انتَقَدَ ابنُ كثير (٢/٢١٤) هذا القول الذي قال به الربيع، وابن زيد، مستندًا لنظائر المعنى من القرآن، وسياق الآية، بقوله: «وفي هذا نظر؛ لأنّ قوله: ﴿الذين يقاتلونكم﴾ إنّما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين هِمَّتُهم قتالُ الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة:٣٦]؛ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾، أي: لِتَكُن هِمَّتُكم مُنبَعِثَةً على قتالهم كما أنّ هِمَّتَهُم مُنبَعِثَةٌ على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصًا». ثم قال بعد ذلك: «وقد حُكِي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: أنّ أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ الآية [الحج:٣٩]، وهو الأشهر، وبه ورد الحديث»
ذكر ابنُ تيمية (١/٤٨٧) أنّ هناك من جعل المعنى: ادخلوا كلكم. ثم رجَّح القول بأنّ المراد: جميعًا، مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وهذا هو الصحيح؛ فإن الإنسان لا يُؤْمَرُ بعمل غيره، وإنما يُؤْمَر بما يَقْدِر عليه. وقوله: ﴿ادخلوا﴾ خطاب لهم كلهم، فقوله: ﴿كافة﴾ إن أريد به مجتمعين؛ لَزِم أن يترك الإنسانُ الإسلام حتى يسلم غيرُه، فلا يكون الإسلام مأمورًا به إلا بشرط موافقة الغير له، كالجمعة، وهذا لا يقوله مسلم. وإن أريد بـ﴿كافة﴾ أي: ادخلوا جميعكم؛ فكلُّ أوامر القرآن كقوله: ﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ [النساء:١٣٦]، ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة:٤٣] كلها من هذا الباب». وبنحوه قال ابنُ كثير (٢/٢٧٣-٢٧٤)
انتَقَد ابنُ عطية (٣/١٥٣) هذا القول الذي قاله عكرمة والحسن مستندًا إلى دلالة نصوص الشرع بقوله: «وفي هذا ضعف؛ لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال». وذكر ابنُ كثير (٥/١٩٦) أنّ هذا القول يتأيد بخاتمة الآية: ﴿لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾؛ لأنّ أهل الإسلام قد ثبت في حقهم ما جاء عند مسلم، عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضُنا بعضًا، فمَن وفى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له»""
علَّقَ ابنُ كثير (٦/٤٨٢) على آثار الحسن هذه -ما عدا الثاني منها- بقوله: «هذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنهما أنّه فسَّر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأَوْلى ما حُمِلَت عليه الآية». وبيَّنَ ابنُ جرير (١٠/٦٢٨) المعنى على قول الحسن -ومَن قال بقوله-، فقال: «قالوا: معنى الكلام: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها -أيها الرجل الكافر- حملت حملًا خفيفًا، فلما أثقلَتْ دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مِمّا ابتُدِئ به الكلامُ على وجْه الخطاب، ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب، كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢]»
قال ابنُ عطية (٦/٩٩): «وقول فرعون: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد إلا: ما بال القرون الأولى لم تُبعث إليها، ولم يوجد أمرك عندها؟ فَرَدَّ موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى. ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول، والرجوع إلى سؤال موسى عمَّن سلف من الناس روغانًا في الحجة وحَيْدَةً». وقال ابنُ كثير (٩/٣٤٤) في معنى الآية: «أصحُّ الأقوال في معنى ذلك: أنّ فرعون لَمّا أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدَّر فهدى؛ شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول، لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟»
اختُلف في المراد بالآية على أقوال: الأول: أنها عامة. الثاني: النبي ﷺ. الثالث: المؤذّنين. ورجَّح ابنُ عطية (٧/٤٨٣) القول بالعموم الذي قاله قتادة، والحسن، فقال: «والأصوب أن يُعتقد أن الآية نزلت عامة». ولم يذكر مستندًا. وبنحوه ابنُ كثير (١٢/٢٤٢) مستندًا إلى أحوال النُّزول، فقال: «والصحيح أن الآية عامة في المؤذّنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعًا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شُرع بالمدينة بعد الهجرة، حين أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصّه على رسول الله ﷺ، فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتًا، كما هو مقرّر في موضعه، فالصحيح إذًا أنها عامة»
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿وأَوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ يعني: بني إسرائيل، يعني بالاستضعاف: قتل الأبناء، واستحياء النساء بأرض مصر، وورَّثهم ﴿مَشارِقَ الأَرْضِ﴾ المقدسة، ﴿ومَغارِبَها﴾ وهي الأردن وفلسطين ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ يعني بالبركة: الماء، والثمار الكثيرة
علَّقَ ابن كثير (١/٥١٩) على أثر الحسن بقوله: «وقول الحسن البصري رحمه الله: قد كان السحر قبل زمان سليمان بن داود. صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام، وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة:٢٤٦]، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾، وقال قوم صالح -وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام لنبيهم صالح: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء:١٥٣]، أي: من المسحورين. على المشهور»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.. ﴾ على أقوال: الأول: أنها رؤيا عين، وهي ما رأى النبي ﷺ لما أسري به من مكة إلى بيت المقدس. الثاني: أنها رؤيا منام، وهي رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة. الثالث: أنها رؤيا منام؛ إنما كان رسول الله ﷺ رأى في منامه قومًا يعلون منبره. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٦٤٦-٦٤٧) مستندًا لإجماع الحجة من أهل التأويل القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عنى به: رؤيا رسول الله ﷺ ما رأى من الآيات والعبر في طريقه إلى بيت المقدس، وبيت المقدس ليلة أسري به، وقد ذكرنا بعض ذلك في أول هذه السورة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لإجماع الحجة من أهل التأويل على أنّ هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإياه عنى الله عز وجل بها». وبنحوه ابنُ كثير (٩/٣٦-٣٧). ووجّه ابنُ عطية (٥/٥٠٣) قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ على القول الأول، فقال: «فعلى هذا يحسن أن يكون معنى قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما خلق له، أي: فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك: إن الله محيط بهم، مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر. وسميت الرؤية في هذا التأويل: رؤيا، إذ هما مصدران من رأى». ووجّه القول الثالث، فقال: «ويجيء قوله: ﴿أحاط بالناس﴾ أي: بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك، وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ [الأنبياء:١١١]». ثم انتقده بقوله: «وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية»
نقل ابنُ جرير (١٧/٤٧٥) اختلافًا عن السلف في تفسير قوله: ﴿وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا﴾ على قولين: الأول: أنّه جعل بينهما يبسًا. الثاني: أنّه جعل بينهما حاجِزًا مِن قدرته سبحانه؛ فلا يُغَيِّر أحدُهما الآخر ولا يفسده. وقد رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى ظاهر الآية القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر في أول الآية أنّه مرج البحرين، والمرج: هو الخلط في كلام العرب. على ما بينتُ قبلُ، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا لم يكن هناك مَرْجٌ للبحرين، وقد أخبر -جلَّ ثناؤه- أنّه مرجهما، وإنّما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه، فأمّا إذا كان كل واحد منهما في حيِّز عن حيِّز صاحبه فليس هناك مَرْجٌ، ولا هناك مِن الأعجوبة ما يُنَبَّه عليه أهلُ الجهل به من الناس ويذكرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر، والمواعظ، والحجج البوالغ». وذكر ابنُ عطية (٦/٤٤٦) في الآية أقوالًا، ثم علّق بقوله: «والذي أقول به في الآية: إنّ المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى، وإتقان خلقه للأشياء في أن بثَّ في الأرض مياهًا عذبة كثيرة مِن أنهار وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج، وجعل الأجاج خلالها، فتلقّى البحر قد اكْتَنَفَتْه المياهُ العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، وهو قوله: ﴿مَرَجَ﴾، ومنه: مريج، أي: مختلط مشتبك، ومنه: ﴿في أمر مريج﴾ [ق:٥]. والبحران يريد بهما: جميع الماء العذب، وجميع الماء الأجاج، كأنه قال: مرج نوعي الماء. والبرزخ والحجر: هو ما بين البحرين من الأرض واليبس. قاله الحسن. ومنه القدرة التي تمسكها مع قرب ما بينهما في بعض المواضع»