اختلف السلف في الأرض التي عناها الله بقوله: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ على قولين: الأول: أنها أرض الجنة. والثاني: أنها أرض الدنيا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٤٣٤) القول الأول مستندًا إلى أقوال السلف. ورجّح ابنُ القيم مستندًا إلى النظائر والسنة القول الثاني، بقوله: «وهذا هو القول الصحيح، ونظيره قوله تعالى في سورة النور [٥٥]: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «زُوِيَت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». ونقل ابنُ القيم قولًا آخر في الآية، فقال:»وقالت طائفة من المفسرين: المراد بذلك: أرض بيت المقدس، وهي من الأرض التي أورثها الله عباده الصالحون«. ثم انتقده قائلًا:»وليست الآية مختصة بها""

نقل ابن عطية (١‏/‏١٥٢) أقوالًا أخرى في معنى الآية، وعلَّق على أحدها، فقال: «وقال ابن عباس: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة. وقال بعض المتأولين: المعنى أنهم يرون الثمر فيميِّزون أجناسه، حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. قال القاضي أبو محمد:»قول ابن عباس الذي قبل هذا يرد على هذا القول بعض الرد. وقال بعض المفسرين: المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا، فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله منتجز. وقال قوم: إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيءٌ خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إشارة إلى الخارج في موضع المجني"". قال ابن كثير في التفسير ١‏/‏٢٠٥: «هذا حديث غريب»، ورجَّح أنه من كلام قتادة. وقال ابن حجر في فتح الباري ٦‏/‏٣٢٠: «لا يَصِحُّ إسناده»

علَّق ابنُ كثير (١‏/‏٤٠٥- ٤٠٦) على هذا الأثر بقوله: «وهذا السياق يقتضي أنّ الخطاب توجَّه إلى بني إسرائيل في قوله: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، والمراد السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب فخر الدين الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى، إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته. وهذا غريب جدًّا، إذ لا يُعرَف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون، ثم يوشع بن نون. وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أنّ هؤلاء رأوا الله عز وجل، فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك فمُنِع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟!»

عَلَّق ابنُ عَطِيَّة (٢‏/‏٢١٠) على الأقوال الواردة في تأويل السيِّد بقوله: «كُلُّ مَن فَسَّر مِن هؤلاء العلماء المذكورين السُّؤْدَد بالحِلْم فقد أحرز أكثر معنى السُّؤْدَد، ومَن جرَّد تفسيره بالعِلم والتُّقى ونحوه فلم يُفَسِّر بحسب كلام العرب، وقد تحصَّلَ العلمُ ليحيى عليه السلام بقوله عز وجل: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وتحصَّلَ التُّقى بباقي الآية». ثُمَّ ذكر (١‏/‏٤٢٩) عمومَ اللفظة لِكُلِّ ما ذُكِر، فقال: «وخصَّه الله بذكر السُّؤْدَد الذي هو الاحتمال في رِضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، هذا لفظ يَعُمُّ السُّؤْدَد، وتفصيله أن يقال: بذل النَّدى -وهذا هو الكرم-، وكفُّ الأذى -وهنا هي العِفَّة بالفرج واليد واللسان-، واحتمال العظائم -وهنا هو الحلم وغيره؛ مِن تَحَمُّلِ الغرامات، وجبر الكسير، والإفضال على المُسْتَرْفِد، والإنقاذ من الهلكات-»

مجموع ما قيل في معنى ﴿لايجرمنَّكم﴾ ثلاثة أقوال: الأول: لايَحْمِلنَّكم. والثاني: لا يكسِبنَّكم. والثالث: لا يُحِقَّنَّ لكم. وعلَّق ابنُ جرير (٨‏/‏٤٥)، وابن عطية (٣‏/‏٩١) على تلك الأقوال بأنها متقاربة المعنى. قال ابنُ جرير: «وهذه الأقوال التي حكيناها عَمَّن حكيناها عنه مُتَقارِبَة المعنى؛ وذلك أنّ مَن حَمَلَ رجلًا على بُغْضِ رجل فقد أكْسَبَه بُغْضَه، ومَن أكْسَبَهُ بُغْضَهُ فقد أحَقَّه له». ثم استحسن (٨‏/‏٤٦) ما قاله ابن عباس، وقتادة مستندًا إلى اللغة، فقال: «فإذا كان ذلك كذلك فالَّذي هو أحْسَنُ في الإبانَة عن معنى الحرف ما قاله ابنُ عباس وقتادة، وذلك توجيهُهُما معنى قوله: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: ولا يَحْمِلَنَّكم شَنَآنُ قوم على العدوان». وقال ابنُ عطية: «وهذه كلها أقوال تتقارب بالمعنى». ثم قال: «فالتفسير الذي يخص اللَّفْظَة هو معنى الكسب»

أورد ابنُ عطية (٥‏/‏٤٢٩-٤٣٠) في نزول الآية قولين، فقال: «وقوله: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ الآية، أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتاب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية». وعلَّق على القول بمكيتها بقوله: «والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالًا حسنًا؛ لأنها تتدرج الرُّتَب من الذي يُدعى ويوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله». ثم انتقده مستندًا إلى السياق، والتاريخ بقوله: «ولكن ما روى الجمهور أثبت، وأيضًا فقوله: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ تعلَّق بمعنى الآية على ما روى الجمع: أنّ كفار قريش لما مثلوا بحمزة وقع ذلك مِن نفس رسول الله ﷺ، فقال: «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين». وفي كتاب النحاس وغيره: «بسبعين منهم». فقال الناس: إن ظفرنا لنفعلن ولنفعلن. فنزلت هذه الآية»

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿فناداها من تحتها﴾؛ فقرأ قوم: ‹مَن›، وقرأ آخرون: ﴿مِن﴾. وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢١-٢٢) أن القراءة الأولى بالفتح على أن ‹مَن› فاعل «نادى»، والمراد بـ‹مَن› عيسى. وأنّ قراءة كسر الميم تأتي على أنها لابتداء الغاية، وأنهم اختلفوا في التفسير؛ فقال بعضهم: المراد: عيسى. وقال آخرون: المراد: جبريل المجاور لها قبل. وبنحوه ابنُ جرير (١٥‏/‏٥٠٠-٥٠١). وذكر ابنُ كثير (٩‏/‏٢٣٣) أنّ قراءة الفتح بمعنى: الذي تحتها. وقراءة الكسر على أن ﴿مِن﴾ حرف جر. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٥٠٥) أن المنادِي عيسى، ثم رجَّح صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى المعنى، فقال: «وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله ﴿فناداها﴾ ذِكرٌ من عيسى، وإذا قرئ ‹مَن تَحْتَها› بالفتح كان الفعل لـ‹مَن›، وهو عيسى»

اختلف السلفُ في تفسير قوله: ﴿اذهب بكتابي هذا... ثم تولّ عنهم﴾ على قولين: الأول: أن معناه: اذهب بكتابي هذا، فألقه إليهم، فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم منصرفًا إليَّ. فهو من المؤخر الذي معناه التقديم. الثاني: أن معناه: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تول عنهم، فكن قريبًا منهم، وانظر ماذا يرجعون. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، فقال: «وهذا القول أشبه بتأويل الآية؛ لأن مراجعة المرأة قومها كانت بعد أن ألقي إليها الكتاب، ولم يكن الهدهد لينصرف، وقد أمر بأن ينظر إلى مراجعة القوم بينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره به سليمان». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٥٣٤) مستندًا إلى دلالة العقل حيث قال: «واتِّساق رتبة الكلام أظهر، أي: ألقه، ثم تول. وفي خلال ذلك: فانظر، وإنما أراد أن يكل الأمر إلى حكم ما في الكتاب، دون أن يكون للرسول ملازمة، وبلا إلحاح»

اختُلف في معنى: ﴿الكوثر﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنه نهر في الجنة. الثاني: أنه الخير الكثير. الثالث: حوض أُعْطِيَهُ رسول الله في الجنة. الرابع: النبوة. الخامس: القرآن. السادس: كثرة أتباع النبي، وأُمّته. ووجَّه ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٧٩) القول الثاني بقوله: «وهذا التفسير يعمُّ النهر وغيره؛ لأنّ الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر، كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، ومجاهد، ومُحارب بن دِثار، والحسن بن أبي الحسن البصري. حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٨٥) القول الأول مستندًا إلى السنة، وهو قول حُذيفة بن اليمان، وعائشة، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لتتابع الأخبار عن رسول الله بأنّ ذلك كذلك». ثم ذكر حديث أنس بن مالك، وابن عمر، وأسامة بن زيد

اختُلِف في صفة الفقير والمسكين على أقوال: الأول: الفقير من المسلمين، والمسكين من أهل الكتاب. الثاني: الفقير: هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين: هو الصحيح الجسم منهم. الثالث: الفقراء: فقراء المهاجرين، والمساكين: مَن لم يهاجر وهو محتاج. الرابع: المسكين: الضعيف الكسب. الخامس: الفقير: المحتاج المتعفف عن المسألة، والمسكين: المحتاج السائل. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏٥١٤-٥١٥بتصرف) مستندًا إلى السُّنَّة، والدلالة العقلية، واللغة القولَ الأخير الذي قاله ابن عباس من طريق علي، والحسن، وجابر ابن زيد، والزهري، ومجاهد، وابن زيد، فقال: «وإنما قلنا: إنّ ذلك كذلك، وإن كان الفريقان لم يُعْطَيا إلا بالفقر والحاجة دون الذِّلَّة والمسكنة؛ لإجماع الجميع من أهل العلم أنّ المسكين إنّما يعطى مِن الصدقة المفروضة بالفقر، وأنّ معنى المسكنة عند العرب: الذِّلَّة، كما قال الله -جل ثناؤه-: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ [البقرة:٦١]، يعني بذلك: الهون والذِّلَّة، لا الفقر. فإذا كان الله -جلَّ ثناؤه- قد صَنَّف مَن قسَم له مِن الصدقة المفروضة قَسْمًا بالفقر فجعلهم صنفين، كان معلومًا أنّ كلَّ صنف منهم غير الآخر، وإذ كان ذلك كذلك كان لا شك أنّ المقسوم له باسم الفقير غيرُ المقسومِ له باسم الفقر والمسكنة، والفقير المعطى ذلك باسم الفقر المطلق هو الذي لا مسكنة فيه، والمعطى باسم المسكنة والفقر هو الجامع إلى فقره المسكنة؛ وهي الذُّلُّ بالطلب والمسألة... وقد رُوي عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك خبرٌ... قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المسكينُ بالَّذي ترُدُّه اللقمة واللُّقْمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ [البقرة:٢٧٣]». ومعنى قوله ﷺ: «إنّما المسكين المُتَعَفِّف». على نحو ما قد جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين، لا على تفصيل المسكين مِن الفقير. ومما يُنبِئ عن أنّ ذلك كذلك انتزاعُه ﷺ لقول الله: «اقرءوا إن شئتم: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾» وذلك في صفة مَن ابتدأ اللهُ ذِكْرَه ووصفَه بالفقر، فقال: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا﴾». وبنحوه قال ابنُ عطية (٤‏/‏٣٤٢-٣٤٣)