قال ابنُ عطية (٥/٤٥٢): «وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الرد على مَن قال: إنّ الميت يعذب ببكاء الحي عليه. ونكتة ذلك المعنى: إنما هي أن التعذيب إنما يقع إذا كان البكاء مِن سُنَّة الميت وتَسَبُّبِه، كما كانت العرب تفعل». وقال ابنُ كثير (٨/٤٤٥)، فقال: «لا منافاة بين هذا وبين قوله: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت:١٣]، وقوله: ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ [النحل:٢٥]؛ فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا مَن أضلوا مِن غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده»
علَّق ابنُ عطية (٥/٥٣٤) على هذا الأثر بقوله: «وذلك أنه كان عندهم في التوراة: أنّ الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يُطلع عليه أحدًا من عباده». ثم علَّق على عبارة بعضهم: لا تسألوه. بقوله: «يعني: -والله أعلم- مِن أنه لا يفسره، فتقوى الحجة عليهم في نبوته». وذكر أن الضمير في ﴿ويسألونك﴾ لليهود، والآية مدنية. وذكر ابنُ كثير (٩/٧٢) أن هذا السياق يقتضي مدنية الآية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وأجاب عن هذا بأمرين: الأول: أنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. الثاني: أنه نزل عليه وحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: ﴿ويسألونك عن الروح﴾
وجَّهَ ابنُ كثير (٩/٢٣٠ بتصرف) قول ابن عباس بقوله: «كأنّه أخذه من ظاهر قوله تعالى: ﴿فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾». ثم انتقده مستندًا للغة، فقال: «وهذا غريب... فالفاء وإن كانت للتعقيب، ولكن تعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما﴾ [المؤمنون:١٢-١٤]، فهذه الفاء للتعقيب بحسبها، وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يومًا. وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج:٦٣]»
اختُلِف في معنى «الفاحشة» في هذا الموضع على خمسة أقوال: الأول: أنها الزنا، والإخراج -على ذلك- هو الإخراج لإقامة الحد. والثاني: أنها البذاء على أحمائها. والثالث: أنها كلّ معصية لله. والرابع: أنها نشوز المرأة على زوجها. والخامس: أنها خروج المرأة من بيتها قبل انقضاء عِدّتها. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢٣/٣٦) -استنادًا إلى اللغة والعموم- جميع تلك المعاني، فقال: «الصواب مِن القول في ذلك عندي قول مَن قال: عنى بالفاحشة في هذا الموضع: المعصية. وذلك أنّ الفاحشة هي كلُّ أمر قبيح تُعُدِّي فيه حدُّه، فالزِّنا مِن ذلك، والسَّرَق والبَذاء على الأحماء، وخروجها متحوِّلة عن منزلها الذي يلزمُها أن تعتدَّ فيه منه، فأي ذلك فعلتْ وهي في عِدّتها فلزوجها إخراجها من بيتها؛ ذلك لإتيانها بالفاحشة التي ركبتها». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٤/٢٨)
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٠١) أنّ ﴿الروح﴾ هو جبريل عند الجمهور، وأنه خَصّصه بالذكر تشريفًا. وذكر قولين آخرين: الأول: أنّ الروح: ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم، لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة. ونسبه لمجاهد. الثاني: أنه اسم الجنس في أرواح الحيوان. ونسبه لبعض المفسرين. وذكر ابنُ كثير (١٤/١٢٥) قولًا ثالثًا، ونسبه لأبي صالح، وهو أنّ الروح خَلْقٌ من خَلْق الله، يُشبِهون الناس، وليسوا أناسًا. ثم علَّق بقوله: «ويحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام. ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قُبِضتْ يُصعَد بها إلى السماء، كما دلّ عليه حديث البراء»
نقل ابنُ جرير اختلاف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ ذلك كان يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم. الثاني: أنّ معناه: ما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يُكَذِّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم عليه السلام. الثالث: أنّ معنى الآية: ما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله لِيؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٠/٣٣٨) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني الذي هو قول أبي بن كعب، والربيع، مُعَلِّلًا ذلك بقوله: «وذلك أنّ مَن سبق في علم الله -تبارك وتعالى- أنّه لا يؤمن به فلن يؤمن أبدًا، وقد كان سبق في علم الله تعالى لمن هلك من الأمم التي قصَّ نبأَهم في هذه السورة أنّه لا يؤمن أبدًا، فأخبر -جلَّ ثناؤه- عنهم أنّهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم. ولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض -يا محمد- من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده. كان وجهًا ومذهبًا، غير أني لا أعلم قائلًا قاله مِمَّن يُعْتَمد على علمه بتأويل القرآن». وهذا القول الذي جوّز صوابَه ابنُ جرير غيرَ ألاّ قائل له من أهل التأويل الذين يُعتمدُ على قولِهم قال به مقاتل بن سليمان، كما سيأتي في آثار تفسير الآية. وقد أشار ابنُ عطية (٤/١١) إلى قول أبي كعب، ثم علَّق عليه قائلًا: «فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم، لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل»
اختلف السلف في معنى اللهو على أقوال: الأول: أنه الغناء. الثاني: أنه الطبل. الثالث: أنه الشرك. الرابع: أنه أخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨/٥٣٩) صحّةَ جميع ذلك؛ للعموم في معنى ذلك، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: عنى به كل ما كان من الحديث ملهيًا عن سبيل الله، مما نهى الله عن استماعه أو رسوله؛ لأن الله تعالى عم بقوله: ﴿لهو الحديث﴾ ولم يخصص بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه، حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك». وذكر ابنُ عطية (٧/٤٢) هذه الأقوال وبعض روايات النزول، ثم رجّح مستندًا إلى ظاهر سياق الآية بقوله: «والذي يترجح أن الآية نزلت في لهو حديث مضاف إلى كفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾، وبالتوعد بالعذاب المهين، وأما لفظة الشراء فمحتملة للحقيقة والمجاز على ما بينا، ولهو الحديث: كل ما يلهي من غناء وخنا ونحوه». وعلّق ابنُ القيم (٢/٣١٧-٣١٨) على القول الأول والرابع، فقال: «ولا تعارض بين تفسير ﴿لهو الحديث﴾ بالغناء، وتفسيره: بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يُحَدِّث به أهل مكة، يشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث، ولهذا قال ابن عباس: لهو الحديث: الباطل والغناء. فمن الصحابة من ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما». ثم قال: «والغناء أشد لهوًا، وأعظم ضررًا من أحاديث الملوك وأخبارهم؛ فإنه رقية الزنا، ومنبت النفاق، وشرك الشيطان... إذا عرف هذا فأهل الغناء ومستمعوه لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن، وإن لم ينالوا جميعه، فإنّ الآيات تضمنت ذمَّ من استبدل لهو الحديث بالقرآن ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا»
وجَّه ابن كثير (٧/٨١) قول قتادة بأنه جعل الفيء والغنيمة بمعنى واحد، ولذا قال بالنسخ. وانتقد ابنُ جرير (١١/١٨٦) قول قتادة بالنسخ مستندًا إلى عدم التعارض، فقال: «وأما قول من قال: الآية التي في سورة الأنفال ناسخةٌ الآيةَ في سورة الحشر فلا معنى له، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى». وانتقده ابن عطية (٤/١٩٣) مستندًا لأحوال النزول، ودلالة العقل، فقال: «وهذا قول ضعيف، نَصَّ العلماء على ضعفه، وأن لا وجه له من جهات؛ منها أن هذه السورة نزلت قبل سورة الحشر، هذه ببدر وتلك في بني النضير وقرى عرينة، ولأن الآيتين متفقتان، وحكم الخُمُس وحكم تلك الآية واحد؛ لأنها نزلت في بني النضير حين جلوا وهربوا، وأهل فدك حين دعوا إلى صلح ونال المسلمون ما لهم دون إيجاف». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧/٨١). ونقل ابنُ عطية (٤/١٩٣-١٩٤) قولًا لأبي عبيدة بأن هذه الآية ناسخة لقوله في أول السورة: ﴿قُلِ الأَنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآية، وأن رسول الله ﷺ لم يُخَمِّس غنائم بدر، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذه الآية، وانتقده مستندًا للسنة بقوله: «ويظهر في قول علي بن أبي طالب في البخاري: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ببدر، وشارف أعطانيها رسول الله ﷺ من الخُمُس حينئذ. أن غنيمة بدر خُمِّست، فإن كان ذلك فسد قول أبي عبيدة». ثم قال: «ويحتمل أن يكون الخُمُس الذي ذكره علي بن أبي طالب من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد، فقد كانت غزوة بني سليم، وغزوة السويق، وغزوة ذي أمر، وغزوة بُحران، ولم يحفظ فيها قتال، ولكن يمكن أن غنمت غنائم»
اختُلِف في الذين كادوا أن يستفزوا رسول الله ﷺ ليخرجوه من الأرض، وفي الأرض التي أرادوا أن يخرجوه منها، على قولين: [الأول]: أنّ الذين كادوا أن يستفزوا رسول الله ﷺ من ذلك: اليهود. والأرض التي أرادوا أن يخرجوه منها: المدينة. و[الثاني]: أنّ الذين كادوا أن يستفزوا رسول الله ﷺ من ذلك: قريش. والأرض التي أرادوا أن يخرجوه منها: مكة. ورجَّحَ[ت٣] [ابنُ جرير] (١٥/٢٠) القولَ الثانيَ -وهو قول مجاهد، وقتادة- استنادًا إلى السياق، فقال: «أولى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ قتادة ومجاهد، وذلك أنّ قوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض﴾ في سياق خبر الله عز وجل عن قريش وذكره إياهم، ولم يجرِ لليهود قبل ذلك ذِكر، فيوجَّه قوله: ﴿وإن كادوا﴾ إلى أنه خبر عنهم، فهو بأن يكون خبرًا عمن جرى له ذكر أولى من غيره». وهو ظاهرُ[ت٣] كلام [ابن تيمية] (٤/٢٣٨)، وكذا[ت٤] [ابنُ كثير] (٩/٤٩-٥٠). وانتَقَدَ[ت٢] [ابنُ كثير] (٩/٤٩) القولَ الأولَ -وهو قول حضرميّ، وسعيد، ومقاتل، وغيرهم- بقوله: «قيل: نزلت في اليهود؛ إذ أشاروا على رسول الله ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء، وترْك سكنى المدينة. وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك. وقيل: إنها نزلت بتبوك. وفي صحته نظر». وذكر[ت٤] [ابنُ عطية] (٥/٥٢١) أنّ الزجاج حكى أنّ استفزازهم هو ما كانوا أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله، ثم علَّق[ت٤] بقوله: «و﴿الأَرْضِ﴾ -على هذا- عامة في الدنيا، كأنه قال: يخرجوك من الدنيا. وعلى سائر الأقوال هي أرض مخصوصة؛ إما مكة، وإما المدينة، كما قال تعالى: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣]. وإما معناه: من الأرض التي فيها تصرفهم وتمتعهم»
ذكر ابن جرير (٦/٣١) اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ على قولين: الأول: مِن وجْهِهم هذا. وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وابن زيد من طريق ابن وهب. والثاني: مِن غضبهم هذا. وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، والضحاك، وعكرمة، وأبي صالح من طريق مالك بن مِغْوَل. ثم بيَّن الأصل اللغوي لكلمة الفَوْر، فقال: «وأصل الفَوْرِ: ابتداءُ الأمر يؤخذ فيه ثم يوصل بآخر، يُقال منه: فارت القِدْر، فهي تفور فَوْرًا وفَوَرانًا، إذا ما ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل. ومضَيْتُ إلى فلانٍ مِن فوري ذلك، يُراد به: مِن وجْهي الذي ابتَدَأْت فيه». ثم وجَّه كِلا القولين، فقال: «فالذي قال في هذه الآية: معنى قوله: ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾: مِن وجْهِهِم هذا، قَصَد إلى أنّ تأويله: ويأتيكم كُرْزُ بن جابر وأصحابه يوم بدر مِن ابتداء مَخْرَجهم الذي خرجوا منه، لنصرة أصحابهم من المشركين. وأمّا الذين قالوا: معنى ذلك: مِن غضبهم هذا، فإنما عَنَوا أنّ تأويل ذلك: ويأتيكم كفار قريش وتُبّاعُهم يوم أحد، مِن ابتداءِ غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قُتِلوا يوم بدرٍ بها». ووجَّه ابنُ عطية (٢/٣٤٧) قول من قال: إنّ المعنى: من غضبهم هذا، فقال: «وهذا تفسير لا يخص اللفظة، قد يكون الفَوْر لغضبٍ ولطمعٍ ولرغبةٍ في أجر، ومنه الفَوْر في الحج والوضوء»