ذكر ابنُ عطية (١‏/‏٣٩٤) ما ورد في أقوال السلف أنّ المراد بالآية أهل الكتاب، ثم علّق قائلًا: «وتتناول الآية بعدُ كل من كتم علمًا من دين الله يُحتاج إلى بَـثِّه، وذلك مُفَسَّر في قول النبي ﷺ: «مَن سُئِل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». وهذا إذا كان لا يخاف، ولا ضرر عليه في بثه»

وجّه ابنُ جرير (٤‏/‏١٢٩) تفسير الآية على هذا القول الذي قال به ابن عباس من طريق علي، ومجاهد من طريق أبي نجيح بقوله: «وتأويل الآية على قول هؤلاء: سُنَّةُ الطلاق التي سَنَنتُها وأَبَحْتُها لكُم إن أرَدتُم طلاقَ نِسائِكم: أن تُطَلِّقُوهُنَّ ثنتين، في كل طُهْرِ واحدة، ثُمَّ الواجب بعد ذلك عليكم إمّا أن تُمْسِكُوهُنَّ بمعروف، أو تُسَرِّحُوهُنَّ بإحسان»

وجَّه ابنُ جرير (٤‏/‏٣٣٧) معنى الآية على هذا القول، فقال: «فتأويل ذلك على هذا القول: وأن تعفوا أيُّها المفارقون أزواجَهم، فتتركوا لَهُنَّ ما وجب لكم الرجوع به عليهِنَّ مِن الصَّداق الذي سُقْتُمُوه إليهِنَّ، أو تُتِمُّوا لهن بإعطائكم إياهُنَّ الصَّداقَ الذي كنتم سَمَّيْتُم لَهُنَّ في عقدة النكاح إن لم تكونوا سُقْتُمُوه إليهِنَّ؛ أقربُ لكم إلى تقوى الله»

نَقَل ابنُ عطية (٢‏/‏١٧) قولَ مَكِّيٍّ [١‏/‏٨٣٨] في تفسير الآية: وأكثرُ المفسرين على أنّ المعنى: لولا أنّ الله يدفع بِمَن يصلي عمَّن لا يصلي، وبِمَن يَتَّقِي عمَّن لا يتقي؛ لأهلك الناس بذنوبهم. وهو عينُ ماورد في أثر ابن عباس هذا. وانتَقَدَهُ فقال: «وليس هذا معنى الآية، ولا هي منه في ورد ولا صدر»

رَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٥٨١، ٥٨٢) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية عَدَمَ تعيينِ المارِّ على قرية، وأنّه يجوزُ أن يكونَ مَن ذُكرَ في أقوالِ السّلفِ، مبيّنًا أنّه لا حاجة إلى معرفة اسمه؛ إذ ليس ذلك هو المقصود بالآية، وإنّما المقصود بها تعريف المنكرين قدرةَ الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادته إياهم بعد فنائهم

ذكر ابنُ عطية ٢‏/‏٣٠٢ قول زيد، وقولًا آخر عن الحسن وقتادة والسدي: بأن هذه الآيات نزلت في أحبار اليهود الذين كانوا يصدون المسلمين عن الإسلام، ويقولون لهم: إن محمدًا ليس بالموصوف في كتابنا. ثم علّق على القولين مستشهدًا بأحوال النزول، فقال: «ولا شك في وقوع هذين السببين وما شاكلهما من أفعال اليهود وأقوالهم، فنزلت الآيات في جميع ذلك»

أفادت الآثار الاختلاف في أمر المجادلة، وهل كان في الذبيحة أم القرآن؟ ولم يذكر ابنُ جرير (٩‏/‏٢٠١) غير القول الأول الذي قاله ابن عباس. وهو ما انتقَدَه ابنُ عطية (٣‏/‏٣٣٩) مستندًا للسياق، فقال: «وهذا جدال في حكم، والذي في الآية إنما هو جدال في مدافعة القرآن، فلا تتفسر الآية عندي بأمر الذبح»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٤٩٠) في معنى الآية احتمالين: «أحدهما: لا يستطيعون سبيلًا إلى الهدى، والنظر المؤدي إلى الإيمان». ثم وجَّهه بقوله: «فتجري الآية مجرى قوله تعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الإسراء:٤٦]، ونحو هذا». «والآخر: لا يستطيعون سبيلًا إلى إفساد أمرك، وإطفاء نور الله بِضَرْبهم الأمثال لك، واتباعهم كل حيلة في جهتك»

رجّح ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٣) مستندًا إلى دلالة العموم أن قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ عامٌّ في جميع الخلق، فقال: «الخطاب بقوله: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ قيل: هو خطاب يعمُّ جميع العالم. وقيل: هو خطاب للمؤمنين حينئذ الذين أراد الله تعالى أن يبين عندهم خطأ الكافرين، ولا شك أن المخاطب هم، ولكنه خطاب يعمُّ جميع الناس»

قالَ ابن عطية (٨‏/‏٢٨١-٢٨٢): «رُوي أن هذه الآيات لما نَزَلَتْ، وأزمع المؤمنون امتثال أمرها، وصَرم حبال الكفرة، وإظهار عداوتهم؛ لحقهم تأسّفٌ على قراباتهم، وهم مَن أن لم يؤمنوا ولم يهتدوا حتى يكون بينهم الود والتواصل، فنَزلت: ﴿عسى الله﴾ الآية مُؤْنسةً في ذلك ومُرَجِّيةً أن يقع موقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميع إخوانًا»