ذكر ابنُ عطية (٧/٩) في معنى قوله تعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ الكُفّار من قريش والعرب لا يعلمون أنّ الأمور مِن عند الله -تبارك وتعالى-، وأن وعْده لا يتخلَّف، وأن ما يورده نبيه -عليه الصلاة والسلام- حقٌّ. ورجَّح هذا المعنى قائلًا: «وهذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل». ثم انتقد مستندًا إلى الإجماع ما حكاه ابنُ جرير من روايات للنزول تفيد مدنية الآية، فقال: «وقد حكى الطبريُّ وغيرُه روايات يردُّها النظر أوَّل قول، من ذلك أن بعضهم قال: إنما نزلت ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك. فهذا يقتضي أن الآية مدنية، والسورة كلها مكية بإجماع، ونحو هذا من الأقوال»
ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٥٠) في قوله: ﴿إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ وجهين، رجّح الأول منهما، فقال: «وفي قوله: ﴿إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون مِن قيل الكفار للمؤمنين، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ما أنتم -أيها القوم- في قيلكم لنا: أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم. إلا في ذهاب عن الحق، وجَور عن الرشد، مبين لمن تأمله وتدبره أنه في ضلال. وهذا أولى وجهيه بتأويله. والوجه الآخر: أن يكون ذلك مِن قيل الله للمشركين، فيكون تأويله حينئذ: ما أنتم -أيها الكافرون- في قيلكم للمؤمنين: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه. إلا في ضلال مبين عن أنّ قيلكم ذلك لهم ضلال». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٢٥٣)، ولم يذكرا مستندًا. وانتقد ابنُ كثير (١١/٣٦٧) الوجه الثاني من هذين الوجهين بقوله: «وفي هذا نظر»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ على أقوال: الأول: أن الأيدي القوة في الطاعة، والأبصار: أنهم أهل بصائر في الدين والعلم. الثاني: أن الأيدي: النعمة. وقد بيّن ابنُ جرير (٢٠/١١٤) أن المعنى: أنهم أهل قوة في الطاعة وأهل بصائر القلوب، فقال: «وقوله: ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ ويعني بالأيدي: القوة، يقول: أهل القوة على عبادة الله وطاعته، ويعني بالأبصار: أنهم أهل إبصار القلوب، يعني به: أولي العقول للحق. وقد اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضُهم في ذلك نحوًا مما قلنا فيه». ثم ذكر آثار السلف على هذا. وقال ابنُ عطية (٧/٣٥٥): «وقوله تعالى: ﴿والأَبْصارِ﴾ عبارة عن البصائر، أي: يبصرون الحقائق وينظرون بنور الله تعالى، وبنحو هذا فسَّر الجميعُ»
اختُلف في معنى قوله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ على قولين: الأول: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه. الثاني: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادَته نفسُه من شيء. وعلَّق ابنُ عطية (٨/٦٠٠) على القول الثاني الذي قاله سعيد بن جُبير، ومقاتل، وسفيان، بقوله: «إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة». ثم بيّن أن هذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الأمّارة. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٩٣) -مستندًا إلى ظاهر الآية- القول الثاني، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أفرأيت -يا محمد- مَن اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي مِن شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء؛ لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره»
اختُلف في معنى: ﴿وأَلَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: طريقة الكفر. الثاني: طريقة الهدى. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٤٣٣) القول الأول بقوله: «أي: لو كفر مَن أسلم مِن الناس لأَسقيناهم ماءً إملاءً لهم واستدراجًا». ووجَّه القول الثاني بقوله: «والمعنى: على طريقة الإسلام والحق، وهذا المعنى نحو قوله تعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ [المائدة:٦٥]، وقوله تعالى: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦]». ثم رجَّح الثاني -مستندًا إلى اللغة، والعقل- بقوله: «وهذا القول أبْيَن؛ لأنّ استعارة الاستقامة للكفر قلقة»
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إنّ الله تعالى بعث إلياس إلى بعْلَبَكَّ، وكانوا قومًا يعبدون الأصنام، وكانت ملوكُ بني إسرائيل متفرقةً على العامة، كل ملك على ناحية يأكلها، وكان الملك الذي كان إلياس معه يُقَوِّم له أمرَه، ويقتدي برأيه، وهو على هدًى مِن بين أصحابه، حتى وقع إليهم قومٌ مِن عبدة الأصنام، فقالوا له: ما يدعوك إلا إلى الضلالة والباطل. وجعلوا يقولون له: اعبدْ هذه الأوثان التي تعبد الملوكُ، ودعْ ما أنت عليه. فقال الملك لإلياس: يا إلياس، واللهِ، ما تدعو إلا إلى الباطل، إني أرى ملوكَ بني إسرائيل كلهم قد عبدوا الأوثان التي تفيد الملوكَ، وهم على ما نحن عليه، يأكلون ويشربون وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم مِن أمرهم الذي تزعم أنّه باطل، وما لنا عليهم مِن فضل. فاسترجع إلياس، فقام شعرُ رأسه وجلده، فخرج عليه إلياس. قال الحسن: وإنّ الذي زَيَّن لذلك الملك امرأتُه، وكانت قبلَه تحت ملكٍ جبّار، وكان مِن الكنعانيين في طول وجسم وحُسن، فمات زوجُها، فاتَّخذت تمثالًا على صورة بعلِها مِن الذهب، وجعلت له حدقتين مِن ياقوتتين، وتوَّجَتْه بتاجٍ مُكَلَّل بالدرِّ والجوهر، ثم أقعدته على سرير تدخل عليه، فتدخنه وتطيبه وتسجد له، ثم تخرج عنه، فتزوجت بعد ذلك هذا الملِك الذي كان إلياس معه، وكانت فاجرةً قد قهرت زوجَها، ووضعت البعلَ في ذلك البيت، وجعلت سبعين سادِنًا، فعبدوا البَعْل، فدعاهم إلياسُ إلى الله، فلم يزِدهم ذلك إلا بُعدًا، فقال إلياس: اللهم، إنّ بني إسرائيل قد أبَوْا إلا الكفرَ بك وعبادة غيرك؛ فغيِّر ما بهم مِن نعمتك. فأوحى الله إليه: إني قد جعلتُ أرزاقهم بيدك. فقال: اللهم، أمسِك عنهم القَطر ثلاث سنين. فأمسكَ الله عنهم القطر، وأرسل إلى الملِك فتاه اليسع، فقال: قل له: إنّ إلياس يقول لك: إنّك اخترتَ عبادة البَعْل على عبادة الله، واتبعتَ هوى امرأتك؛ فاستعد للعذاب والبلاء. فانطلق اليسع، فبلغ رسالته للملك، فعصمه الله تعالى من شَرِّ الملك، وأمسك الله عنهم القَطر حتى هلكت الماشيةُ والدواب، وجَهَدَ الناس جَهْدًا شديدًا، وخرج إلياس إلى ذروة جبل، فكان الله يأتيه برزقه، وفجَّر له عينًا معينًا لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجَهد، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلوا البعلَ أن يُفَرِّج ما بنا. فأخرجوا أصنامهم، فقرَّبوا لها الذبائح، وعطفوا عليها، وجعلوا يدعون حتى طال ذلك بهم، فقال لهم الملك: إنّ إله إلياس كان أسرعَ إجابةً مِن هؤلاء. فبعثوا في طلب إلياس، فأتى، فقال: أتحبون أن يُفرَّج عنكم؟ قالوا: نعم. قال: فأخرجوا أوثانكم. فدعا إلياسُ ربَّه أن يفرج عنهم، فارتفعت سحابةٌ مثل الترس، وهم ينظرون، ثم أرسل الله عليهم المطر، فأغاثهم، فتابوا ورجعوا
اختُلف في معنى قوله تعالى: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ على قولين: الأول: من دونهما في الفَضل. الثاني: من دونهما في الدَّرَج. وذكر ابنُ عطية (٨/١٨١ بتصرف) أنّ «أكثر الناس على التأويل الأول، وهذه استدلالات ليست بقواطع، وأنه رُوي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما أنه قال: جنتان للمُقرّبين مِن ذهب، وجنتان لأهل اليمين مِن فِضة مما دون الأولَيَيْن». ورجّح ابنُ القيم (٣/١٠١-١٠٣ بتصرف) -مستندًا إلى الدلالة العقلية، وظاهر اللفظ والسياق- القول الثاني من وجوه، أهمها ما يلي: الأول: قوله: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أنه جمع فَنن، وهو الغُصن. والثاني: أنه جمع فَن، وهو الصنف، أي: ذواتا أصناف شتّى مِن الفواكه وغيرها، ولم يذكر ذلك في اللتين بعدهما. الثاني: قوله: ﴿فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾، وفي الأخريين: ﴿فيهما عينان نضاختان﴾، والنَّضّاخة هي الفوّارة، والجارية: السارحة، وهي أحسن مِن الفوارة؛ فإنها تضمن الفوران والجريان. الثالث: أنه قال: ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾، وفي الأخريين: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾، ولا ريب أنّ وصف الأُوليين أكمل. الرابع: أنه قال: ﴿متكئين على فرش بطائنها من استبرق﴾، وهذا تنبيه على فضل الظهائر وخطرها، وفي الأخريين قال: ﴿متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان﴾، وفسّر الرّفرف بالمحابس والبُسط، وفسّر بالفُرش، وفسّر بالمحابس فوقها، وعلى كلّ قول فلم يصفه بما وصف به فُرش الجنتين الأوليين. الخامس: أنه قال: ﴿وجنى الجنتين دان﴾ أي: قريب وسهل، يتناولونه كيف شاءوا، ولم يذكر ذلك في الأخريين. السادس: أنه قال: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ أي: قد قَصَرن طَرفهنَ على أزواجهنّ، فلا يرون غيرهم؛ لرضاهنّ بهم، ومحبتهنّ لهم، وذلك يتضمّن قَصرهنّ أطراف أزواجهنّ عليهنّ، فلا يدعهم حُسنهنّ أن ينظروا إلى غيرهنّ، وقال في الأخريين: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾، ومَن قَصرت طرفها على زوجها باختيارها أكمل ممن قَصرت بغيرها. السابع: أنه وصفهنّ بشبَه الياقوت والمرجان في صفاء اللون وإشراقه وحُسنه، ولم يذكر ذلك في التي بعدها. الثامن: أنه قال سبحانه وتعالى في الجنتين الأوليين: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾، وهذا يقتضي أنّ أصحابهما مِن أهل الإحسان المطلق الكامل، فكان جزاؤهم بإحسان كامل. التاسع: أنه بدأ بوصف الجنتين الأوليين، وجعلهما جزءًا لِمَن خاف مقامه، وهذا يدل على أنهما أعلى جزاء الخائف لمقامه، فرتّب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبب على سببه، ولما كان الخائفون على نوعين مُقرّبين وأصحاب يمين ذكر جنتي المُقرّبين، ثم ذكر جنتي أصحاب اليمين. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣/٣٣٨-٣٣٩)
عن عمران بن أبي أنس، قال: كان أول مَن ظاهَر في الإسلام أوْس بن الصّامت، وكان به لَمَمٌ، وكان يُفِيق أحيانًا، فَلاحى امرأته خَوْلَة بنت ثَعْلَبة في بعض صَحواته، فقال: أنتِ عَلَيَّ كظَهْر أُمّي. ثم ندم، فقال: ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عَلَيَّ. قالتْ: ما ذكرتَ طلاقًا! فأتَتِ النبيَّ ﷺ، فأَخبَرتْه بما قال، وجادلتْ رسول الله ﷺ مرارًا، ثم قالت: اللهم، إنّي أشكو إليك شِدَّة وحْدتي، وما يشقّ عليّ مِن فِراقه. قالت عائشة: فلقد بكيتُ وبكى مَن كان في البيت رحمةً لها، ورِقّة عليها، ونزل على رسول الله ﷺ الوحي، فسُرِّي عنه وهو يَبتَسم، فقال: «يا خَوْلَة، قد أنزل اللهُ فيكِ وفيه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾». ثم قال: «مُريه أن يُعْتِق رقبة». قالت: لا يجد. قال: «فمُريه أن يصوم شهرين متتابعين». قالت: لا يُطيق ذلك. قال: «فمُريه فَليُطْعِم ستين مسكينًا». قالت: وأنّى له؟! قال: «فمُريه، فليأتِ أُمَّ المُنذر بنت قيس، فليأخذ منها شَطر وسْق تمر، فَليتصدَّق به على ستين مسكينًا». فرجعتْ إلى أوْس، فقال: ما وراءكِ؟ قالت: خيرٌ وأنت ذميم. ثم أخبرتْه، فأتى أُمّ المُنذر، فأخذ ذلك منها، فجعل يُطْعِم مُدَّين مِن تمر كلّ مسكين
اختُلِف في مقدار ما يأخذ الزوج من المرأة في الفدية؛ فقال قوم: لا يجوز له أن يزيد على المهر الذي أعطاها. وقال آخرون: مباحٌ له أن يأخذ ما يشاء من قليل أو كثير. وقال غيرهم: الآية منسوخة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/١٦٢) القولَ الثاني الذي قال به عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وقَبيصَة بن ذُؤَيب، وابن عباس، ومجاهد، والنَّخَعِيّ مستندًا إلى دلالة ألفاظ الآية، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يَخُصَّ ما أباح لهما من ذلك على حَدِّ لا يُجاوَز، بل أطلق ذلك في كلِّ ما افتدت به، غير أنِّي أختارُ للرجل استحبابًا لا تحتيمًا إذا تَبَيَّنَ من امرأته أنّ افتداءها منه لغير معصية لله، بل خوفًا منها على دينها أن يفارقها بغير فدية، ولا جُعْل، فإن شَحَّت نفسُه بذلك فلا يبلغ بما يأخذ منها جميع ما آتاها». وقال مُبَيِّنًا (٤/١٥٧) حُجَّة القائلين بهذا القول: «واحتجوا لقولهم ذلك بعموم الآية، وأنّه غير جائز إحالةُ ظاهرٍ عامٍّ إلى باطن خاصٍّ إلا بحُجَّةٍ يجب التسليم لها، قالوا: ولا حُجَّة يجب التسليمُ لها بأنّ الآية مرادٌ بها بعضُ الفِدْيَة دون بعضٍ من أصلٍ، أو قياس؛ فهي على ظاهرها وعمومها». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٤/١٦٣) القول الأول بعكس ما قال في ترجيح القول الثاني. ونَقَل (٤/١٥٤) حُجَّة قائليه من السياق، والسنّة، فقال: «واحْتَجُّوا في قولهم ذلك بأنّ آخر الآية مردودٌ على أولها، وأنّ معنى الكلام: ولا يَحِلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به مما آتيتموهن. قالوا: فالذي أحَلَّه الله لهما من ذلك عند الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله هو الذي كان حُظِر عليهما قبل حال الخوف عليهما من ذلك. واحْتَجُّوا في ذلك بقصة ثابت بن قيس بن شماس، وأنّ رسول الله ﷺ إنّما أمر امرأته إذْ نَشَزَتْ عليه أن تَرُدَّ ما كان ثابتٌ أصْدَقَها، وأنها عَرَضَتِ الزيادةَ فلم يقبلها النبي ﷺ». وذهبَ ابنُ كثير (٢/٣٥١) إلى نحوه
قال يحيى بن سلام: ﴿ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم﴾، كانت تلك الأُمَّة الذين هربوا منهم قد بادت، وخُلِقت بعدهم أمة أخرى، وكانوا على الإسلام، ثم إنهم اختلفوا في البعث؛ فقال بعضهم: يبعث الناس في أجسادهم. وهؤلاء المؤمنون، وكان الملك منهم، وقال بعضهم: تبعث الأرواح بغير أجساد. فكفروا، وهذا قول أهل الكتاب اليوم، فاختلفوا، فبعث الله أصحاب الكهف آيةً ليُعْلِمَهم أنّ الناس يبعثون في أجسادهم. وقال في آية أخرى: ﴿يوم يقوم الروح﴾ [النبأ:٣٨] روح كل شيء في جسده. وهو قوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين:٦]. فلما بعث أصحاب الكهف صاحبَهم بالدراهم ليشتري لهم بها طعامًا، وهم يرون أنها تلك الأمة المشركة الذين فروا منهم، فأمروا صاحبهم أن يتلطف ولا يشعر بهم أحدًا، فلما دخل المدينة، وهي مدينة بالروم يُقال لها: فسوس، فأخرج الدراهم ليشتري بها الطعام، استُنكرت الدراهم، وأُخِذَ، فذُهب به إلى ملك المدينة، فإذا الدراهم دراهم الملك الذي فروا منه، فقالوا: هذا رجل وجد كنزًا. فلما خاف على نفسه أن يُعَذَّب أطلع على أصحابه، فقال لهم الملك: قد بيَّن اللهُ لكم ما اختلفتم فيه، فأعلمكم أن الناس يبعثون في أجسادهم. فركب الملك والناسُ معه حتى انتهوا إلى الكهف، وتقدم الرجل حتى إذا دخل على أصحابه فرآهم ورأوه ماتوا؛ لأنهم قد كانت أتت عليهم آجالهم. فقال القوم: كيف نصنع بهؤلاء؟ ﴿فقالوا ابنوا عليهم بنيانا﴾ فـ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم﴾ رؤساؤهم وأشرافهم. وقال بعضهم -مؤمنوهم-: ﴿لنتخذن عليهم مسجدا﴾