اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأقرب رحما﴾ على قولين: أحدهما: أقرب بِرًّا بوالديه من الغلام المقتول. كما في قول قتادة. وثانيهما: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. كما في قول عطية العوفي. وقد رجّح ابنُ جرير (١٥/٣٦١) القول الأول، فقال: «وإنّما معنى ذلك: وأقرب من المقتول أن يرحم والديه فيبرهما، كما قال قتادة». ثم استدرك على القول الثاني لخروجه عمّا قاله أهل التأويل من السلف، فقال: «وقد يتوجه الكلام إلى أن يكون معناه: وأقرب أن يرحَما به. غير أنه لا قائل مِن أهل تأويل تأوله كذلك، فإذ لم يكن قال به قائل فالصواب فيه ما قلنا لِما بَيَّنّا»
انتقد ابنُ جرير (١٦/٤٩٥-٤٩٦) مستندًا إلى مخالفة السنة وأقوال السلف قولَ عبد الله بن السري، ومقاتل، ويحيى بن سلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ولَهُمْ مَقامِعُ﴾، فقال مستدلًّا بحديث أبي هريرة: «والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا يدُلُّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنّه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صُبَّ على رءوسهم نَفَذَ الجُمْجُمة حتى يَخْلُص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد ثقبتْ رءوسهم قبل صَبِّ الحميم عليها لم يكن لقوله ﷺ: «إنّ الحميم يَنفُذُ الجمجمة» معنًى، ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل»
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فلو أن لنا كرة﴾ يعني: رجعة إلى الدنيا؛ ﴿فنكون من المؤمنين﴾ يعني: من المصدقين بالتوحيد، ﴿إن في ذلك لآية﴾ يعني: إن في هلاك قوم إبراهيم لعبرة لمن بعدهم، ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ يقول: لو كان أكثرهم مؤمنين لم يُعَذَّبوا في الدنيا، ﴿وإن ربك لهو العزيز﴾ في نقمته، ﴿الرحيم﴾ بالمؤمنين. هلك قوم إبراهيم بالصيحة، تفسيره في سورة العنكبوت
عن محمد بن كعب القرظي، قال: لَمّا رَفَع اللهُ عيسى ابنَ مريم اجْتَمَع مِن علماءِ بني إسرائيل مائةُ رجل، فقال بعضُهم لبعض: أنتم كثيرٌ؛ نَتَخَوَّفُ الفُرْقةَ، أخْرِجوا عَشَرَةً. فأخرَجوا عَشَرَةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجُوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، حتى بقِي عشرةٌ، فقالوا: أنتم كثيرٌ حتى الآن. فأخرَجوا ستةً، وبقِي أربعةٌ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى؟ فقال رجلٌ منهم: أتَعْلَمون أنّ أحدًا يَعْلَمُ الغيبَ إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُحْيي الموتى إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُبْرِئُ الأكمهَ والأبرصَ إلا الله؟ قالوا: لا. فقال الرجل: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حينَ بدا له. وقال الآخر: قد عرَفنا عيسى، وعرَفنا أُمَّه، هو ولدُه. وقال الآخر: لا أقولُ كما تقولان، أقولُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمَلٍ غيرِ صالح. فقال الآخر: لا أقولُ كما تقولون، قد كان عيسى يُخْبِرُنا أنّه عبدُ اللهِ، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، فنقولُ كما قال لنفسِه، لقد خَشِيتُ أن تكونوا قلتم قولًا عظيمًا. قال: فخرَجوا على الناس، فقالوا لرجلٍ منهم: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حين بدا له. قال: فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء على دين الملِك، وقالوا للآخر: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمل غير صالح. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، ثم خرَج الثالث، فقالوا: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو ولد الله. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء النَّسطوريةُ واليَعْقُوبيةُ، فخرج الرابعُ، فقالوا له: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو عبدُ الله، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم. فاتَّبعَه عُنُقٌ مِن الناس. فقال محمد بن كعب: فكلٌّ قد ذكَر الله في القرآن: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ الآية. ثم قرأ: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآية [المائدة:٧٣]. ثم قرأ: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ [النساء:١٥٦]. ثم قرأ: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾ إلى قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ [المائدة:٦٥-٦٦]. قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمةٌ مقتصدةٌ؛ الذين قالوا: عيسى عبدُ الله، وكلمتُه، ورُوحُه ألقاها إلى مريم
بيَّنَ ابنُ جرير (٨/٤٩٠) تأويل الآية على قول مجاهد بقوله: «تأويل الكلام على ما تأوّله مجاهد: وأنزلنا الكتاب مُصَدِّقًا الكتبَ قبله إليك، مُهَيْمِنًا عليه. فيكون قوله: ﴿مصدقًا﴾ حالًا من ﴿الكتاب﴾، وبعضًا منه، ويكون التصديق من صفة ﴿الكتاب﴾، والمهيمن حالًا من الكاف التي في ﴿إليك﴾، وهي كناية عن ذِكْرِ اسم النبي ﷺ، والهاء في قوله: ﴿عليه﴾ عائدة على الكتاب». ثم انتَقَدَ ابنُ جرير (٨/٤٩١) هذا التأويل مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا التأويل بعيدٌ من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ؛ وذلك أنّ المهيمن عطفٌ على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدِّق صفةً له. ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد لقيل: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه. لأنه لم يتقدم من صفة الكاف التي في ﴿إليك﴾ بعدَها شيءٌ يكون ﴿مهيمنًا عليه﴾ عطفًا عليه، وإنما عطف به على المصدق؛ لأنه من صفة ﴿الكتاب﴾ الذي من صفته المصدق. فإن ظن ظانٌّ أنّ المصدق -على قول مجاهد وتأويلهِ هذا- من صفة الكاف التي في ﴿إليك﴾، فإنّ قوله: ﴿لما بين يديه من الكتاب﴾ يُبطِل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون المصدق من صفة الكاف التي في ﴿إليك﴾؛ لأن الهاء في قوله: ﴿بين يديه﴾ كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي ﷺ في قوله: ﴿إليك﴾، ولو كان المصدق من صفة الكاف لكان الكلام: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديك من الكتاب، ومهيمنًا عليه. فيكون معنى الكلام حينئذٍ يكون كذلك». وعلَّقَ ابنُ كثير (٥/٢٤٦) على تأويل مجاهد بقوله: «صحيح في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر». ثم ذكر انتقاد ابن جرير له. وعلَّقَ ابنُ عطية (٣/١٨٣) على انتقاد ابن جرير لقول مجاهد، بقوله: «غلَّظ الطبري رحمه الله في هذه اللفظة على مجاهد؛ فإنه فسر تأويله على قراءة الناس: ﴿ومُهَيمِنًا﴾ بكسر الميم الثانية، فبعد التأويل، ومجاهد رحمه الله إنما يقرأ هو وابن محيصن (ومُهَيْمَنًا عَلَيْهِ) بفتح الميم الثانية، فهو بناء اسم المفعول، وهو حال مِن ﴿الكتاب﴾ معطوفة على قوله: ﴿مصدقًا﴾، وعلى هذا يتجه أنّ المؤتمن عليه هو محمد ﷺ، و﴿عليه﴾ في موضع رفع على تقدير أنّها مفعول لم يسم فاعله، هذا على قراءة مجاهد»
اختُلِف في المعنيِّين بقوله تعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: عُنِيَ بها المشركون عند نزول نقمة الله بهم في الدنيا. الثاني: عُنِيَ بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم. الثالث: عُنِيَ بذلك جيشٌ يُخْسَف به بِبَيْداء من الأرض. ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣١٣) مستندًا إلى دلالة السياق القولَ الأول والثاني، فقال: «والذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك، وأشْبَهُ بما دلَّ عليه ظاهر التنزيل: قولُ مَن قال: ذلك وعيد الله المشركين الذين كذَّبوا رسول الله ﷺ من قومه؛ لأنّ الآيات قبل هذه الآية بالإخبار عنهم وعن إساءتهم، وبوعيد الله إياهم مَضَتْ، وهذه الآية في سياق تلك الآيات، فَلأَن يكون ذلك خبرًا عن حالهم أشْبَه منه بأن يكون خبرًا عمّا لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ولو ترى -يا محمد- هؤلاء المشركين من قومك، فتُعاينُهُم حين فزِعوا من معايَنَتِهم عذاب الله ﴿فَلا فَوْتَ﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٧/١٩٦) القول الثاني، وهو قول الحسن، بقوله: «وهذا أرجح الأقوال عندي». ولم يذكر مستندًا، وانتقد القول الثالث قائلًا: «وهذا قول بعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطوَّل عن حذيفة، وروى الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على ابن روّاد بن الجراح». وبنحوه ابنُ كثير (١١/٢٩٩ بتصرف)، فقال: «أورد ابن جرير في ذلك حديثًا موضوعًا بالكلية، ثم لم ينبِّه على ذلك، وهذا أمرٌ عجيبٌ غريبٌ منه»، وذكر ابنُ كثير القول الأول والثاني وكذا القول بأنهم أخذوا من تحت أقدامهم، ثم رجَّح قائلًا: «والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذُكِر متصلًا بذلك». ولم يذكر مستندًا
ذكر ابنُ جرير (٢٣/٥٦٥) أنه ذُكر عن العرب أنها تقول للرجل إذا كَبِر وثبتَ سواد شعره: إنه لمُخلد. وكذلك إذا كَبِر وثَبتتْ أضراسه وأسنانه قيل: إنه لمُخلد. يراد به أنه ثابت الحال، ثم علَّق بقوله: «وهذا تصحيح لما قال قتادة من أنّ معناه: لا يموتون؛ لأنهم إذا ثَبتوا على حال واحدة فلم يَتغيّروا بهرَم ولا شيب ولا موت فهم مُخلّدون». وذكر ابنُ جرير قولًا بأنّ ﴿مخلدون﴾ معناه: مُقرّطون. وذكره ابنُ عطية (٨/٤٩٦). ونسبه ابنُ القيم (٣/٢٣٧) لابن جُبَير. وبيّن ابنُ عطية أنّ الخَلَدات: حُلي تُعلّق في الآذان. وبنحوه قال ابنُ القيم (٣/٢٣٧). ووجّهه ابنُ كثير (١٤/٢١٤) بقوله: «ومَن فسّرهم بأنهم مخرّصون في آذانهم الأقرطة. فإنما عبّر عن المعنى بذلك؛ لأنّ الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير». وذكر ابنُ القيم أنّ طائفة جمعتْ بين القولين، فقالت: هم ولدان، لا يَعرض لهم الكِبَر والهَرم، وفي آذانهم القِرَطَة. ثم علَّق بقوله: «فمَن قال: مُقرّطون. أراد هذا المعنى أنّ كونهم ولدانا أمْرٌ لازم لهم»
ذَهَبَ ابن جرير (١/٦٠٠) إلى أن الضمير في ﴿به﴾ عائد على القرآن، فقال: «يا معشر أحبار أهل الكتاب، صدِّقوا بما أنزلتُ على رسولي محمد ﷺ من القرآن المصدِّق كتابَكم، ولا تكونوا أوَّل أمّتكُمْ كذَّبَ به وجحد أنه من عندي، وعندكم من العلم به ما ليس عند غيركم». وذَهَبَ ابنُ كثير (١/٢٧٦) إلى أنّ المقصود بالضمير في ﴿به﴾ محمد ﷺ، ثم قال جامِعًا بينهما: «وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأنّ من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن». ونقل ابن عطية (١/١٩٦) قولًا ولم ينسبه أن الضمير يعود «على التوراة إذا تضمنها قوله: ﴿لما معكم﴾». ثم وجَّهه بقوله: «وعلى هذا القول يجيء ﴿أوَّلَ كافِر بِهِ﴾ مستقيمًا على ظاهره في الأولية»
وجَّهَ ابن جرير (٨/١٥١-١٥٢) تأويل مجاهد هذا بقوله: «وجْهُ تأويلِه ذلك كذلك: أنّ الإيمان هو التصديق بالله، وبرسله، وما ابتعثهم به من دينه، والكفر جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان هو: جحود الله، وجحود توحيده. ففَسَّروا معنى الكلمة بما أُرِيد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة. فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟ قيل: تأويلها: ومن يَأْبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده، والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه؛ فقد حَبِط عمله. وذلك أن الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان التصديق والإقرار. ومَن أبى التَّصْدِيق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين. فذلك تأويل الكلام على وجهه»
ذَهَبَ ابنُ جرير (٥/٢٩) إلى جواز أن يكون المراد بـ﴿سيماهم﴾ جميعَ ما ذُكِر، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله عز وجل أخبر نبيه ﷺ أنه يعرفهم بعلاماتهم، وآثار الحاجة فيهم، وإنما كان النبي ﷺ يُدْرِك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بِالعِيان، فيعرفهم وأصحابُه بها، كما يُدْرَكُ المريضُ فيُعْلَمُ أنه مريض بالمُعايَنَة. وقد يجوز أن تكون تلك السِّيما كانت تَخَشُّعًا منهم، وأن تكون كانت أثَرَ الحاجَةِ والضُّرِّ، وأن تكون كانت رَثاثَةَ الثياب، وأن تكون كانت جميع ذلك، وإنما تُدْرَكُ علامات الحاجة وآثارُ الضر في الإنسان، ويُعْلَمُ أنها من الحاجة والضر بالمُعايَنَةِ دون الوَصْفِ، وذلك أنّ المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض نَظَيرُ آثار المَجْهُودِ من الفاقَةِ والحاجَةِ، وقد يَلْبَسُ الغني ذو المال الكثير الثيابَ الرَّثَّةَ، فَيَتَزَيّا بِزِيِّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دَلالَةٌ بالصِّفَةِ على أن الموصوف به مُخْتَلٌّ ذو فاقَةٍ، وإنما يدرك ذلك عند المُعايَنَةِ بِسِيماهُ، كما وصفهم الله به، نَظِيرَ ما يُعْرَفُ أنه مريض عند المُعايَنَةِ دونَ وصفه بصفته». وإلى مثله ذَهَبَ ابن كثير (٢/٤٧٨) فقال: «وقوله: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم»