رجَّح ابنُ جرير (٥/٢٦٠ بتصرف) قول الربيع والضحاك بعدمِ حَدِّ القنطارِ بحَدٍّ معلوم، مستندًا إلى أنّ العرب لم تكن تحدُّه بِحَدٍّ، وإلا لَما وقع الاختلافُ، فقال: «وقد ذكر بعضُ أهل العلم بكلام العرب: أنّ العرب لا تَحُدُّ القِنطارَ بمِقدارٍ معلوم مِن الوَزْنِ، ولكنها تقول: هو قَدْرٌ ووَزْنٌ، وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك؛ لأنّ ذلك لو كان محدودًا قدرُه عندها لم يكن بين مُتَقَدِّمِي أهلِ التأويل فيه كُلُّ هذا الاختلاف. فالصواب في ذلك أن يُقال كما قال الربيع بن أنس، ولا يُحَدَّ قَدْرُ وزنه بحَدٍّ». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٣/٢٨). وذكر ابنُ جرير (٥/٢٦٠) أنّ ﴿المقنطرة﴾: هي المُضَعَّفة، فقال: «وأمّا ﴿المقنطرة﴾: فهي المُضَعَّفَة، وكأن القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة، وهو كما قال الربيع بن أنس». وانتقدَهُ ابنُ عطية (٢/١٧٢) بقوله: «وهذا ضُعْفُ نَظَرٍ، وكلامٌ غيرُ صحيح». ولم يذكر سبب ذلك
لم يذكر ابنُ جرير (٥/٤٣٦) إلا ما جاء في هذا القول من أنّ ﴿إلى﴾ بمعنى: مع، ووجَّهَه مستندًا إلى لغة العرب بقوله: «وإنما حَسُنَ أن يقال: ﴿إلى الله﴾ بمعنى: مع الله؛ لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه؛ جعلوا مكان»مع«:»إلى«أحيانًا». وخالف ابنُ عطية (٢/٢٣٤) ابنَ جرير، حيث ذهب إلى أنّ ﴿إلى﴾ في الآية ليست بمعنى: مع، وإنما هي للدلالة على الغاية، فقال مُعَلِّقًا على قول مَن جعلها بمعنى: مع: «نعم، إنّ»مع«تسد في هذه المعاني مَسَدَّ»إلى«، لكن ليس يباح من هذا أن يقال: إن»إلى«بمعنى»مع«، حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة:٦]، فقال: ﴿إلى﴾ بمعنى»مع«، وهذه عجمة، بل ﴿إلى﴾ في هذه الآية غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد ﴿إلى﴾ فيما قبلها من طريق آخر». وبنحوه قال ابنُ كثير (٣/٦٧). ويكون معنى قوله: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ عندهما، أي: من يتبعني أو من ينصرني في السبيل إلى الله
اختُلِف في معنى قوله: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾؛ فقيل: هم المكاتَبون. وقيل: إنهم عبيد يُشترون بهذا السهم. ورجَّح ابنُ جرير (١١/٥٢٥) مستندًا إلى الإجماع، والدلالات العقلية القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن عباس، والحسن، ومالك، وأبو عبيد، فقال: «لإجماع الحُجَّة على ذلك، فإنّ الله جعل الزكاة حقًّا واجِبًا على مَن أوجبها عليه في ماله يُخرِجها منه، لا يرجع إليه منها نفعٌ مِن عَرَض الدنيا ولا عِوَض، والمُعْتِقُ رقبةً منها راجعٌ إليه ولاءَ مَن أعتقه، وذلك نفعٌ يعود إليه منها». وذكر أنّه قولُ الجمهور الأعظم. وذكر ابنُ تيمية (٣/٣٨٨-٣٨٩) أنّه يدخل في الرقاب: إعانةُ المكاتَبين، وافتداء الأسرى، وعتق الرقاب، ثم قال: «وهذا أقوى الأقوال فيها». وذكر ابنُ كثير (٧/٢٢٢) أنّه على القول الثاني فالرِّقاب أعمُّ مِن أن يُعْطِي المكاتَب، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا
أفادت الآثار اختلاف السلف في المراد بقوله: ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ على قولين: الأول: أنّ الطالب: هو الآلهة. والمطلوب: هو الذباب. الثاني: أن الطالب: هو السائل من بني آدم الآلهة. والمطلوب: هو الأصنام المَدْعُوَّة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٦٣٦) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعَلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلت: هذا القول أولى بتأويل ذلك لأنّ ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب؛ فأن يكون ذلك خبرًا عما هو به مُتَّصل أشبه مِن أن يكون خبرًا عما هو عنه منقطع». وبنحوه قال ابنُ كثير (٥/٤٥٤). وأمّا ابنُ القيم (٢/٢٢٢) فقد رجّح العموم في الآية، فقال: «والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع، فضعُفَ العابدُ والمعبود: المستلِبُ والمستلَبُ». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٦/٢٧٤) القولين، وبيّن أن الآية تحتمل وجهًا ثالثًا، فقال: «ويحتمل أن يريد: ضَعُفَ الطّالِبُ وهو الذباب في استلابه ما على الأصنام، وضعف الأصنام في ألا مَنَعَة لهم»
بيّن ابنُ جرير (٢٢/٢٣٢) أنّ الحميم الآن: ماء قد أُسخن وأُغلي حتى انتهى حرّه. ثم ذكر أنّ أهل التأويل قالوا بنحو ذلك، وحكى أقوالهم. ثم ذكر قول ابن زيد أنّ الآني: الحاضر، ولم يعلّق عليه. وذكر ابنُ عطية (٨/١٧٦-١٧٧) القولين، ثم قال معلّقًا: «ويحتمل قوله: ﴿آن﴾ أن يكون من هذا ومن هذا». ثم رجّح -مستندًا إلى النظائر، ولغة العرب- الأول بقوله: «وكونه من الثاني أبين، ومنه قوله تعالى: ﴿غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب:٥٣]». ثم قال: «ويُشبه أن يكون الأمر في المعنيين قريبًا بعضه من بعض، والأول أعم من الثاني». وبيّن ابنُ كثير (١٣/٣٢٨) كذلك تقارب المعنيين، فقال: «والحاضر لا ينافي ما روي عن القُرَظيّ أولًا أنه الحار، كقوله تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ [الغاشية:٥] أي: حارّة شديدة الحر لا تستطاع. وكقوله: ﴿غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: استواءه ونُضجه. فقوله: ﴿حميم آن﴾ أي: حميمٌ حارّ جدًّا»
اختُلف في «الليالي العشر» ما هي؟ على أقوال: الأول: هي ليال عشر ذي الحِجّة. الثاني: العشر الأُوَل من المُحرّم. الثالث: العشر الأواخر من رمضان. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٣٤٨) -مستندًا إلى السنة، وإجماع أهل التأويل- القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق أبي نصر، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لإجماع الحجّة من أهل التأويل عليه، وأنّ عبد الله بن أبي زيادٍ القَطواني حدَّثني قال: ثني زيد بن حباب، قال: أخبرني عيّاش بن عقبة، قال: ثني خير بن نُعيم، عن أبي الزُّبير، عن جابر، أنّ رسول الله ﷺ قال: ﴿والفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ﴾، قال: «عَشرُ الأضحى»». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (١٤/٣٣٨). وزاد ابنُ عطية (٨/٦٠٤، ٦٠٥) قولين آخرين نقلهما: الأول عن بعض الرواة: «هي العشر الأُوَل من رمضان»، والثاني عن مجاهد: «هي عَشرُ موسى عليه السلام التي أتمَّها الله تعالى له»
اختُلف في معنى: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ أيُّ المغانم هي؟ على قولين: الأول: هو كلّ مَغْنَم غَنِمه المسلمون. الثاني: هي مغانم خَيْبَر. وعلَّق ابنُ جرير (٢١/٢٨٠) على القول الأول بقوله: «وعلى هذا التأويل يَحْتَمِل الكلام أن يكون مرادًا بالمغانم الثانية: المغانمُ الأولى، ويكون معناه عند ذلك: فأثابهم فتحًا قريبًا ومغانمَ كثيرةً يأخذونها، وعدكم الله -أيُّها القوم- هذه المغانم التي تأخذونها، وأنتم إليها واصلون عِدَةً، فجعل لكم الفتح القريب من فتح خَيْبَر. ويَحْتَمِل أن تكون الثانية غير الأولى، وتكون الأولى من غنائم خَيْبَر، والغنائم الثانية التي وعَدَهموها من غنائم سائر أهل الشرك سواهم». ورجَّح (٢١/٢٨١) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- أنها سائر المغانم التي غنموها بعد خَيْبَر، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله أخبر أنه عجَّل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله ﷺ إلى مكة، ولِما عُلِم مِن صحة نيَّتهم في قتال أهلها؛ إذ بايعوا رسول الله ﷺ على أن لا يفرُّوا عنه، ولا شكّ أن التي عُجِّلَت لهم غير التي لم تُعَجَّل لهم»
اختلف أهلُ التأويل في الذين جاوزوا النهر مع طالوت على قولين: الأول: هم أهل الإيمان فقط؛ مَن لم يشرب مِن النهر، ومَن شرب منه غرفة. والثاني: هم أهل الإيمان، وأهل الكفر؛ الذين شربوا منه الكثير. والظاهرُ مِن كلام ابن عطية (٢/١٥) ميلُه للقول الأول، حيث قال: «وما رُوِي عن ابن عباس مِن أنّ في الأربعة الآلاف من شَرِب؛ يَرِدُ عليه قولُه تعالى: ﴿هو والذين آمنوا معه﴾. وأكثرُ المفسرين على أنّه إنّما جاوز النَّهَر مَن لم يشرب إلا غرفة ومَن لم يشرب جُمْلَةً، ثم كانت بصائرُ هؤلاء مختلفةً؛ فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّمَ». وقد رَجَّحَ ابنُ جرير (٤/٤٩٢-٤٩٣ بتصرف) القولَ الثاني، وانتَقَدَ القولَ الأولَ، استنادًا إلى السياق، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب: ما رُوِي عن ابن عباس، وقاله السُّدِّيُّ، وهو أنّه جاوز النَّهَرَ مع طالوت المؤمنُ الذي لم يشرب من النهر إلا الغرْفَة، والكافرُ الذي شرب منه الكثير، ثم وقع التَّمْيِيزُ بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه، وانخَزَلَ عنه أهلُ الشِّرك والنفاق. فإن ظَنَّ ذو غفلة أنّه غيرُ جائز أن يكون جاوز النَّهَرَ مع طالوت إلا أهلُ الإيمان الذين ثبتوا معه على إيمانهم، ومَن لم يشرب من النهر إلا الغرفة -لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه﴾. فكان معلومًا أنّه لم يُجاوِز معه إلا أهل الإيمان، على ما روي به الخبرُ عن البراء بن عازب، ولأنّ أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهلُ الإيمان لَما خَصَّ اللهُ بالذكر في ذلك أهلَ الإيمان- فإنّ الأمر في ذلك بخلاف ما ظَنَّ؛ وذلك أنّه غير مُسْتَنكر أن يكون الفريقان -أعني: فريق الإيمان، وفريق الكفر- جاوزوا النهر، وأخبر الله نبيَّه محمدًا ﷺ عن المؤمنين بالمجاوزة؛ لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملِكِهم، وترك ذكر أهل الكفر وإن كانوا قد جاوزوا النَّهَر مع المؤمنين. والذي يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك قولُ الله -تعالى ذكره-: ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾. فأوجب اللهُ -تعالى ذكره- أنّ الذين يظنون أنّهم ملاقو الله هم الذين قالوا عند مجاوزة النهر: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ دون غيرهم الذين لا يَظُنُّون أنهم ملاقو الله، وأنّ الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله هم الذين قالوا: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾. وغيرُ جائز أن يُضاف الإيمانُ إلى مَن جَحَدَ أنّه مُلاقي اللهِ، أو شَكَّ فيه»
وجَّهَ ابنُ جرير (١/٤٤٨) قولَ أبي صالح، فقال: «وأمّا وجْهُ تأويل من تَأَوَّل ذلك: أنّه الإماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله: ﴿وكنتم أمواتا﴾ إلى أنّه خطابٌ لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم». ثم انتقده بظاهرِ الآية وسياقها، فقال: «وذلك معنى بعيد؛ لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم، لا استعتاب واسترجاع. وقوله -جَلَّ ذِكْرُه-: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا﴾ توبيخ مستعتب عباده، وتأنيب مسترجع خلقه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الإنابة، ولا إنابة في القبور بعد الممات، ولا توبة فيها بعد الوفاة». وعلَّقَ ابنُ كثير (١/٣٣٢) على قول أبي صالح بقوله: «وهذا غريب»
اسْتَدْرَكَ ابنُ جرير (٦/٥٨٤) على قول السديّ لدلالة القرآن والواقع بقوله: «قيل: إن معنى قوله: ﴿وإن تعودوا نعد﴾: وإن تعودوا للاستفتاح نعد لفتح محمد ﷺ. وهذا القول لا معنى له؛ لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذِن له في حرب أعدائه إظهارَ دينه وإعلاءَ كلمته، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال -والأمر كذلك-: إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد. لأن الله قد كان وعد نبيه ﷺ الفتح بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧/٤٤)