قال ابنُ القيم (٢/٥٤): «قال الزجاج: المعنى: إن كنتم تزعمون أنّهم إنما اتبعوني في بادي الرأي وظاهره فليس عَلَيَّ أن أطَّلع على ما في أنفسهم، فإذا رأيت مَن يُوَحِّد الله عملت على ظاهره، ورددت عِلْمَ ما في نفوسهم إلى الله. وهذا معنًى حسن. والذي يظهر من الآية: أنّ الله يعلم ما في أنفسهم، إذ أهَّلهم لقبول دينه وتوحيده، وتصديق رسله، والله سبحانه وتعالى عليم حكيم، يضع العطاء في مواضعه، وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ [الأنعام:٥٣]، فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق، وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم، كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة، فأخبر الله سبحانه أنّه أعلم بمن يؤهله لذلك لِسِرٍّ عنده من معرفة قدر النعمة، ورؤيتها من مجرد فضل المنعم، ومحبته، وشكره عليها، وليس كل أحد عنده هذا السر؛ فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء»
ذكر ابنُ عطية (٦/٢٧٩) أن هذا القول بيِّن، ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل اللفظ أن يريد بالزكاة: الفضائل، كأنه أراد الأزكى مِن كل فعل، كما قال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨١]». وعلَّق ابنُ كثير (١٠/١٠٨)بقوله: «الأكثرون على أن المراد بالزكاة هاهنا: زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام [١٤١]، وهي مكية: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، وكقوله: ﴿وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت:٦-٧]، على أحد القولين في تفسيرها. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال؛ فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا»
اختُلف في معنى الصرصر على قولين: الأول: أنها الريح الباردة. الثاني: الريح الشديدة. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٣٩٨) -مستندًا إلى اللغة- القولَ الثاني الذي قاله مجاهد، فقال: «وذلك أن قوله: ﴿صرصرا﴾ إنما هو صوت الريح إذا هبّت بشدة، فسُمع لها كقول القائل: صرّر». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٤٧١) على هذا القول بقوله: «وكذلك يجيء صوت الريح في كثير من الأوقات بحسب ما تلقى». وجمع ابنُ كثير (١٢/٢٢٦) بين الأقوال مستندًا للدلالة العقلية، والنظائر، فقال: «والحق أنها متصفة بجميع ذلك؛ فإنها كانت ريحًا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم مِن جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدًّا، كقوله تعالى: ﴿بريح صرصر عاتية﴾ [الحاقة:٦]، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سُمي النهر المشهور ببلاد المشرق: صرصرًا؛ لقوة صوت جريه». وقد ذكر ابنُ عطية القولين الواردين على أنهما مغايران لقول ابن جرير؛ إذ رأى أن اشتقاقهما من الصّر، وجعل قول ابن جرير ثالثًا مُشتقًّا من الصرصر
ذكر ابنُ عطية (٨/٥٠-٥١) أن البعض تأول ما جاء في الحديث مِن قوله ﷺ: «فيضع رب العالمين فيها قدمه». أن «القدم» ما قدّم لها من خلْقه، وجعلهم في علمه من ساكنيها، وعلَّق عليه بقوله: «ومنه قول الله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ [يونس:٢]، فالقدم هنا: ما قُدّم مِن شيء»، ونسب هذا التأويل لابن المبارك، والنضر بن شميل، والأصوليين. وبيّن أن ما جاء في كتاب مسلم بن الحجاج: «فيضع الجبار فيها رجله»، معناه: الجمع الذي أُعِدّ لها، يقال للجمع الكثير من الناس: «رِجْل» تشبيهًا برجْل الجراد. ثم قال (٨/٥٢): «وملاك النظر في هذا الحديث: أن الجارحة والتشبيه وما جرى مجراه منتفٍ كل ذلك، فلم يبق إلا إخراج ألفاظ على هذه الوجوه السائغة في كلام العرب». وما قاله ابن عطيه باطل، والحق إثبات صفه القدم لله تعالى على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ينظر: الشريعة ٣/١١٤٧-١١٧٧، والإبانة الكبرى ٣/٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠
ذكر ابنُ تيمية (٥/١٨٩) هذا الأثر، ثم علّق على استدراك عائشة على ابن عمر، فقال: «وعائشة تأولت فيما ذكرته كما تأولت أمثال ذلك. والنص الصحيح عن النبي ﷺ، مُقَدَّم على تأويل مَن تأول مِن أصحابه وغيره، وليس في القرآن ما ينفي ذلك؛ فإن قوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه، فإن هذا مثل ضرب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبولٍ بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء﴾ [البقرة:١٧١]». وقال ابنُ كثير (١١/٣٩-٤٠): «وقد استدلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها- بهذه الآية: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في القليب قليب بدر بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم، وتقريعه لهم، حتى قال له عمر: يا رسول الله، ما تخاطب مِن قوم قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون». وتأولته عائشة على أنه قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق. وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعًا وتوبيخًا ونقمة. والصحيح عند العلماء رواية ابن عمر؛ لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصحِّحًا له، عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه السلام». وثبت عنه ﷺ أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي ﷺ لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام مَن يخاطبونه فيقول المسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وهذا خطاب لِمَن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثارُ عنهم بأنّ الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر»
انتقد ابنُ كثير (١٣/١٨٠) القول بأن «ق»: جبل محيط بالأرض مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وكأنّ هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدّق ولا يُكذّب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبّسون به على الناس أمر دينهم، كما افُتري في هذه الأمة -مع جلالة قدْر علمائها وحفّاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد مِن قِدَم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلّة الحفّاظ النُّقّاد فيهم، وشُرْبهم الخمور، وتحريف علمائهم الكَلِم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارعُ الرواية عنهم في قوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويُحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظّنون كذبه، فليس من هذا القبيل». ونقل (١٣/١٨١) قولًا آخر بأن المراد بـ﴿ق﴾: «قُضي الأمر، والله». وأن قوله: ﴿ق﴾ دلّتْ على المحذوف من بقيّة الكَلِم كقول الشاعر:قلت لها: قفي فقالت: قافوانتقده مستندًا للغة، فقال: «وفي هذا التفسير نظر؛ لأنّ الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ دليل عليه، ومِن أين يُفهم هذا من ذِكر هذا الحرف؟». وساق ابنُ عطية (٨/٣٠-٣١) الأقوال الواردة عدا قول القُرظيّ، ثم علَّق بقوله: «و﴿ق﴾ على هذه الأقوال: مُقسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم منتظَر». وذكر القول الذي قاله ابن كثير، وذكر أقوالًا غيرها، فقال: «قال القُرظيّ: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض. وقيل: المعنى: قُضي الأمر من رسالتك ونحوه، ﴿والقرآن المجيد﴾ فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم: المعنى: قِف عند أمرنا. وقيل المعنى: قُهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضًا وقع عليه القسَم». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، والقرآن المجيد». وعلق عليه بقوله: «فيكون أول السورة مِن المعنى الذي اطَّرد بعد»، ثم قال: «وعلى هذه الأقوال فثَمّ كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذّبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهرًا»
انتقد ابنُ جرير (٢٣/٨٩) هذا القول مستندًا لدلالة اللغة، والعقل، وأقوال السلف، فقال: «فإن قال قائل: وما برهانك على أنه ﷺ كان حَلف مع تحريمه ما حَرّم، فقد علمتَ قول مَن قال: لم يكن من النبي ﷺ في ذلك غير التحريم، وأنّ التحريم هو اليمين؟ قيل: البرهان على ذلك واضح، وهو أنه لا يُعقل في لغة عربية ولا عجمية أنّ قول القائل لجاريته، أو لطعام أو شراب: هذا عليّ حرام. يمين. فإذا كان ذلك غير معقول فمعلوم أنّ اليمين غير قول القائل للشيء الحلال له: هو عليّ حرام. وإذا كان ذلك كذلك صحّ ما قلنا، وفسد ما خالفه». ثم قال (٢٣/٩٠): «وبعد، فجائز أن يكون تحريم النبي ﷺ ما حَرَّم على نفسه من الحلال الذي كان الله -تعالى ذِكره- أحلَّه له بيمين، فيكون قوله: ﴿لم تحرم ما أحل الله﴾ معناه: لم تحلف على الشيء الذي قد أحلَّه الله أن لا تقربه، فتُحرّمه على نفسك باليمين. وإنما قلنا: إنّ النبي ﷺ حَرَّم ذلك، وحلف مع تحريمه لما حدثني الحسن بن قزعة...». وساق الأثر عن عائشة في تفسير قوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾. وذكر ابنُ تيمية (٦/٣٣٩-٣٤٠) أنّ قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ يقتضي أنّ نفس تحريم الحلال يمين، كما استدل به ابن عباس وغيره. ورجَّحه مستندًا إلى ظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «وسبب نزول الآية: إما تحريمه العسل، وإما تحريمه مارية القِبْطيّة. وعلى التقديرين فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية، وليس يمينًا بالله؛ ولهذا أفتى جمهور الصحابة -كعمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وغيرهم- أنّ تحريم الحلال يمين مُكفّرة: إما كفارة كبرى كالظهار، وإما كفارة صغرى كاليمين بالله، وما زال السلف يُسمّون الظهار ونحوه يمينًا». وأيضًا «فإنّ قوله: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾ إما أن يراد به: لم تُحرّم بلفظ الحرام؟ وإما: لم تُحرّمه باليمين بالله تعالى ونحوها؟ وإما: لم تُحرّمه مطلقًا؟ فإنْ أريد الأول والثالث فقد ثبت أنّ تحريمه بغير الحلف بالله يمين، فيعمّ. وإنْ أريد به تحريمه بالحلف بالله فقد سَمّى الله الحلف بالله تحريمًا للحلال، ومعلوم أنّ اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية، لكن لمّا أوجبت امتناع الحالف من الفعل فقد حَرّمتْ عليه الفعل تحريمًا شرطيًّا لا شرعيًّا، فكلّ يمين تُوجب امتناعه من الفعل فقد حَرّمتْ عليه الفعل؛ فيدخل في عموم قوله: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾، وحينئذ فقوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ لابد أن يعمّ كلّ يمين حَرّمت الحلال؛ لأنّ هذا حكم ذلك الفعل، فلا بُدَّ أن يطابق صوره؛ لأنّ تحريم الحلال هو سبب قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وسبب الجواب إذا كان عامًّا كان الجواب عامًّا لئلا يكون جوابًا عن البعض مع قيام السبب المقتضي للتعميم، وهذا التقدير في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ إلى قوله: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة:٨٧-٨٩]». وساق ابنُ كثير (١٤/٤٩-٥٠) هذا القول، ثم علَّق بقوله: «من هاهنا ذهب مَن ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على مَن حَرّم جاريته أو زوجته أو طعامًا أو شرابًا أو ملبسًا أو شيئًا من المباحات، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية إذا حَرّم عينيهما، أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأمّا إن نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عِتق الأَمَة نفذ فيهما»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالإفْكِ﴾ يعني: بالكذب ﴿عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ انطلق غازِيًا، وانطلقتْ معه عائشةُ بنت أبي بكر زوجُ النبيِّ ﷺ، ومع النبي ﷺ يومئذ رفيق له يُقال له: صفوان بن مُعَطِّل، مِن بني سليم، وكان النبيُّ ﷺ إذا سار ليلًا مكث صفوان في مكانه حتى يُصبِح، فإن سقط مِن المسلمين شيء مِن متاعهم حمله إلى العَسْكَر، فعرفه، فإذا جاء صاحِبُه دفعه إليه. وأنّ عائشة رضي الله عنها لَمّا نُودِي بالرحيل ذاتَ ليلة ركبت الرَّحل، فدخلتْ هَوْدَجَها، ثم ذكرت حُلِيًّا كان لها نسيته في المنزل، فنزلت لتأخذ الحُلِيَّ، ولا يشعرُ بها صاحبُ البعير، فانبعث، فسار مع المعسكر، فلما وجدت عائشةُ -رضى الله عنها- حليها، وكان جَزْعًا ظَفاريًّا، لا ذهب فيه، ولا فضة، ولا جوهر، فإذا البعير قد ذهب، فجعلت تمشي على إثره وهي تبكي، وأصبح صفوان بن المعطل في المنزل، ثم سار في إثْر النبي ﷺ وأصحابه، فإذا هو بعائشة رضي الله عنها قد غَطَّت وجهها تبكي، فقال صفوان: مَن هذا؟ فقالت: أنا عائشة. فاسْتَرْجَع، ونزل عن بعيره، وقال: ما شأنُكِ، يا أُمِّ المؤمنين؟ فحدَّثَتْه بأمر الحُلِيِّ، فحملها على بعيره، ونزل النبيُّ ﷺ، ففقد عائشة، فلم يجدها، فلبثوا ما شاء الله، ثم جاء صفوان وقد حملها على بعيره، فقذفها عبد الله بن أُبَيٍّ، وحسّان بن ثابت، ومِسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وحَمْنَة بنت جَحْش أخت عبد الله بن جحش الأسدي
علّق ابنُ كثير (٩/١٩٤-١٩٥) على هذا الأثر، فقال: «ورواه أحمد أيضًا عن حسن -هو ابن موسى الأشيب- عن سفيان، عن قتادة، به. وكذا رواه ابن ماجه، عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: حدث رافع. وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عوانة، عن قتادة. ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه». ثم قال: «وهذا إسناده قوي، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته. ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غدًا نفتحه. فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه. ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله. فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه. وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقّاه من كعب، فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحادثه، فحدَّث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم. ويؤكد ما قلناه -من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع- قول الإمام أحمد:حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ -قال سفيان: أربع نسوة- قالت: استيقظ النبيُّ ﷺ من نومه وهو مُحْمَرٌّ وجهُه، وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب مِن شرٍّ قد اقترب، فُتِح اليومُ مِن ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا». وحلَّق. قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثُر الخبث». هذا حديث صحيح، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه»
اختُلف في معنى العَوْد لِما قال المُظاهر في هذه الآية على قولين: الأول: أنّ المظاهر يعود إلى تحليل ما حرَّم على نفسه من وطء الزوجة بالعزم على الوطء. الثاني: أنّ العَوْد لِما قال هو إمساكه إيّاها، وتَرْكُه فِراقَها بعد تظهُّره منها، سواء عزم على الوطء أم لم يَعزِم. ونقل ابنُ جرير (٢٢/٤٥٩) عن أهل العربية معنيين آخرَين: أحدهما: أنّ «المعنى: فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا، فمن لم يجد فصيامٌ، فإطعامُ ستين مسكينًا، ثم يعودون لما قالوا: إنا لا نفعله، فيفعلونه...». ثم وجَّهه بقوله: «وكأن قائل هذا القول كان يرى أنّ هذا من المُقدّم الذي معناه التأخير». والآخر: أنه «يصلح فيها في العربية: ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما قالُوا. يريد: يرجعون عمّا قالُوا». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤٦٠) مستندًا إلى اللغة «أن يُقال: معنى اللام في قوله: ﴿لِما قالُوا﴾ بمعنى»إلى«أو»في«؛ لأنّ معنى الكلام: ثم يعودون لنقْض ما قالوا مِن التحريم فيحلِّلونه. وإن قيل: معناه: ثم يعودون إلى تحليل ما حرَّموا، أو: في تحليل ما حرَّموا، فصوابٌ؛ لأن كل ذلك عَوْدٌ له». ونقل ابنُ عطية (٨/٢٤٦) قولين آخرين: أحدهما: أنّ «المعنى: والذين يظاهَرون من نسائهم في الجاهلية». ثم وجَّهه بقوله: «كأنه تعالى قال: والذين كان الظِّهار عادتهم ثم يعودون إلى ذلك في الإسلام». والآخر: أنّ «المعنى: والذين يُظاهِرون ثم يُظاهِرون ثانية، فلا تلزم عندهم كفارة إلا بأن يعيد الرجل التظاهُر». ووجَّهه بقوله: «وحينئذ هو عائد إلى القول الذي هو منكر وزور». ثم انتقده قائلًا: «وهذا قول ضعيف». ونحوه قال ابنُ كثير (١٣/٤٤٨). وانتقد ابنُ عطية -مستندًا إلى السياق- القول الذي حكاه ابنُ جرير بأنّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا قائلًا: «وهذا أيضًا قول يُفسِد نظم الآية، وحُكي عن الأخفش، لكنه غير قوي»