اختُلِف في المخبر عنهم بقوله: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، ومَن قائلوه؟ فقال بعضهم: قائلو ذلك الملائكة للمجرمين. وقال آخرون: ذلك قول المشركين إذا عاينوا الملائكة، ومعناه الاستعاذة من الملائكة. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٤٣٠) مستندًا إلى اللغة والعقل القولَ الأول، وانتقد الثانيَ الذي قاله ابنُ جريج، ومجاهد من طريق ابن جريج، فقال: «وإنّما اخترنا القولَ الذي اخترنا في تأويل ذلك مِن أجل أنّ الحِجْر هو الحرام، فمعلومٌ أنّ الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أنّ البُشرى عليهم حرام. وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة، وليست بتحريم، ومعلومٌ أنّ الكفار لا يقولون للملائكة: حرام عليكم. فيُوَجَّه الكلام إلى أنّ ذلك خبر عن قِيل المجرمين للملائكة». وانتقد ابنُ كثير (١٠/٢٩٥-٢٩٦) القولَ الثاني مستندًا للسياق، وقول الجمهور، فقال: «وهذا القول -وإن كان له مأخذ ووجه- ولكنه بالنسبة إلى السياق في الآية بعيد، لا سيما قد نص الجمهور على خلافه». ثم علق على الروايات المختلفة عن مجاهد بقوله: «ولكن قد روى ابنُ أبي نَجِيح عن مجاهد أنه قال في قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾: أي: عوذًا معاذًا. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج. ولكن في رواية ابن أبي حاتم عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد أنه قال: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أي: عوذًا معاذًا، الملائكة تقُوله. فالله أعلم». وساق ابنُ عطية (٦/٤٣٠) القول الثاني، ثم قال: «ويحتمل أن يكون المعنى: ويقولون: حرام محرم علينا العفو»
عن أنس بن مالك -من طريق الزُّهريّ- قال: لَمّا نزلت سورة ﴿والتِّينِ﴾ على رسول الله ﷺ فرِح بها فرحًا شديدًا، حتى تَبيّن لنا شدة فرحه، فسألنا ابنَ عباس عن تفسيرها، فقال: ﴿والتِّينِ﴾ بلاد الشام، ﴿والزَّيْتُونِ﴾ بلاد فلسطين، ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ الذي كلّم الله موسى عليه، ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ محمد ﷺ، ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عبَدة اللّات والعُزّى، ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذ بعثك فيهم نبيًّا، وجمعك على التقوى، يا محمد
أفادت الآثارُ تفسيرَ السلف للذِّكر بأنه القرآن، وقد ذكر ابنُ عطية (٦/٤٧١) في معنى الذكر قولًا آخر أن المراد به: محمد ﷺ. ثم علّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: يحتمل أن يريد بـ»الذكر«: محمد ﷺ، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق:١٠]، فيكون وصفه بالمحدث مُتَمَكِّنًا». يعني: فيكون وصف الذكر بالمحدث -على القول بأنه محمد ﷺ- له نفسه على الحقيقة، لا يحتاج إلى تأويل؛ بخلاف القول بأنه القرآن فإنه يحتاج إلى أن يقال: محدث الإتيان، أي: مجيء القرآن للبشر كان شيئًا بعد شيء، لا هو في نفسه. ثم رجّح القول الأول لأنّه الأفصح بقوله: «والقول الأول أفصح»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وشددنا ملكه﴾ على أقوال: الأول: شدد ملكه بالجنود والرجال. الثاني: كان الذي شدد به ملكه أن أعطي هيبةً مِن الناس له لقضية كان قضاها. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٤٨) عدم القطع بأحد القولين، مستندًا للعموم، وعدم دليل الحصر بأحدهما، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تبارك وتعالى- أخبر أنّه شدد ملك داود، ولم يحصر ذلك مِن تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة مِن الناس له، ولا على هيبة الناس له دون الجنود، وجائزٌ أن يكون تشديدُه ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائزٌ أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله؛ إذ لم يحصر ذلك على بعض معاني التشديد خبرٌ يجبُ التسليم له»
اختُلِف في المراد بالحياة الطيبة على خمسة أقوال: الأول: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال. والثاني: أنّ المراد: أنه تعالى يرزقهم في الدنيا القناعة. والثالث: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا حياة مؤمنين به عاملين بطاعته. والرابع: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا سعداء. والخامس: أنّ المراد بالحياة الطيبة: حياة الآخرة، ونعيم الجنة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٣٥٤-٣٥٥) القولَ الثانيَ -وهو قول عليّ، والحسن، ووهب بن منبه، ومحمد بن كعب، وغيرهم- استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، فقال: «أولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة. وذلك أنّ من قنَّعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها. وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية لأن الله -تعالى ذكره- أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله﴾ فهذا لهم في الدنيا، ﴿ولكم﴾ في الآخرة ﴿عذاب عظيم﴾ فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك ما لمن أوفى بعهد الله وأطاعه، فقال تعالى: ﴿ما عندكم﴾ في الدنيا ﴿ينفد وما عند الله باق﴾، فالذي أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم هذه السيئة بحكمته أراد أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فعل -تعالى ذكره-». وعَلَّقَ (١٤/٣٥٥) على القول الأول بقوله: «وأما القول الذي روي عن ابن عباس أنه: الرزق الحلال. فهو محتمل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال وإن قلَّ، فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال، وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال لم نرهم رزقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥/٤٠٦) على القول الخامس -وهو قول مجاهد، وقتادة، وابن زيد، وقول آخر للحسن- بقوله: «هناك هو الطيب على الإطلاق، ولكن ظاهر هذا الوعد أنه في الدنيا». ثم قال: «والذي أقول: إن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونُبلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة؛ فذلك كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب». وذَهَبَ ابنُ كثير (٨/٣٥٢-٣٥٣بتصرّف) مستندًا إلى السُّنَّة إلى أنّ الحياة الطيبة تشمل كل تلك الأقوال، فقال: «الصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه»، «قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع به»»
انتقد ابن كثير (٧/٥٩) مستندًا إلى مخالفة التاريخ، ومستندًا إلى الدلالة العقلية، وأقوال السلف قولَ المطلب بن أبي وداعة، وعبيد بن عمير، فقال: «وذِكْر أبي طالب في هذا غريبٌ جدًّا، بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتِمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لَمّا تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا: ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي...». وذكر أثر ابن عباس بأنّ نفرًا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة... إلخ. واستدرك ابن عطية (٤/١٧٢) على قولهما، فقال: «وهذا المَكْرُ الذي ذَكَره الله في هذه الآية هو بإجماع من المفسرين إشارةٌ إلى اجتماع قريش في دار النَّدْوَة بمَحْضَر إبليس في صورة شَيْخٍ نَجْدِيٍّ على ما نَصَّ ابن إسحاق في سِيَرِه. الحديث بطوله، وهو الذي كان خروج النبي ﷺ من مكة بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب»
اختلف في معنى «الروح» في هذه الآية على أقوال: الأول: الوحي. الثاني: النبوة. الثالث: الرحمة والوحي. الرابع: كل كلام الله روح. الخامس: أنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح. وهو قول مجاهد. وأن الروح خلق من الملائكة. وهو قول ابن جريج. وزاد ابن عطية (٥/٣٢٦، ٣٢٧) قولًا نسبه إلى الزجاج: أنّ الروح: ما تحيا به القلوب من هداية الله تعالى لها. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا قول حسن». ووجَّهه بقوله: «وكأن اللفظة على جهة التشبيه بالمقايسة، أي: إن هذا الذي أُمِر الأنبياء أن ينذروا به الناس من الدعاء إلى التوحيد هو بالمقايسة إلى الأوامر التي هي في الأفعال والعبادات كالروح للجسد، ألا ترى قوله تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام:١٢٢]». ثم بيَّن معنى ﴿مِن﴾ على هذا القول وعلى باقي الأقوال، فقال: «و﴿مِن﴾ في هذه الآية -على هذا التأويل الذي قدرناه- للتبعيض، وعلى سائر الأقوال لبيان الجنس». ونقل ابن عطية عن ابن جريج قوله: «الروح: شخص له صورة كصورة بني آدم، ما نزل جبريل قط إلا وهو معه، وهم كثير، وهم ملائكة». وانتقده مستندًا إلى عدم الدليل على صحته قائلًا: «وهذا قول ضعيف لم يأتِ به سند»
اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الشهوات﴾ على أربعة أقوال: أولها: أنهم الزناة. وثانيها: أنهم اليهود والنصارى. وثالثها: أنهم اليهود خاصَّة. ورابعها: أنهم كل متبع شهوة في دينه لغير الذي أُبيحَ له. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٦٢٣-٦٢٤) استنادًا إلى عموم لفظ الآية القولَ الرابعَ، وهو قول ابن زيد من طريق ابن وهب، وقال مُعَلِّلًا ذلك: «وإنّما قلنا: ذلك أولى بالصواب لأنّ الله عز وجل عمّ بقوله: ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات﴾، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمَّهم بوصفهم بذلك، من غير وصفهم باتّباع بعض الشهوات المذمومة. فإذ كان ذلك كذلك فأولى المعاني بالآية ما دلَّ عليه ظاهرُها دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل أو قياس، وإذا كان ذلك كذلك كان داخلًا في ﴿الذين يتبعون الشهوات﴾: اليهود، والنصارى، والزناة، وكلُّ متبع باطلًا؛ لأن كُلَّ متَّبعٍ ما نهاه الله عنه فمُتَّبِعٌ شهوة نفسه. وإذا كان ذلك بتأويل الآية أولى وجبتْ صحةُ ما اخترنا من القول في تأويل ذلك». وذَهَبَ إلى ذلك أيضًا ابنُ تيمية (٢/٢٣٢)، وابنُ كثير (٣/٤٤٣)
اختُلِف في قراءة قوله: ﴿نكتل﴾؛ فقرأ قوم بالنون. وقرأ غيرهم بالياء. وذكر ابنُ جرير (١٣/٢٣١) أنّ قراءة النون بمعنى: نكتل نحن وهو. وأنّ قراءة الياء بمعنى: يكتل هو لنفسه كما نكتال لأنفسنا. وبنحوه قال ابنُ عطية (٥/١١٣). وابنُ كثير (٨/٥٥). وذكر ابنُ عطية أنّ قراءة النون على مراعاة: ﴿مُنع منا﴾، ثم علّق بقوله: «ويقويه: ﴿ونمير أهلنا﴾﴿ونزداد﴾». ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٢٣١) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وصِحَّة معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مُتَّفِقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئُ فمصيبٌ الصواب، وذلك أنّهم إنّما أخبروا أباهم أنّه مُنِع منهم زيادة الكيل على عدد رءوسهم، فقالوا: ﴿يا أبانا منع منا الكيل﴾. ثم سألوه أن يرسل معهم أخاهم ليكتال لنفسه، فهو إذا اكتال لنفسه واكتالوا هم لأنفسهم فقد دخل الأخ في عددهم، فسواء كان الخبر بذلك عن خاصة نفسه، أو عن جميعهم بلفظ الجميع، إذ كان مفهومًا معنى الكلام وما أريد به»
اختُلف في صفة اللؤلؤ والمرجان على أقوال: الأول: أنّ اللؤلؤ: ما عظم من الدُّر، والمرجان: ما صغر منه. الثاني: أنّ المرجان من اللؤلؤ: الكبار، واللؤلؤ منها: الصغار. الثالث: أنّ المرجان: جيد اللؤلؤ. الرابع: أنّ المرجان حجر. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٢/٢٠٨) أنّ اللؤلؤ هو ما يخرج من أصداف البحر من الحبّ، فقال مستندًا إلى اللغة: «والصواب من القول في اللؤلؤ: أنه هو الذي عرفه الناس مما يخرج من أصداف البحر من الحبّ». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣/٣١٨). وأما المرجان فقد علّق ابنُ جرير على الأقوال الواردة فيه بقوله: «وأما المرجان فإني رأيتُ أهل المعرفة بلسان العرب لا يتدافعون أنه جمع مرجانة، وأنه الصغار من اللؤلؤ، وقد ذكرنا ما فيه من الاختلاف بين متقدمي أهل العلم». ورجّح ابنُ عطية (١٦٧/٢٢٨) في اللؤلؤ ما جاء في القول الثاني، فقال: «والوصف بالصّغر هو الصواب في اللؤلؤ». ورجّح في المرجان أنه حجرٌ أحمر، فقال: «وقال ابن مسعود وغيره: المرجان: حجر أحمر. وهذا هو الصواب في المرجان». ولم يذكر فيهما مستندًا