سورة البينة — الآية ٣

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فِيها﴾ يعني: في صُحف محمد ﷺ ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ يعني: كتابًا مستقيمًا على الحقّ، ليس فيه عِوج ولا اختلاف، وإنما سُميتْ: كُتب؛ لأنّ فيها أمورًا شتى كثيرة مما ذكر الله عز وجل في القرآن

اختُلِف في صفة إسرائه ﷺ، أكان بجسده وروحه، أم بروحه فقط؟ على قولين: الأول: أنّ الإسراء كان بجسده وروحه، يقظة لا منامًا. وهذا قول الجمهور. واختلف أصحاب هذا القول هل دخل ﷺ بيت المقدس، وصلّى فيه أم لا؟ على قولين، الثاني منهما قول حذيفة. والثاني: أنّ الإسراء كان بروحه فقط، وكانت الرؤيا منامية. وهذا قول عائشة، ومعاوية، وجوَّزه الحسن، وابن إسحاق. وعلَّقَ ابنُ كثير (٨‏/‏٤٠٠بتصرف) على قول حذيفة، فقال: «هذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنهما نفي، وما أثبته غيرُه عن رسول الله ﷺ مِن ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة ببيت المقدس، مُقدَّمٌ على قوله». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥‏/‏٤٣٥بتصرف) على القول الثاني بقوله: «وركوب البُراق على قول هؤلاء يكون مِن جملة ما رأى في النوم». ثم قال: «واحتُجَّ لقول عائشة بقوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، وهذا يحتمل القول الآخر؛ لأنه يقال لرؤية العين: رؤيا، واحتُجَّ أيضًا بأن في بعض الأحاديث: «فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام». وهذا يحتمل أن يُرَدَّ من الإسراء إلى نوم. واعتُرِضَ قول عائشة بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدَّثت عن النبي ﷺ، وأما معاوية فكان كافرًا في ذلك الوقت، غير مشاهد للحال، صغيرًا، ولم يحدِّث عن النبي ﷺ». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٤٤٦-٤٤٧)، وكذا ابنُ عطية (٥‏/‏٤٣٥)، ومثلهما ابنُ كثير (٨‏/‏٤٣١-٤٣٢) قولَ الجمهور استنادًا إلى القرآن، وأقوال السلف، ودلالة العقل، وهو الظاهر مِن كلام ابن تيمية (٤‏/‏١٩٤). قال ابنُ عطية: «الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامِيَّة ما أمكن قريشًا أن تُشَنِّع، ولا فُضِّل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هاني: لا تحدِّث الناسَ بهذا فيكذبوك. إلى غير هذا من الدلائل». وقال ابنُ كثير (٨‏/‏٤٣١-٤٣٢بتصرف): «الحق أنّه ﷺ أُسْرِي به يقظةً لا منامًا، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مُسْتَعْظَمًا، ولَما بادرت كفارُ قريش إلى تكذيبه، ولَما ارتَدَّت جماعةٌ مِمَّن كان قد أسلم. وأيضًا فإنّ العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى: ﴿أسرى بعبده ليلا﴾، وقال تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به. رواه البخاري. وقال تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾، والبصر مِن آلات الذّات، لا الروح. وأيضًا فإنه حُمِل على البُراق، وهو دابة بيضاء، براقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه». وبنحوهما قال ابنُ جرير

معنى الآية على هذا القول: أنّ قاتل النفس المحرَّم قتلها يصلى النار كما لو قتل الناس جميعًا، ﴿ومن أحياها﴾ مَن سلِم من قتلها فقد سلِم من قتل الناس جميعًا. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٣٥٨) هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق مجاهد وعلي، ومجاهد من طريق شريك عن خصيف وليث و عبدة بن أبي لبابة والعلاء بن عبد الكريم مستندًا إلى الدلالات العقلية، والنظائر، فقال: «لأنه لا نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس في عاجل النفع، فكان معلومًا بذلك أنّ معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه؛ لأنّه مَن لم يتقدم على نفس واحدة فقد سلم منه جميع النفوس، وأن الواحدة منها التي يقوم قتلها مقام جميعها إنما هو في الوِزر؛ لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعم ضررًا من فقد بعض». وقال: «وذلك نظير خبر الله -عزَّ ذكره- عمَّن حاجَّ إبراهيم في ربه، إذ قال له إبراهيم: ﴿ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة:٢٥٨]. فكان معنى الكافر في قيله: ﴿أنا أحيي وأميت﴾: أنا أترك من قدرت على قتله. وفي قوله: وأميت: قتله من قتله. فكذلك معنى الإحياء في قوله: ﴿ومن أحياها﴾: مَن سَلِم الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله جل وعز في قتله منهم ﴿فكأنما أحيا الناس جميعا﴾». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥‏/‏١٨١)، ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ عطية (٣‏/‏١٥٢) الأقوال الواردة في تفسير الآية، ثم علَّق بقوله: «والذي أقول: إنّ الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يَطَّرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد تحصَّل من ثلاث جهات: إحداها: القَوَد فإنه واحد. والثانية: الوعيد، فقد توعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعدُ بسبب التوحيد فكذلك قاتل الجميع إن لو اتفق ذلك. والثالثة: انتهاك الحرمة، فإنّ نفسًا واحدة في ذلك وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع، ومثال ذلك رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئًا، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته، وطعم الآخر ثمر شجرته كله، فقد استويا في الحنث». ثم نقل عن قوم أنهم قالوا: لما كان المؤمنون كلهم يطلبون القاتل كان كمن قتل الناس جميعًا. وانتقده بقوله: «وهذا قول مُتَداعٍ، ولم يتخلص التشبيه إلى طرف في شيء من هذه الأقوال [أي: الأقوال الواردة في تفسير الآية]»

ذكر ابنُ عطية (٧/٣٦٢) اختلاف الناس في تفسير قوله: ﴿إذ يختصمون﴾ على قولين: الأول: أن اختصامهم في أمر آدم وذريته في جعلهم في الأرض. الثاني: قال ابن عطية: «وقالت فرقة: بل اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب ونحوه، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلف الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما شاء، وورد في هذا حديث فسره ابن فورك لأنه يتضمن أن النبي ﷺ قال له ربه عز وجل في نومه: فيم يختصمون؟ فقلت: لا أدري. فقال: في الكفارات، وهي إسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الخطى إلى الجماعات... الحديث بطوله». وعلّق ابنُ عطية (٧/٣٦٢) على القول الأول بقوله: «ويدل على ذلك ما يلي من الآيات». وزاد ابنُ عطية (٧/٣٦٣) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقالت فرقة: المراد بقوله: ﴿بالملإ الأعلى﴾: الملائكة. وقوله: ﴿إذ يختصمون﴾ مقطوع منه، معناه: إذ تختصم العرب الكافرة في الملإ، فيقول بعضها: هي بنات الله. ويقول بعضها: هي آلهة تعبد. وغير ذلك من أقوالهم. وقالت فرقة: أراد بـ﴿الملأ الأعلى﴾: قريشًا». وانتقد الثاني بقوله: «وهذا قول ضعيف لا يتقوى من جهة»

اختُلف في الذي رآه النبي ﷺ على قولين: الأول: أنه رأى ربَّه عز وجل. وهو قول ابن عباس، وعكرمة وما في معناه. الثاني: أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته التي خُلِق عليها. وهو قول عائشة، وابن مسعود رضي الله عنهم، وما في معناه. ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏١١٠-١١٢) القول الثاني مستندًا إلى السنة، من حديث عائشة رضي الله عنها [من طريق مسروق الآتي في تفسير قوله: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾]، فقال: «وحديث عائشة عن النبي ﷺ قاطع لكل تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ مِن ألفاظ القرآن». وعلَّق ابنُ تيمية (٦‏/‏١٣١) على القول الأول بقوله: «وليس قولُ ابن عباس أنّه رآه مُناقِضًا لهذا -أي: للقول الثاني-، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صحَّ عنه أنه قال: «رأيتُ ربي -تبارك وتعالى-». لكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لَمّا احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربّه -تبارك وتعالى- تلك الليلة في منامه. وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه حقًّا، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌّ ولا بد»

اختُلف في قوله: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ على أقوال: الأول: يؤخِّرونها عن وقتها، فلا يُصلُّونها إلا بعد خروج وقتها. الثاني: يتركونها فلا يُصلُّونها. الثالث: يتهاونون بها، ويتغافلون عنها ويلهون. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٦٣) -مستندًا إلى السنة- القول الثالث بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب بقوله: ﴿ساهون﴾ لاهون يتغافلون عنها». ثم بيّن أنّ هذا القول يَعمُّ القولين الآخرين، فقال: «وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى. وإذا كان ذلك كذلك صحّ بذلك قول مَن قال: عني بذلك: ترْك وقتها. وقول مَن قال: عني به: ترْكها. لما ذكرتُ من أنّ في السهو عنها المعاني التي ذكرت». واستدل ابنُ جرير لهذا بالأثرين الواردين عن رسول الله ﷺ عن أبي برزة وسعد بن أبي وقاص في تفسير الآية، ثم علّق قائلًا: «وكلا المعنيين اللذين ذكرتُ في الخبرين اللذين روينا عن رسول الله ﷺ محتمل عن معنى السهو عن الصلاة». وبنحوه ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٦٨-٤٦٩)، فقال: «اللفظ يشمل هذا كلّه، ولكلّ من اتصف بشيء مِن ذلك قسطٌ من هذه الآية، ومَن اتصف بجميع ذلك فقد تمّ نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي». ورجّح ابنُ تيمية (٧‏/‏١٩١-١٩٢) -مستندًا إلى السنة- أنّ الآية تعمّ القولين الأول والثالث، فقال: «وكلا المعنيين حقّ، والآية تتناول هذا وهذا، كما في صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»». ووافقه ابنُ القيم (٣‏/‏٣٧٠بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب». وانتقد القول الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، والسياق، فقال: «وليس السهو عنها ترْكها، وإلا لم يكونوا مُصلِّين، وأيضًا فإنه وصفهم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترْك لما كان هناك رياء»

سورة الصافات — الآية ٦٢

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: قال أبو جهل: لَمّا نزلت: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] قال: تعرفونها في كلام العرب؟ أنا آتيكم بها. فدعا جاريةً، فقال: ائتيني بتمر وزبد. فقال: دونكم تزقَّموا، فهذا الزقوم الذي يُخَوِّفكم به محمد. فأنزل الله تفسيرها: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾

اختُلف في معنى: ﴿إرَمَ﴾ على أقوال: الأول: أنها اسم بلدة، واختُلف في تعيينها على قولين: أحدهما: الإسكندرية. ثانيهما: دمشق. الثاني: عُنِيَ بها: أُمّة. الثالث: القديمة. الرابع: أنها قبيلة من عاد. الخامس: هو جَدُّ عادٍ. السادس: الهالك. وعلَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٤٣) على القول الرابع -وهو قول قتادة، والسُّدِّيّ- بقوله: «وهذا قول حسن جيد قوي». وذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٦٤) -مستندًا إلى اللغة- أنّ الصواب «أن يقال: إنّ إرَم إمّا اسم بلدةٍ كانت عاد تسكنها، فلذلك رُدَّتْ على عادَ على الإتباع لها، ولم تُجْرَ مِن أجل ذلك، وإمّا اسم قبيلة فلم تُجْرَ أيضًا كما لا تُجْرى أسماء القبائل كتميم وبكر وما أشبه ذلك إذا أرادوا به قبيلةً». وانتقده ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٤٥) -مستندًا إلى السياق- قائلًا: «وقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إرم﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تُصرف. فيه نظر؛ لأنّ المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: ﴿وثَمُودَ الذيْنَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾، يعني: يقطعون الصخر بالوادي». ورجَّح ابنُ جرير -مستندًا إلى القراءات- القول الرابع، وهو قول قتادة، فقال: «وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي: أنها اسمُ قبيلةٍ من عاد، ولذلك جاءت القراءة بتَرْك إضافة عاد إليها، وتَرْكِ إجرائها، كما يقال: ألم تَر ما فعل ربّك بتميم نهشل. فتُرِك نهشل -وهي قبيلةٌ- فتُرِك إجراؤها لذلك، وهي في موضع خفضٍ بالرَّد على تميمَ، ولو كانت»إرم«اسمَ بلدة أو اسمَ جدٍّ لعادٍ لجاءت القراءة بإضافة عادَ إليها، كما يقال: هذا عمرو زبيد، وحاتم طيئ، وأعشى هَمْدان، ولكنها اسم قبيلةٍ منها فيما أرى كما قال قتادة، والله أعلم، فلذلك أجمعت القرأة فيها على ترك الإضافة وترك الإجراء». وانتقد ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٦٤) القول الثالث -وهو قول مجاهد- -مستندًا إلى اللغة- بأنه «قولٌ لا معنى له؛ لأنّ ذلك لو كان معناه لكان مخفوضًا بالتنوين، وفي تَرْك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعتٍ ولا صفةٍ». وانتقد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٧) مَن عيَّن البلدة بالإسكندرية أو دمشق قائلًا: «وهذان القولان ضعيفان». ووافقه ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٤٤) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية- فقال: «ومَن زعم أنّ المراد بقوله: ﴿إرم ذات العماد﴾ مدينة إمّا دمشق، كما رُوي عن سعيد بن المسيّب، وعكرمة، أو إسكندرية كما روي عن القُرَظيّ أو غيرهما، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ إن جُعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المُسمّاة بعاد، وما أحلّ الله بهم من بأسه الذي لا يُردُّ، لا أنّ المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم»

سورة الأنبياء — الآية ١٠١

تفسير محمد بن السائب الكلبي: أنّ رسول الله ﷺ قام مُقابل باب الكعبة، ثم قرأ هذه الآية، فوجد أهلُ مكة منها وجدًا شديدًا، فقال ابن الزِّبَعْرى: يا محمد، أرأيت الآية التي قرأتُ آنِفًا، أفينا وفي آلهتنا خاصة، أم في الأمم وآلهتهم معنا؟ فقال: لا، بل فيكم وفي آلهتكم، وفي الأمم وفي آلهتهم. قال: خَصَمْتُك، وربِّ الكعبة، قد علمتَ أنّ النصارى يعبدون عيسى وأمه، وأنّ طائفة من الناس يعبدون الملائكة، أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟ فسكت رسول الله عليه السلام، وضحِكت قريش، وضَجُّوا. فذلك قوله: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون﴾ يعني: يضجون، ﴿وقالوا﴾ يعني: قريشًا: ﴿أآلهتنا خير أم هو﴾ قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف:٥٧-٥٨]. وقال: هاهنا في هذه الآية في جواب قولهم: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ وهم عيسى وعزير والملائكة

أفادت الآثارُ الاختلافَ في إحكام هذه الآية، والمأمور بها، على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الآية محكمة، والمأمور بها ورثة الميت. وثانيها: أنها منسوخة بالمواريث والوصية. وثالثها: أنها محكمة، والمأمور بها المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية. واختلف أصحاب القول الأول: هل الأمر في الآية على جهة الوجوب أو الندب؟ قولان، ذكرهما ابن عطية (٢‏/‏٤٧٥)، وابن كثير (٣‏/‏٣٦٠). واختلف القائلون بالوجوب فيما إذا كان الوارث صغيرًا لا يتصرف في ماله: هل يعطي وليّ الوارث الصغير من مال وليه، أو ليس له ذلك؛ لأنه غير مالك للمال، ولكنه يقول لهم قولًا معروفًا؟ قولان، ذكرهما ابن جرير (٦‏/‏٤٤١-٤٤٤)، وابن عطية (٢‏/‏٤٧٥). واختلف القائلون بإحكام الآية في المخاطب بقوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولًا معروفًا﴾ -بناء على ماسبق- فقيل: هم ولاة اليتامى. وقيل: هم المحتضرون الذين يُوصون فِي مالِهم. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٣٨) استنادًا إلى السياق القولَ الثالثَ أنّها محكمة، والمأمور بها المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية. وهو قول عائشة، وسعيد بن المسيب، وابن زيد. وانتَقَدَ القولَ بالنسخ -وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي مالك، والضحاك، وقول لابن عباس-؛ لعدم الدليل عليه، ولإمكان الجمع بين هذه الآية وآية المواريث. وقال مُبَيّنًا معناها: «إنّما عنى بها الوصيةَ لأولي قربى الموصي، وعنى باليتامى والمساكين: أن يقال لهم قول معروف». واسْتَدْرَكَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٧٦) على المعنى الذي قاله ابن جرير للآية، فقال: «الضمير في قوله: ﴿فارزقوهم﴾ وفي قوله: ﴿لهم﴾ عائد على الأصناف الثلاثة، وغير ذلك مِن تفريق عود الضميرين -كما ذهب إليه الطبري- تحَكُّمٌ». وكذلك فعل ابنُ كثير (٣‏/‏٣٦٣)، فقال: «وقد اختار ابن جرير هاهنا قولًا غريبًا جِدًّا، وحاصله: أنّ معنى الآية عنده ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أي: وإذا حضر قسمةَ مال الوصية أولو قرابة الميت ﴿فارْزُقُوهُمْ مِنهُ وقُولُوا لَهُمْ﴾ لليتامى والمساكين إذا حضروا ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ هذا مضمون ما حاوله بعد طُول العبارة والتكرار، وفيه نظر»