يرى ابنُ جرير (٥‏/‏٦٨٨-٦٨٩) بأن اسم الإشارة ﴿ذلك﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ راجع إلى الشيء الذي أشير إليه بـ﴿ذلك﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: أنّ ما تحملوه من غضب الله وضرب الذلة والمسكنة عليهم، بسبب كفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربهم، واعتدائهم في شرع ربهم، فاسم الإشارة الثاني عنده تأكيد للأول، وهو معنى قول قتادة. واستدرك ابنُ عطية (٢‏/‏٣٢٢) على ابن جرير، فقال بعدما ذكر قولَه: «والذي أقول: إن الإشارة بـ﴿ذلِكَ﴾ الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم، وذلك أنّ الله تعالى استدرجهم، فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة»

ذكر ابن عطية (٣‏/‏٢١٢-٢١٣) في معنى اليدين عدة أقوال، ثم رجّح مستندا إلى اللغة والسياق أن معنى قوله:﴿بل يداه مبسوطتان﴾ عبارة عن إنعامه على الجملة، فقال: ""والظاهر أن قوله تعالى:﴿بل يداه مبسوطتان﴾ عبارة عن إنعامه على الجملة، وعبَّر عنه بيدين جريًا على طريقة العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه، ومنه قول الشاعر -وهو الأعشى-:يداك يدا مجد فكف مفيدة وكف إذا ما ضن بالمال تنفقويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق"". انتهى كلامه. وما قاله باطل، والحق إثبات اليدين لله على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ينظر: الشريعة ٣‏/‏١١٤٧-١١٧٧، الإبانة الكبرى ٣‏/‏٩١-١١٣، ١٣١، أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢‏/‏٤٥١-٤٨٠

اختلف المفسرون في صفة اللباس الذي نزعه الشيطان عن آدم وحواء. ورجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏١٣٥) مستندًا إلى ظاهر اللفظ أنّ المراد: مطلق اللباس، دون تخصيص ذلك بلباس دون آخر، فقال: «إنّ الله تعالى حذَّر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء، وأن يُجَرِّدهم من لباس الله الذي أنزله إليهم، كما نزع عن أبويهم لباسهما، واللباس المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس: هو ما اجتاب فيه اللابس من أنواع الكُسى، أو غطّى بدنه أو بعضه. وإذ كان ذلك كذلك فالحقُّ أن يُقال: إنّ الذي أخبر اللهُ عن آدمَ وحواءَ من لباسهما الذي نزعه عنهما الشيطان هو بعض ما كانا يُواريان به أبدانهما وعورتهما. وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظُفُرًا، ويجوز أن يكون ذلك كان نورًا، ويجوز أن يكون كان غير ذلك، ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك كان تثبت به الحجة، فلا قول في ذلك أصوبُ من أن يقال كما قال الله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٢٥) في الآية احتمالين، ووجّههما، فقال: «ويحتمل قولهم: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ تأويلين. أحدهما: أنّهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف عليهما السلام، بحسب ظاهر الحكم، فكأنهم قالوا: إن كان قد سرق فغيرُ بِدْعٍ مِن ابْنَيْ راحيل؛ لأنّ أخاه يوسف كان قد سرق. فهذا من الإخوة إنْحاءٌ على ابْنَيْ راحيل: يوسف، وبنيامين. والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أنّ السرقة في جانب يوسف وبنيامين مظنونة، كأنهم قالوا: إن كان هذا الذي رُمِي به بنيامين حقًّا في نفسه فالذي رُمِي به يوسف قبل حقٌّ إذًا. وكأنّ قصة يوسف والظن به قَوِيا عندهم أقوى مِمّا ظهر في جهة بنيامين». ثم ذكر عن بعض المفسرين أن تقدير الكلام: «فقد قيل عن يوسف: إنه سرق». وانتقده مستندًا للفظ الآية قائلًا: «ونحو هذا من الأقوال التي لا ينطبق معناها على لفظ الآية»

عَلَّقَ ابنُ كثير (٩‏/‏٤٧) على هذا القول، فقال: «ويحتمل أن المراد بإمامهم: أي: كل قوم بمن يأتمون به؛ فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم، كما قال: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ [القصص:٤١]، وفي الصحيحين: «لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع ما كان يعبد الطواغيت الطواغيت» الحديث. وقال تعالى: ﴿وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ [الجاثية:٢٨-٢٩]، وهذا لا يُنافي أن يُجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته؛ فإنه لا بد أن يكون شاهدًا على أمته بأعمالها، كقوله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء﴾ [الزمر:٦٩]، وقوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [النساء:٤١]»

أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في المعني بالظلمات؛ فقيل: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقيل: ظلمة جوف حوت، في ظلمة جوف حوت آخر. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٣٨٣) مستندًا إلى صحّة المعاني، وعدم الدليل على تعيين أحدها أن يُقال في هذا: «إنّ الله أخبر عن يونس أنه ناداه في الظلمات: ﴿أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، ولا شك أنه قد عنى بإحدى الظلمات: بطن الحوت، وبالأخرى: ظلمة البحر، وفي الثالثة اختلاف، وجائزٌ أن تكون تلك الثالثة: ظلمة الليل، وجائز أن تكون: كون الحوت في جوف حوت آخر. ولا دليل يدل على أيِّ ذلك من أيٍّ، فلا قول في ذلك أولى بالحق من التسليم لظاهر التنزيل». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏١٩٦) هذه الأقوال، ثم أردف مُعَلِّقًا: «ويصح أن يعبر بـ﴿الظُّلُماتِ﴾ عن جوف الحوت الأول فقط كما قال: ›فِي غَياباتِ الجُبِّ‹، وكل جهاته ظلمة، فجَمْعُها سائِغٌ»

اختُلِف في تأويل الأذى الذي أوذي به موسى المذكور في هذا الموضع على أربعة أقوال: أولها: أنهم رموه بأنه آدر. والثاني: أنهم وصفوه بأنه أبرص. والثالث: أنهم ادَّعَوا عليه قتل هارون أخيه. والرابع: أن قارون أرسل بغيًّا لتدعي عليه. وذَهَبَ ابنُ جرير، وكذا ابنُ كثير إلى جواز ذلك كله لعدم دليل التخصيص، فقال ابنُ جرير (١٩‏/‏١٩٤-١٩٥): «أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرأه الله مما آذوه به. وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم: إنه أبرص. وجائز أن يكون كان ادعاءهم عليه قتل أخيه هارون. وجائز أن يكون كل ذلك؛ لأنه قد ذُكِرَ كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قال الله إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا». وقال ابنُ كثير (١١‏/‏٢٤٨): «يحتمل أن يكون الكل مرادًا، وأن يكون معه غيره»

على هذا القول الذي قاله الحسن، وقتادة، فالآية عامة كالتي قبلها، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢١)، ثم قال: «ويشبه أن لها سببًا من رجل قال ذلك لأبويه. فلمّا فرغ من ذكر الموفق عقّب بذكر هذا العاق». ورجَّح (٧‏/‏٦٢٢) العموم، وانتقد القول بنزولها في ابن أبي بكر مستندًا للسياق، فقال: «والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات، ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين، والدليل القاطع على ذلك قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾، وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة، ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غَناءٌ، ويكفيه مقامه مع مروان يوم اليمامة وغيره». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨). ثم قال ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢٣): «وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مُشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيرًا مِن الوقوع في مثلها»

ذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٩٩-٣٢٠) أنّ الظهور المراد هنا فُسّر بأنه ظهور بيان، وفُسّر بأنه ظهور سيف وسنان، ثم علَّق بقوله: «ولفظ الظهور يتناولهما؛ فإنّ ظهور الهدى بالعلم والبيان، وظهور الدّين باليد والعمل، والله تعالى أرسل رسوله بالهُدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله. ومعلوم أنّ ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال، فإنّ النبي ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين، فآمنتْ به المهاجرون والأنصار طوعًا واختيارًا بغير سيف؛ لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات، ثم أظهره بالسيف، فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداءً ودفعًا؛ فلئن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداءً ودفعًا لِمَن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى»

اختُلِف في قوله: ﴿علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾ على أقوال: الأول: علمتْ كلُّ نفس ما قدّمتْ لذلك اليوم من عمل صالح ينفعه، وأخّرتْ وراءه من شيء سنَّه فعُمل به. الثاني: علمتْ نفس ما قدّمتْ من الفرائض التي أدّتها، وما أخّرتْ من الفرائض التي ضيَّعتها. الثالث: علمتْ نفس ما قدّمتْ من خير أو شر، وأخّرتْ من خير أو شر. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏١٧٧) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه؛ لأن كلّ ما عمل العبد من خير أو شر فهو مما قدّمه، وأنّ ما ضيّع من حقّ الله عليه وفرّط فيه فلم يعمله، فهو مما قد قدّم من شر، وليس ذلك مما أخّر من العمل؛ لأنّ العمل هو ما عمله، فأما ما لم يعمله فإنما هو سيئة قدّمها، فلذلك قلنا: ما أخّر هو ما سنّه من سُنّة حسنة وسيئة مما إذا عمل به العامل كان له مثل أجر العامل بها أو وزره»