تفسير محمد بن السائب الكلبي، في قوله: ﴿لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾، قال: بلغنا -والله أعلم-: أنّ عبد الله بن أبي أمية المخزومي هو الذي قال ذلك حين اجتمع الرَّهْطُ من قريش بفناء الكعبة، فسألوا نبيَّ الله أن يبعث لهم بعض أمواتهم، ويسخر لهم الريح، أو يسير لهم جبال مكة، فلم يفعل شيئًا مما أرادوا، فقال عبد الله بن أبي أمية عند ذلك: أما تستطيع -يا محمد- أن تفعل بقومك بعض ما سألوك، فوالذي يحلِف به عبد الله بن أبي أمية، لا أؤمن لك -أي: لا أصدقك- أبدًا حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا
انتَقَدَ ابنُ كثير (٣/٨-٩) مستندًا إلى القرآن كونَ قولِ مجاهد تفسيرًا لهذه الآية بقوله: «وهذا إنّما هو في تفسير قوله: ﴿كتابًا متشابهًا مثاني﴾ [الزمر:٢٣]، هناك ذكروا: أنّ المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين؛ كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار ونحو ذلك، فأمّا هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المُحْكَم». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٢/٢٩)، وزاد فقال: «كذلك قوله: ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ لو أريد بالمتشابه تصديق بعضه بعضًا لكان اتِّباع ذلك غير محذور، وليس في كونه يُصَدِّق بعضه بعضًا ما يمنع ابتغاء تأويله»
نقل ابنُ جرير (٧/١٧٥) خلافًا بين السلف في تفسير قوله: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ على قولين: الأول: أنّه أمر باتِّباع سُنَّةِ النبي. الثاني: أنّه أمرٌ بطاعة النبي في حياته. وقد رَجَّح ابنُ جرير العمومَ في الآية، وأنّ ذلك: «أمرٌ مِن الله بطاعة رسوله ﷺ في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتِّباع سُنَّتِه؛ وذلك أنّ الله عمَّ بالأمر بطاعته، ولم يُخَصِّص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يَخُصَّ ذلك ما يجب التسليم له». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٨٨) عن ابن زيد قولًا آخر، فقال: «وقال ابن زيد: معنى الآية: وأطيعوا الرسول». وعلَّق عليه قائلًا: «يريد: وسنته بعد موته»
علَّق ابنُ كثير (٧/٥١) على قول ابن عباس قائلًا: «وهذا تفسير حسن جدًّا». وذكر ابنُ عطية (٤/١٦٥-١٦٦) قول ابن عباس وقول الزبير، ثم علّق قائلًا: «فيجيء قوله: ﴿لا تصيبن﴾ على هذا التأويل صفة لـ﴿فتنة﴾، فكان الواجب إذا قدَّرنا ذلك أن يكون اللفظ: لا تصيب». ثم ذكر ابنُ عطية في معنى الآية قولًا آخر، فقال: «والتأويل الآخر في الآية هو أن يكون قوله: ﴿واتقوا فتنة﴾ خطابًا عامًّا لجميع المؤمنين مستقلًّا بنفسه، تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة، وأُخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول»
اختُلِف في تفسير قوله: ﴿كانوا من آياتنا عجبا﴾؛ فقال قوم: المعنى: قد كان في آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وقال آخرون: بل المعنى: إنّ الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضل منه. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/١٥٧) مستندًا إلى أحوال النزول القولَ الأول الذي قاله مجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، فقال: «لأن الله عز وجل أنزل قصة أصحاب الكهف على نبيه احتجاجًا بها على المشركين من قومه... إذ سألوه عنها اختبارًا منهم له بالجواب عنها صِدْقه، فكان تقريعهم بتكذيبهم بما هو أوكد عليهم في الحجة مما سألوا عنهم، وزعموا أنهم يؤمنون عند الإجابة عنه؛ أشبهَ من الخبر عما أنعم الله على رسوله من النعم»
اختلف في تفسير «المُهل» على ثلاثة أقوال: الأول: ما أذيب وانماع. والثاني: الدم والقيح الأسود. والثالث: ما انتهى حرُّه. ورأى ابنُ جرير (١٥/٢٥٠) تقارب الأقوال بدلالة العقل، فقال: «وهذه الأقوال وإن اختلفت بها ألفاظ قائليها فمتقاربات المعنى، وذلك أنّ كل ما أذيب من رصاص أو ذهب أو فضة فقد انتهى حرُّه، وأن ما أُوقدت عليه من ذلك النار حتى صار كدُرْدِيِّ الزيت فقد انتهى أيضًا حرُّه». وبنحوه ابنُ كثير (٩/١٣٣)، فقال: «وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإنّ المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود مُنتِن غليظ حارٌّ؛ ولهذا قال: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، أي: مِن حرِّه»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأقرب رحما﴾ على قولين: أحدهما: أقرب بِرًّا بوالديه من الغلام المقتول. كما في قول قتادة. وثانيهما: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. كما في قول عطية العوفي. وقد رجّح ابنُ جرير (١٥/٣٦١) القول الأول، فقال: «وإنّما معنى ذلك: وأقرب من المقتول أن يرحم والديه فيبرهما، كما قال قتادة». ثم استدرك على القول الثاني لخروجه عمّا قاله أهل التأويل من السلف، فقال: «وقد يتوجه الكلام إلى أن يكون معناه: وأقرب أن يرحَما به. غير أنه لا قائل مِن أهل تأويل تأوله كذلك، فإذ لم يكن قال به قائل فالصواب فيه ما قلنا لِما بَيَّنّا»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ذي الذكر﴾ على قولين: الأول: ذي الشرف. الثاني: ذي التذكير، ذكركم الله به. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٩) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله أتبع ذلك قوله: ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾، فكان معلومًا بذلك أنّه إنما أخبر عن القرآن أنّه أنزله ذِكرًا لعباده ذَكَّرهم به، وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق». وذكر ابنُ كثير (١٢/٧١) القولين، وعلّق عليهما بقوله: «ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار». وزاد ابنُ عطية (٧/٣٢٠) قولًا ثالثًا، فقال: «وقالت فرقة: معناه: ذي الذكر للأمم والقصص والغيوب»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ على أقوال: الأول: أنّ المراد بذلك: يوم القيامة. الثاني: مدة بقاء الدنيا. الثالث: الحساب. وساق ابنُ عطية (٨/٤٠٢-٤٠٣) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «والعامل في قوله تعالى: ﴿يوم﴾ -على قول مَن قال: إنه يوم القيامة- قوله: ﴿دافع﴾، وعلى سائر الأقوال: ﴿تعرج﴾». وذكر ابنُ كثير (١٤/١٢٧) أنّ القول الأول وردت فيه أحاديث، وساق الحديث الوارد عن أبي سعيد في تفسير الآية، والوارد عن أبي هريرة في الآثار المتعلقة بالآية. وذكر قولًا آخر وهو أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة. ونسبه لمحمد بن كعب، وعلَّق عليه بقوله: «وهو قول غريب جدًّا»
اختُلِف في قراءة قوله: ﴿قبلا﴾؛ فقرأته قرأة أهل المدينة: ‹قِبَلًا› بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: معاينة، من قول القائل: لقيته قبلًا، أي: معاينة ومجاهرة. وقرأته قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿قُبُلا﴾ بضم القاف والباء. وللقراءة الثانية ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون القُبُل جمع قَبيل، كالرُّغف التي هي جمع رغيف، ويكون القبل: الضمناء والكفلاء، وتأويل الكلام: وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. والوجه الآخر: أن يكون القبل بمعنى المقابلة والمواجهة، من قول القائل: أتيتك قُبُلا لا دبرًا، إذا أتاه من قِبَل وجهه، ومنه قوله تعالى: ﴿قُدَّ من قُبُل﴾ [يوسف:٢٦]، وقراءة ابن عمر: (لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) أي: لاستقبالها ومواجهتها في الزمن. والوجه الثالث: أن يكون معناه: وحشرنا عليهم كل شيء قبيلة قبيلة، صنفًا صنفًا، وجماعة جماعة. فيكون القبل حينئذ جمع قبيل، الذي هو جمع قبيلة، فيكون القبل جمع الجمع. ينظر: تفسير ابن جرير (٩/٤٩٤-٤٩٥)، وتفسير ابن عطية (٣/٣٤٢-٣٤٣). ورجَّح ابنُ جرير (٩/٤٩٦ بتصرف) قراءة الضم مستندًا إلى لغة العرب، فقال: «وأَوْلى القراءتين في ذلك بالصواب عندنا... لِما ذكرنا من احتمال ذلك الأوجه التي بينّا من المعاني، وأن معنى القِبَل داخل فيه، وغير داخل في القِبَل معاني القُبُل»