ذكر ابنُ كثير (٨‏/‏٧٧-٧٨) أنّ هذا الدعاء من يوسف عليه السلام يحتمل عدة احتمالات: الأول: أنّه قاله عند احتضاره. الثاني: أنّه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله، وانقضى عمره؛ لا أنه سأل ذلك منجزًا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام. الثالث: أنه سأل ذلك منجزًا، وكان ذلك سائغًا في مِلَّتهم. الرابع: أنّه أول مَن سأل إنجاز ذلك. ونسب ابنُ عطية (٥‏/‏١٥٦) الاحتمال الثاني للمهدوي، ورجَّحه، فقال: «وهو الأقوى عندي». ولم يذكر مستندًا. وكذا رجَّحه ابنُ تيمية (٤‏/‏٦٧بتصرف) مستندًا إلى النظائر، فقال: «والصحيح أنه لم يسأل الموتَ، ولم يَتَمَنَّه، وإنّما سأل أنّه إذا مات يموت على الإسلام؛ فسأل الصفة لا الموصوف كما أمر الله بذلك؛ وأمر به خليله إبراهيم، وإسرائيل»

ذَهَبَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٤٤٩)، وكذا ابنُ كثير (٨‏/‏٤٣٥) إلى ما ذهب إليه مجاهد ويحيى بن سلام مِن أنّ ﴿ذرّيّةَ﴾منصوبة على النداء. وقال ابنُ عطية (٥‏/‏٤٣٩): «وذلك متَّجِه إما على المفعول بـ﴿يتخذوا﴾، ويكون المعنى: ألّا تتخذوا بشرًا إلهًا من دون الله. وإما على النداء، أي: يا ذرية، فهذه مخاطبة للعالَم. قال قوم: وهذا لا يتجه إلا على قراءة مَن قرأ (تَتَّخِذُوا) بالتاء من فوق، ولا يجوز على قراءة مَن قرأ ﴿يتخذوا﴾ بالياء؛ لأن الفعل لغائب والنداء لمخاطب، والخروج من الغيبة إلى الخطاب إنما يستسهل مع دلالة الكلام على المراد، وفي النداء لا دلالة إلا على غاية التكلّف، وإما على النصب بإضمار: أعني، وإما على البدل من قوله: ﴿وكيلا﴾، وهذا أيضًا فيه تكلّف»

اختلف في معنى قوله: ﴿أسفا﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: غضبًا. والثاني: جزعًا. والثالث: حزنًا عليهم. واختار ابنُ جرير (١٥‏/‏١٤٩-١٥٠) المعنى الثالث مستندًا إلى أقوال السلف. ورأى ابنُ كثير (٩‏/‏١٠٤) تقارب الأقوال، فقال: «والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات». ونقل ابنُ عطية (٥‏/‏٥٦٥) عن الزجاج قوله: والأسف: المبالغة في حزْن أو غضب. وعلق عليه بقوله: «والأسف -في هذا الموضع-: الحزن؛ لأنه على مَن لا يملكه ولا هو تحت يد الآسف، وأنه لو كان الأسف من مقتدر على مَن هو في قبضته وملْكه لكان غضبًا، كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾ [الزخرف:٥٥]، أي: أغضبونا»

اختلف السلف في معنى: ﴿ولا تصعر خدك﴾ على أقوال: الأول: أنّه الإعراض بالوجه تكبُّرًا. الثاني: أنه التشديق. الثالث: أنّه الإعراض عمَّن بينك وبينه خصومة وإحنة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٥٩) مستندًا إلى اللغة القولَ الأول، فقال: ""وأصل الصعر: داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها، فيشبه به الرجل المتكبر على الناس. ومنه قول عمرو بن كلثوم التغلبي:وكنّا إذا الجبّار صعَّر خدَّه... أقمْنا له من مَيلِه فتقوَّما"". وبنحوه ابنُ كثير (٦‏/‏٣٣٩). وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥٢) في الآية قولًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يريد أيضًا الضد، أي: ولا سؤالًا ولا ضراعة بالفقر». ثم رجّح مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «والأول أظهر؛ بدلالة ذكر الاختيال والفخر بعد»

علّق ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٣١) على هذه القراءة، فقال: ""وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: ﴿لما﴾ بتشديد الميم. ولتشديدهم ذلك عندنا وجهان: أحدهما: أن يكون الكلام عندهم كان مرادًا به: وإن كل لمما جميع. ثم حذفت إحدى الميمات لما كثرت، كما قال الشاعر:غَداةَ طَفَتْ عَلْماءِ بكر بن وائل وعُجْنا صدور الخيلِ نحوَ تَمِيمِوالآخر: أن يكونوا أرادوا أن تكون ﴿لما﴾ بمعنى: إلا مع إن خاصة، فتكون نظيرة إنما إذا وضعت موضع إلا«. ثم علّق عليها وعلى قراءة التخفيف، فقال:»والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب"". ووجّه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٤٧) قراءة التخفيف، فقال: «وقرأ الجمهور ‹لَما› بتخفيف الميم، وذلك على زيادة»ما«للتأكيد، والمعنى: لَجميع». وعلّق ابن كثير (١١‏/‏٣٥٩) على القراءتين بقوله: «ومعنى القراءتين واحد»

ذكر ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٥٠) في قوله: ﴿إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ وجهين، رجّح الأول منهما، فقال: «وفي قوله: ﴿إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون مِن قيل الكفار للمؤمنين، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ما أنتم -أيها القوم- في قيلكم لنا: أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم. إلا في ذهاب عن الحق، وجَور عن الرشد، مبين لمن تأمله وتدبره أنه في ضلال. وهذا أولى وجهيه بتأويله. والوجه الآخر: أن يكون ذلك مِن قيل الله للمشركين، فيكون تأويله حينئذ: ما أنتم -أيها الكافرون- في قيلكم للمؤمنين: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه. إلا في ضلال مبين عن أنّ قيلكم ذلك لهم ضلال». وبنحوه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٥٣)، ولم يذكرا مستندًا. وانتقد ابنُ كثير (١١‏/‏٣٦٧) الوجه الثاني من هذين الوجهين بقوله: «وفي هذا نظر»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦١) إضافة إلى ما ورد في آثار السلف أن الجاريات يسرًا: هي السُّفن؛ قولين آخرين: أحدهما: أنها السحاب بالريح. الثاني: أنها الجواري من الكواكب. ثم علّق على الأقوال الثلاثة قائلًا: «واللفظ يقتضي جميع هذا». ورجّح ابنُ تيمية -مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية- أنها الجواري من الكواكب، فقال: «الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله:﴿فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس﴾ [التكوير:١٥-١٦] فسمّاها جواري كما سمّى الفُلك جواري في قوله: ﴿ومن ءايته الجوار في البحر كالأعلام﴾ [الرحمن:٣٢]، والكواكب فوق السحاب، ثم قال: ﴿فالمقسمات أمرا﴾ وهي الملائكة التي هي أعلى درجة من هذا كله». وقال ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٠٨): «أما الجاريات يُسرًا فالمشهور عن الجمهور: أنها السُّفن، تجري ميسرة في الماء جريًا سهلًا». ثم ذكر قول من قال: إنها الجواري من الكواكب. ولم يعلق عليه

على هذا الأثر فالتي سقت النبي ﷺ عسلًا هي حفصة، وهو ما علَّق عليه ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٢)، بقوله: «والغرض أنّ هذا السياق فيه أنّ حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته، عن عائشة. وفي طريق ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة أنّ زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأنّ عائشة وحفصة تَواطأتا وتَظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بُعد في ذلك، إلا أنّ كونهما سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر». ثم قال: «ومما يدل على أنّ عائشة وحفصة رضي الله عنهما هما المُتظاهِرتان الحديث...». وساق الأثر الوارد عن ابن عباس في سؤاله لعمر الوارد في نزول الآيات، وأثر عمر الوارد في نزول قوله: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾

اختُلف في المشار إليه بـ﴿هذا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أُشير به إلى الآيات التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى﴾. الثاني: إلى قصة هذه السورة. الثالث: إنّ هذا الذي قضى الله في هذه السورة لفي الصُّحف الأولى. الرابع: أن قوله: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى﴾ في الصُّحف الأولى. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٢٥) -مستندًا إلى الأظهر لغة- أنّ «قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى﴾، لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ﴿هذا﴾ إشارةٌ إلى حاضرٍ، فلأَن يكون إشارة إلى ما قَرُب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره». ونحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٤). وكذا ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٢٨) فقال: «وهذا اختيار حسن قوي»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٩٦) هذا الأثر، وعلّق عليه، فقال: «قال سعد بن أبي وقاص: سألتُ النبيَّ ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، فقال: «هم الذين يؤخّرونها عن وقتها». يريد -والله أعلم-: تأخير ترك وإهمال، وإلى هذا نحا مجاهد». وذكره ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٧١) من طريق ابن جرير بإسناده، ثم علّق قائلًا: «وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل ترْكها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعًا، أو تأخيرها عن أول الوقت سهوًا حتى ضاع الوقت». ثم ذكر له طريقًا آخر، فقال: «وكذا رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فروخ، عن عكرمة بن إبراهيم، به. ثم رواه عن أبي الربيع، عن جابر، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه موقوفًا». ثم علّق بقوله: «وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم»