضمير في قوله: ﴿عنه﴾ عدة احتمالات، فقال: «والضمير في: ﴿عنه﴾ قال الحسن وقتادة: هو عائد على محمد أو كتابه وشرعه، و﴿يُؤْفَكُ﴾ معناه: يُصرف، فالمعنى: يُصرف عن كتاب الله مَن صُرف ممن غلبت شقاوته، وكان قتادة يقول: المأفوك منا اليوم عن كتاب الله كثيرًا. ويحتمل أن يعود الضمير على القول، أي: يُصرف بسببه مَن أراد الإسلام، بأن يقال له: هو سحر، هو كهانة. وهذا حكاه الزهراوي. ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿عنه﴾ على القول، أي: يُصرف عنه بتوفيق الله إلى الإسلام مَن غَلبت سعادته، وهذا على أن يكون قوله: ﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ للكفار فقط». ثم علّق على الاحتمال الأخير، فقال: «وهذا وجه حسن لا يخل به، إلا أنّ عُرف الاستعمال في»أفك«إنما هو في الصرف من خير إلى شر، وتأمل ذلك تجدها أبدًا في المصروفين المذمومين». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٣٣) القول بعود الضمير على محمد ﷺ، ووجّهه، فقال: «والمعنى: يُصرف عنه مَن صُرف حتى يكذّب به»

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٣٢٩): «قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾، قال قتادة وغيره: يريد به: الرجعة، أي: أحصوا العِدّة، وامتثلوا هذه الأوامر المثقِّفة لنسائكم، الحافظة لأنسابكم، وطلَّقوا على السُّنَّة تجدوا المخْلَص إن ندمتم؛ فإنكم لا تدرون لعل الرجعة تكون بَعْد، والإحداث في هذه الآية بين التوجه عبارة عما يوجد من التراجع. وجوَّز قوم أن يكون المعنى: أمرًا مِن النسخ. وفي ذلك بُعْد». وقال ابنُ تيمية (٨‏/‏٣٢١): «لما قال تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ قال غيرُ واحد من الصحابة والتابعين والعلماء: هذا يدلُّ على أنّ الطَّلاق الذي ذكره الله هو الطَّلاق الرجعي؛ فإنه لو شرع إيقاع الثلاث عليه لكان المطلِّق يندم إذا فعل ذلك، ولا سبيل إلى رجعتها، فيحصل له ضرر بذلك، واللهُ أمر العباد بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم؛ ولهذا قال تعالى أيضًا بعد ذلك: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾ وهذا إنما يكون في الطَّلاق الرجعي، لا يكون في الثلاث، ولا في البائن»

اختُلِف في قوله: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ على قولين: الأول: أنّ معناه: وما قلنا: إنّه سرق. إلّا بظاهر علمنا حين رأينا صواعُ الملك في وعائه. الثاني: أنّ معناه: وما شهدنا عند يوسف بأنّ السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٢٩٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّه عقيب قوله: ﴿إن ابنك سرق﴾، فهو بأن يكون خبرًا عن شهادتهم بذلك أولى مِن أن يكون خبرًا عما هو منفصل». وبيّن ابنُ عطية (٥‏/‏١٣١-١٣٢) أنّ قوله: ﴿وما كنا للغيب حافظين﴾ على القول الأول معناه: والعلم في الغيب إلى الله، ليس ذلك في حفظنا. وعلى الثاني معناه: وما كُنّا للغيب حافظين أنّ السرقة تخرج مِن رَحِل أحدنا. ثم قال عقب ذكره الخلاف: «ويحتمل قوله: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أي: حين واثقناك، إنّما قصدنا ألا يقع مِنّا نحن في جهته شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنّه سيأتي هو بما يوجب رِقَّه عندك إلا بما علمناه مِن ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لِما يقع مِن سرقته هو، أو التدليس عليه»

اختلف المفسّرون في معنى التأويل في قوله: ﴿وابتغاء تأويله﴾؛ فقال بعضهم: الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مُدَّةِ أمر النبي ﷺ وأُمَّتِه مِن قِبَل الحروف المقطّعة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: عواقب القرآن، وقالوا: إنّما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخُ الأحكام التي كان الله -جل ثناؤه- شرعها لأهل الإسلام قبل مجيئه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وابتغاء تأويل ما تشابه مِن آي القرآن يتأوّلونه إذ كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات على ما في قلوبهم من الزيغ، وما ركبوه من الضلالة. ورَجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٢١٦-٢١٧) القولَ الأول الذي قاله ابن عباس، والثاني الذي قاله السدي، مستندًا إلى ظاهر الآية، حيث إنّ طلب القوم معرفةَ الوقت الذي هو جاء قبل مجيئه، المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم؛ موافق لإخبار الله بأنّه تأويلٌ لا يعلمه إلا هو، أمّا غيره من التأويل فقد عُلِم واشْتَهَر. لكنَّه استَدْرَك (٥‏/‏٢١٦-٢١٧) على القول الثاني الذي قاله السّدّي حَصْرَه معنى الآية في أنّ القوم طلبوا معرفة وقتِ مجيء الناسخ لِما قد أُحْكِم قبل ذلك

بَيَّنَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٦٩)، وابنُ عطية (٢‏/‏٤٨٢)، وابنُ كثير (٣‏/‏٣٧٥) أنّ الدَّينَ مُقَدَّمٌ على الوصية بالإجماع. ووجَّه ابنُ عطية (٢‏/‏٤٨٤) تقديمَ الوصيّة في الآية بالذِّكرِ استنادًا إلى العقل، واللغة، فقال: «هذه الآية إنما قُصِد بها تقديمُ هذين الفعلين على الميراث، ولم يُقْصَد بها ترتيبهما في أنفسهما، ولذلك تقدَّمت الوصِيَّةُ في اللفظ، والدَّين مُقَدَّم على الوصية بإجماع، والذي أقول في هذا: إنّه قَدَّم الوصيةَ إذ هي أقلُّ لزومًا مِن الدَّين؛ اهتمامًا بها، وندبًا إليها، كما قال تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة﴾ [الكهف:٤٩]، وأيضًا قَدَّمها مِن جهة أنّها مُضَمَّنُها الوَصِيَّةُ التي هي كاللازم يكون لكل ميت؛ إذ قد حضَّ الشرعُ عليها، وأَخَّرَ الدَّين لشذوذه، وأنه قد يكون ولا يكون، فبدأ بذكر الذي لا بُدَّ منه، ثم عطف بالذي قد يقع أحيانًا، ويُقَوِّي هذا كونُ العطف بـ﴿أو﴾، ولو كان الدَّيْنُ راتِبًا لكان العطف بالواو. وقُدِّمَتِ الوصية أيضًا إذ هي حَظُّ مساكينٍ وضِعاف، وأُخِّر الدَّينُ إذ هو حظ غريمٍ يطلبه بقوة، وهو صاحب حَقٍّ له فيه، كما قال عليه السلام: «إنّ لصاحبِ الحقِّ مقالًا»»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا﴾ على قولين، الأول: قول ابن عباس من طريق أبي ظبيان: هي في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي، فيكون ليُّ القاضي وإعراضُه لأحدهما على الآخر. والثاني: هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، فلا يقول الحقَّ فيها، أو يُعْرِض عن أداء الحق فيها. ورَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٥٩٢) القولَ الثاني مستندًا إلى الأظهر من معنى الشهادة، فقال: «لأنّ الله -جل ثناؤه- قال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء، وأظهرُ معاني الشهداء ما ذكرنا مِن وصفهم بالشهادة». ورَجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏٤٤) العمومَ بدلالة العقل، والشرع، فقال: «ولفظ الآية يعمُّ القضاءَ، والشهادة، والتوسط بين الناس، وكلُّ إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة. فتأمله». وعلَّق ابنُ جرير (٧‏/‏٥٨٩) بأنّ الآية على القول الأول نزلت في الحُكّام، كما قال السدي. وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٤٤) على القول الأول بقوله: «فالليُّ على هذا: مطْلُ الكلامِ، وجرُّه؛ حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه، للذي يميل القاضي عليه»

ذكر ابنُ جرير (٨‏/‏٥١٤) قول قتادة أنّ الفتح بمعنى القضاء كما في الأثر السابق، وقول السدي بأن الفتح هو فتح مكة، ثم قال معلِّقًا: «والفتح في كلام العرب: هو القضاء كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف:٨٩]. وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعد الله نبيَّه محمدًا ﷺ بقوله: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ فتح مكة، لأنّ ذلك كان من عظيم قضاء الله وفصل حكمه بين أهل الإيمان والكفر، ويقرر عند أهل الكفر والنفاق أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏١٩٢) القولين، ثم علَّق عليهما بقوله: «وظاهر الفتح في هذه الآية: ظهور رسول الله ﷺ وعلو كلمته، أي: فيبدو الاستغناء عن اليهود، ويرى المنافقُ أنّ الله لم يُوجِد سبيلًا إلى ما كان يؤمل فيهم من المعونة على أمر محمد ﷺ والدفع في صدر نبوته، فيندم حينئذ على ما حصل فيه من محادة الشرع، وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله ﷺ والمؤمنين كالذي وقع وظهر بعد»

سورة الشعراء — الآية ٨٤

عن سمرة بن جندب -من طريق الحسن البصري- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ العبدُ لصلاة مكتوبة، فأسبغ الوضوء، ثم خرج من باب داره يريد المسجد، فقال حين يخرج: باسم الله ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾. هداه الله للصواب -ولفظ ابن مردويه: لصواب الأعمال-، ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾. أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، ﴿واذا مرضت فهو يشفين﴾. شفاه الله، وجعل مرضه كفارة لذنوبه، ﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾. أحياه الله حياة السعداء، وأماته ميتة الشهداء، ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. غفر الله له خطاياه كلها، وإن كانت أكثر مِن زَبَد البحر، ﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾. وهب الله له حكمًا، وألحقه بصالح مَن مضى، وصالح مَن بقي، ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾. كتب في ورقة بيضاء: إنّ فلان بن فلان من الصادقين. ثم يوفقه الله بعد ذلك للصدق، ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾. جعل الله له القصور والمنازل في الجنة». وكان الحسن يزيد فيه: «واغفر لوالدي كما ربياني صغيرًا»

بيَّن ابنُ عطية (٥‏/‏٣٣١) أن معنى: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ «أي: على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه، وذلك بنصب الأدلة وبعث الرسل، وإلى هذا ذهب المتأوِّلون». ثم ذكر احتمالًا آخر: «أن يكون المعنى: إن من سلك السبيل القاصد فعلى الله رحمته ونعيمه وطريقه، وإلى ذلك مصيره». ثم وجَّهه بقوله: «فيكون هذا مثل قوله تعالى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران:٥١]، وقول النبي ﷺ:»والشَّرُّ ليس إليك«. أي: لا يُفضي إلى رحمتك». ونقل ابنُ تيمية (٤‏/‏١٥٢) قولًا ولم ينسبه: أن «معنى قصد السبيل: سيركم ورجوعكم، والسبيل واحدة بمعنى الجمع». ثم انتقده مستندًا إلى دلالة اللغة، ولفظ الآية قائلًا: «هذا قول بعض المتأخرين، جعل القصد بمعنى: الإرادة، أي: عليه قصدكم للسبيل في ذهابكم ورجوعكم، وهو كلام مَن لم يفهم الآية، فإنّ السبيل القصد هي السبيل العادلة، أي: عليه السبيل القصد، والسبيل اسم جنس، ولهذا قال: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾. أي: عليه القصد من السبيل، ومن السبيل جائر، فأضافه إلى اسم الجنس إضافة النوع إلى الجنس، أي: القصد من السبيل، كما تقول: ثوب خز. ولهذا قال: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾. وأمّا من ظن أن التقدير: قصدكم السبيل. فهذا لا يطابق لفظ الآية ونظمها من وجوه متعددة». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٣٢) أن «الألف واللام في ﴿السَّبِيلِ﴾ للعهد، وهي سبيل الشرع، وليست للجنس، ولو كانت للجنس لم يكن فيها جائر». وانتقده ابن تيمية (٤‏/‏١٥٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وأما قوله: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ هي سبيل الشرع، وهي سبيل الهدى، والصراط المستقيم، وأنها لو كانت للجنس لم يكن منها جائر، فهذا أحد الوجهين في دلالة الآية، وهو مرجوح، والصحيح الوجه الآخر: أن السبيل اسم جنس، ولكن الذي على الله: هو القصد منها، وهي سبيل واحدة، ولما كان جنسًا قال: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾، والضمير يعود على ما ذُكِرَ بلا تكلف. وقوله: لو كان للجنس لم يكن منها جائر. ليس كذلك، فإنها ليست كلها عليه، بل إنما عليه القصد منها، وهي سبيل الهدى، والجائر ليس من القصد، وكأنه ظن أنه إذا كانت للجنس يكون عليه قصد كل سبيل، وليس كذلك، بل إنما عليه سبيل واحدة، وهي الصراط المستقيم، هي التي تدل عليه، وسائرها سبل الشيطان، كما قال: ﴿وأَنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقد أحسن في هذا الاحتمال، وفي تمثيله ذلك بقوله: ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر:٤١]»