ذكر ابنُ جرير (٦‏/‏٤٢) أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾، أي: «ليقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء». وأن قوله: «﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾ منصوبٌ عطفًا على قوله: ﴿أوْ يَكْبِتَهُم﴾». ووجَّه ابنُ عطية (٢‏/‏٣٥٠-٣٥١) هذا العطف بقوله: «فقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراض أثناء الكلام، وقوله: ﴿أوْ يَتُوبَ﴾ معناه: فيسلمون، وقوله: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معناه: في الآخرة بأن يوافوا على الكفر». ثم ذكر ابنُ جرير احتمالًا آخر أن المعنى: «ليس لك من الأمر شيءٌ حتى يتوب عليهم، فيكون نصبُ ﴿يَتُوبَ﴾ بمعنى: أو، التي هي في معنى: حتى». ووجَّهه ابنُ عطية بقوله: «فيجيء بمنزلة قولك: لا أفارقك أو تقضيني حقي، وكما تقول: لا يتم هذا الأمر أو يجيء فلان، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ليس باعتراض على هذا التأويل، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر هؤلاء الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب الله عليهم فيُسلمون، فيرى محمد عليه السلام أحد أمَلَيْه فيهم، أو يعذبهم الله بقتلٍ في الدنيا، أو بنارٍ في الآخرة أو بهما، فيرى محمد ﷺ الأمل الآخر، وعلى هذا التأويل فليس في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ردعٌ كما هو في التأويل الأول». ورجَّح ابنُ جرير المعنى الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحدٍ سوى خالقهم قبل توبة الكفار وعقابهم، وبعد ذلك». وكذا ابنُ عطية قائلًا: «وذلك التأويل الأول أقوى»

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في الحدِّ الذي به يصدق على الحانث معنى قوله تعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾. وقد أدخل ابنُ جرير (٨‏/‏٦٥٠-٦٥١) الآثار الواردة عن سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن في إيجاب الطعام على مَن كان عنده درهمان أو ثلاثة، تحت القول بأنه إذا لم يكن للحانث في وقت تكفيره عن يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، فإن له أن يكفِّر بالصيام. وذكَر قولين آخرين لم ينسبهما لأحد بعينه، أحدهما: جائزٌ لمن لم يكن عنده مئتا درهم أن يصوم، وهو مِمَّن لا يجد. والآخر: جائزٌ لمن لم يكن عنده فضلٌ عن رأس ماله يتصرف به لمعاشه ما يُكَفِّر به بالإطعام أن يصوم. ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة العقل القولَ الأول، فقال: «والصوابُ من القول في ذلك عندنا: أنّ مَن لم يكن عنده في حال حِنثِه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يُطْعِم أو يَكْسو أو يُعْتِق. وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يُطْعِم أو يَكْسو عشرة مساكين أو يُعْتِق رقبة فلا يُجْزِئه حينئذٍ الصوم؛ لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذٍ -من إطعام، أو كسوة، أو عتق- حقٌّ قد أوجبه الله تعالى في مالِه وجوب الدَّيْن، وقد قامت الحُجَّة بأن المُفْلِس إذا فرَّق ماله بَيْن غرمائه أنه لا يَتْرُك ذلك اليوم إلا ما لا بدَّ له من قُوته وقوت عياله يومه وليلته، فكذلك حكم المُعْدَم بالدَّين الذي أوجبه الله تعالى في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله». وزاد ابنُ عطية (٣‏/‏٢٤٥) عن قتادة قوله: «إذا لم يكن له إلا قَدْر ما يُكَفِّر به صام»

قال ابن عطية (٤‏/‏١٤٩-١٥٠بتصرف): «قوله: ﴿فثبتوا﴾ يحتمل أن يكون بالقتال معهم على ما روي، ويحتمل بالحضور في حَيِّزهم والتأنيس لهم بذلك، ويحتمل أن يريد: فَثَبِّتوهم بأقوال مُؤْنِسَة مُقَوِّيَة للقلب، وروي في ذلك أن بعض الملائكة كان في صورة الآدميين، فكان أحدهم يقول للذي يليه من المؤمنين: لقد بلغني أن الكفار قالوا: لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن. ويقول آخر: ما أرى الغلبة والظفر إلا لنا. ويقول آخر: أقدِمْ يا فلان. ونحو هذا من الأقوال المثبتة... ، ويحتمل أيضًا أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان بلمته مِن تَوَهُّم الظَّفَر واحتقار الكفار، ويجري عليه من خواطر تشجيعه، ويقوِّي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾، وإن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان التثبيت، ولكنه أشبه بهذا؛ إذ هي من جنس واحد... ، وعلى هذا التأويل يجيء قوله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ مخاطبة للملائكة، ثم يجيء قوله تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر عن صورة الحال، كما تقول -إذا وصفت حربًا لمن تخاطبه-: لقينا القوم وهزمناهم، فاضرب بسيفك حيث شئت، واقتل، وخذ أسيرك. أي: هذه كانت صفة الحال... ، ويحتمل أن يكون ﴿سألقي﴾ إلى آخر الآية خبرًا يخاطب به المؤمنين عما يفعله في الكفار في المستقبل كما فعله في الماضي، ثم أمرهم بضرب الرقاب والبنان تشجيعًا لهم وحضًّا على نصرة الدين». وبنحوه قال ابنُ جرير (١١‏/‏٦٩)، وابنُ كثير (٧‏/‏٣٢). وقال ابنُ القيم (١‏/‏٤٣٨): «قيل في تفسيرها: قَوُّوا قلوبهم، وبَشِّروهم بالنصر. وقيل: احضروا معهم القتال. والقولان حقّ؛ فإنهم حضروا معهم القتال، وثبتوا قلوبهم»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: إذ تفعلون. وثانيها: إذ تُشِيعون في القرآن الكذبَ. وثالثها: إذ تفيضون في الحق. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢٠٥-٢٠٦) القولَ الأولَ -وهو قول عبد الله بن عباس- استنادًا إلى السياق، فقال: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه لأنّه -تعالى ذِكْرُه- أخبر أنّه لا يعمل عبادُه عملًا إلا كان شاهدَه، ثم وصل ذلك بقوله: ﴿إذ تفيضون فيه﴾، فكان معلومًا أن قوله: ﴿إذ تفيضون فيه﴾ إنما هو خبرٌ منه عن وقت عمل العاملين أنّه له شاهد، لا عن وقْت تلاوة النبي ﷺ القرآن؛ لأنّ ذلك لو كان خبرًا عن شهوده -تعالى ذِكْرُه- وقتَ إفاضة القوم في القرآن لكانت القراءة بالياء: إذ يفيضون فيه. خبرًا منه عن المكذبين فيه. فإن قال قائل: ليس ذلك خبرًا عن المكذبين، ولكنه خطاب للنبي ﷺ أنّه شاهده إذْ تلا القرآن. فإنّ ذلك لو كان كذلك لكان التنزيل: إذ تفيض فيه. لأنّ النبي ﷺ واحدٌ لا جمع، كما قال: ﴿وما تتلوا منه من قرآن﴾، فأفرده بالخطاب، ولكن ذلك في ابتدائه خطابَه ﷺ بالإفراد، ثم عَوْده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق:١]، وذلك أنّ في قوله: ﴿إذا طلقتم النساء﴾ دليلًا واضِحًا على صرفه الخطابَ إلى جماعة المسلمين مع النبي ﷺ مع جماعة الناس غيره؛ لأنه ابتدأ خطابه، ثم صرف الخطابَ إلى جماعة الناس، والنبي ﷺ فيهم. وخبرٌ عن أنّه لا يعمل أحدٌ من عباده عملًا إلا وهو له شاهد، يُحْصِي عليه ويعلمُه، كما قال: ﴿وما يعزب عن ربك﴾ يا محمد عملَ خلقِه، ولا يذهب عليه عِلْمُ شيءٍ حيث كان من أرض أو سماء». وفي كلام ابن عطية (٤‏/‏٤٩٦)، وابن كثير (٧‏/‏٣٧٤) ما يُفيدُ ذهابهما إلى هذا القول

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٥٤-٥٥) في قوله: ﴿ولو كنا صادقين﴾ عدة أقوال، فقال: «وقولهم: ﴿وما أنت بمؤمن﴾ أي: بِمُصَدِّق. ومعنى الكلام: أي: لو كُنّا موصوفين بالصدق. وقيل: المعنى: ولو كنت تعتقد ذلك فينا في جميع أقوالنا قديمًا لَما صدَّقْتَنا في هذه النازِلةِ خاصَّةً؛ لِما لَحِقَك فيها من الحُزْنِ، ونالك مِن المشقة، ولِما تَقَدَّم مِن تُهْمَتِك لنا. وهذا قول ذَكَرَه الزجّاجُ وغيره». ثم ذكر احتمالًا آخر، وعلّق عليه، فقال: «ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ولو كنا صادقين﴾ بمعنى: وإن كُنّا صادقين -وقاله المُبَرِّد- كأنهم أخبروا عن أنفسهم أنهم صادقون في هذه النازلة، فهو تمادٍ منهم في الكذب، ويكون بمنزلة قوله: ﴿أولو كنا كارهين﴾ [الأعراف:٨٨] بمعنى: أو إن كنا كارهين». وانتقد ابنُ عطية أن يكون هذا مثل قوله: ﴿أولو كنا كارهين﴾، فقال: «وفي هذا المثال عندي نظر». ثم ذكر أنّ الرماني قال: «ألزموا أباهم عنادًا». وانتقده بدلالة العقل، والنظائر بقوله: «هذا مِمّا لا يلزم؛ لأنهم لم يقولوا: وما أنت بمُصَدِّق لنا ولو كنا صادقين في معتقدك. بل قالوا: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين فيما نعتقد نحن، وأمّا أنت فقد غلب عليك سوء الظن بنا. ولا ينكر أن يعتقد الأنبياء عليهم السلام صدق الكاذب وكذب الصادق ما لم يُوحَ إليهم، فإنّما هو بشر، كما قال ﷺ: «إنما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إلي، فلَعَلَّ بعضَكم أن يكون ألحن بحُجَّته مِن بعضٍ؛ فأقضي له على نحو ما أسمع منه...» الحديث. فهذا يقتضي أنّه جوَّز على نفسه أن يُصَدِّق الكاذب. وكذلك قد صدَّق عليه السلام عبدَ الله بن أبي حين حلف على مقالة زيد بن أرقم، وكذَّب زيدًا، حتى نزل الوحي، فظهر الحق؛ فكلام إخوة يوسف إنما هو مغالطة ومحاجة، لا إلزام عناد»

اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ على قراءتين، وقد ذكرهما ابن جرير (١٤‏/‏٥٩٩) فقال: الأولى: ﴿كلُّ ذلك كان سَيِّئُهُ﴾ على الإضافة، ووجَّهوا قراءتهم بقولهم: «لأن فيما عدَّدْنا من قوله: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ أمورًا، هي أمْرٌ بالجميل، كقوله: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، وقوله: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾، وما أشبه ذلك. قالوا: فليس كل ما فيه نهيًا عن سيئةٍ، بل فيه نهيٌ عن سيئةٍ، وأَمْرٌ بحسنات، فلذلك قرأنا: ﴿سَيِّئُهُ﴾». الثانية: ‹كلُّ ذلك كان سَيِّئَةً› بالتنوين، والمعنى عند من قرأها كذلك: «أن الله إنما عَنى بذلك: كلُّ ما عدَّدْنا من قولنا: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾، ولم يدخل فيه ما قَبْل ذلك، قالوا: وكلُّ ما عدَّدنا من ذلك الموضع إلى هذا الموضع سيِّئَةٌ لا حسنة فيه». ووجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٤٨٢) اسم الإشارة ﴿ذلك﴾ على القراءة الأولى بقوله: «والإشارة إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بِرٍّ ومعصية، ثم اختَصَّ ذكر السَّيِّء منه بأنه مكروه عند الله تعالى». ووجَّهه على القراءة الثانية بقوله: «والإشارة إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول: أُفٍّ، وقَذْف الناس، والمرح، وغير ذلك». وبمعناه ابنُ كثير (٩‏/‏١٣). ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٦٠٠) مستندًا إلى دلالة اللغة القراءة الأولى، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ في ذلك أمورًا منهيًّا عنها، وأمورًا مأمورًا بها، وابتداءُ الوصية والعهد من ذلك الموضع دون قوله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ إنما هو عطفٌ على ما تقدم من قوله: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾، فإذ كان ذلك كذلك فقراءتُه بإضافة السيِّء إلى الهاء أوْلى وأحقُّ من قراءته ‹سَيِّئَةً› بالتنوين، بمعنى السيئةٍ الواحدة». واستدرك ابنُ عطية (٥‏/‏٤٨٣) على ابن جرير في قوله: بـ«أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولًا: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾» قائلًا: «وليس ذلك بالبيِّن»

للسلف في تفسير قوله: ﴿لزاما﴾ أربعة أقوال: الأول: أنّ اللزام: عذاب الدنيا، وهو القتل يوم بدر. الثاني: أنه الموت. الثالث: أنه القتال. الرابع: أنه العذاب في الآخرة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٣٧) مستندًا إلى أقوال السلف القولَ الأول، فقال: «وقوله: ﴿فقد كذبتم﴾، يقول -تعالى ذِكْرُه- لمشركي قريش قومِ رسول الله ﷺ: فقد كذبتم -أيها القومُ- رسولَكم الذي أُرْسِل إليكم، وخالفتم أمر ربكم الذي أمَرَ بالتمسك به، لو تمسكتم به كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم وخلافكم أمر بارئكم عذابًا لكم مُلازمًا؛ قتلًا بالسيوف وهلاكًا لكم مُفنيًا يلحق بعضكم بعضًا. ففعل الله ذلك بهم، وصدقهم وعده، وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه، وألحق بعضهم ببعض، فكان ذلك العذابُ اللزامَ». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٦٥): «وأكثر الناس على أنّ»اللزام«المشار إليه في هذا الموضع هو يوم بدر، وهو قول أبي بن كعب، وابن مسعود، والمعنى: فسوف يكون جزاء التكذيب». ثم علّق على القول الثاني، فقال: «وقال ابن عباس أيضًا: اللزام: الموت. وهذا نحو القول ببدر، وإن أراد به متأول الموت المعتاد في الناس عرفًا، فهو ضعيف». ورجّح ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٣٥) أنّه لا مُنافاة بين القولين، فقال: «﴿فسوف يكون لزاما﴾ أي: فسوف يكون تكذيبكم لزامًا لكم، يعني: مُقْتَضِيًا لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يومُ بدر، كما فسَّره بذلك عبدُ الله بن مسعود، وأبيُّ بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وقال الحسن البصري: ﴿فسوف يكون لزاما﴾ يعني: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما»

اختُلف في معنى: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: ارجعي إلى ربّكِ عند الموت في الدنيا. الثاني: ارجعي إلى جسدكِ عند البعث يوم القيامة، والرّبّ هنا: صاحبها. الثالث: ارجعي إلى ثواب ربّكِ في الآخرة. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٩٧-٣٩٨) القول الثاني مستندًا إلى السياق، وهو قول ابن عباس، والضَّحّاك، ومحمد بن كعب، وعلَّل ذلك بقوله: «لدلالة قوله: ﴿فادْخُلِي فِي عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ على صحة ذلك، وأنّ دخولها الجنة إنما هو يومئذٍ لا قبل ذلك». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٦١٦) قولين آخرين، ووجَّههما، فقال: «قال بعض العلماء: هذا النداء هو الآن للمؤمنين، كما ذكر الله تعالى حال الكافرين، قال: يا مؤمنون، دُوموا وجدُّوا حتى ترجعوا راضين مَرْضِيِّين، فالنفس -على هذا- اسم الجنس... وقال آخرون: هذا النداء إنما هو في الموقف عندما يُنطَلق بأهل النار إلى النار، فنداءُ النفوس -على هذا- إنما هو نداء أرباب النفوس مع النفوس، ومعنى ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ -على هذا-: إلى رحمة ربك». ورجَّح ابنُ القيم (٣‏/‏٣٠٠) مستندًا إلى الدلالة العقلية «أنّ هذا القول يُقال لها عند الخروج من الدنيا، ويوم القيامة. فإنّ أول بعثها عند مفارقتها الدنيا، وحينئذٍ فهي في الرفيق الأعلى إن كانت مطمئنة إلى الله وفي جنته كما دلّتْ عليه الأحاديث الصحيحة، فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك، وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى الله، ودخول الجنة، فأول ذلك عند الموت، وتمامه ونهايته يوم القيامة، فلا اختلاف في الحقيقة». ورجَّح ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٥٠) القول الأول مستندًا إلى النظائر، وانتقد ترجيح ابن جرير قائلًا: «واختاره -أي: القول الثاني- ابن جرير، وهو غريب، والظاهر الأول؛ لقوله: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ [الأنعام:٦٢]، ﴿وأن مردنا إلى الله﴾ [غافر:٤٣] أي: إلى حكمه والوقوف بين يديه»

اختُلِفَ في معنى الإحصار؛ فخصه قوم بالعِلَّة المانعة من المرض وأشباهه، غير القهر من غلبة غالب؛ فإنها تكون حصرًا لا إحصارًا، وأدخلوا فيه حبسَ العدو من باب القياس على المرض، لا بدلالة ظاهر الآية. وخصَّه آخرون بحصر العدو فقط. ورَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٣٤٧-٣٤٨ بتصرف) القولَ الأولَ الذي قاله مجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة، وإبراهيم، وابن عباس من طريق علي. وانتَقَد الثانيَ مستندًا إلى اللغة، وظاهر الآية، وسياقها، فقال: «فلذلك قيل: ﴿أحصرتم﴾ لَمّا أُسْقِط ذكرُ الخوف، والمرض. يُقال منه: أحصرني خوفي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأمّا إذا كان الحابس الرجل والإنسان؛ قيل: حصرني فلان عن لقائك، بمعنى: حبسني عنه. فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾: فإن حبسكم حابسٌ من العدو عن الوصول إلى البيت؛ لوجب أن يكون: فإن حُصِرْتُم. ومِمّا يُبَيِّنُ صِحَّة ما قلناه قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، والأمنُ إنما يكون بزوال الخوف. وإذا كان ذلك كذلك فمعلوم أنّ الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأمن. وإذا كان ذلك كذلك لم يكن حبسُ الحابس الذي ليس مع حبسه خوفٌ على النفس مِن حبسه داخِلًا في حكم الآية بظاهرها المَتْلُوِّ، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجْهِ القياس؛ من أجل أنّ حَبْس مَن لا خوف على النفس مِن حبسه كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد، وزوج المرأة، إن كان منهم أو من بعضهم حُبِس ومُنِع عن الشخوص لعمل الحج، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام؛ غير داخل في ظاهر قوله: ﴿فإن أحصرتم﴾؛ لِما وصفنا من أنّ معناه: فإن أحصركم خوفُ عدوٍّ، بدلالة قوله: ﴿فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، وقد بَيَّن الخبرُ الذي ذكرنا آنفًا عن ابن عباس أنّه قال: الحصر: حصر العدو. وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعًا من الوصول إلى البيت؛ فكُلُّ مانعٍ عَرَض للمحرم فصَدَّه عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم». ورجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏٤٧٢) مستندًا إلى اللغة، وأحوال النزول: «أنّ»حَصَر«إنما هي فيما أحاط وجاور، فقد يحصر العدو والماء ونحوه، ولا يحصر المرض، و»أحْصَرَ«معناه: جعل الشيء ذا حصر، كأقبر، وأحمى، وغير ذلك، فالمرض والماء والعدو وغير ذلك قد يكون مُحْصرًا لا حاصِرًا، ألا ترى أنّ العدو كان محصرًا في عام الحديبية، وفي ذلك نزلت هذه الآية عند جمهور أهل التأويل»

سورة النور — الآية ١١

عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار-: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾: الكذب، ﴿عصبة منكم﴾ يعني: عبد الله بن أبي المنافق، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ﴿لاتحسبوه شرا لكم﴾ يقول لعائشة وصفوان: لا تحسبوا الذي قيل لكم مِن الكذب شرا لكم، ﴿بل هو خير لكم﴾ لأنّكم تؤجرون على ذلك، ﴿لكل امرىء منهم﴾ يعني: مَن خاض في أمر عائشة ﴿ما اكتسب من الإثم﴾ على قدر ما خاض فيه مِن أمرها، ﴿والذي تولى كبره﴾ يعني: عظمه ﴿منهم﴾ يعني: القَذَفَة، وهو ابن أُبيٍّ رأس المنافقين، وهو الذي قال: ما بَرِئَتْ مِنهُ، وما بَرِئَ منها ﴿له عذاب عظيم﴾ وفي هذه الآية عِبرةٌ عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة، فمَن أعان عليها بفِعْل أو كلام، أو عَرَّض بها، أو أعجبه ذلك، أو رضي؛ فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منه، وإذا كان خطيئة بين المسلمين فمَن شهد وكره فهو مثل الغائب، ومَن غاب ورضي فهو مثل شاهد، ﴿لولا إذ سمعتوه﴾ قذفَ عائشة وصفوان؛ ﴿ظن المؤمنون والمؤمنات﴾ لأنّ منهم حَمْنة بنت جحش، يعني: هلّا كذَّبتم به ﴿بأنفسهم خيرا﴾ هلّا ظنَّ بعضُهم ببعضٍ خيرًا أنهم لم يَزْنوا، ﴿وقالوا هذا إفك مبين﴾ ألا قالوا: هذا القذفُ كذبٌ بيِّن، ﴿لولا جاءوا عليه﴾ يعني: على القذف ﴿بأربعة شهداء﴾، ﴿فأولئك﴾ يعني: الذي قذفوا عائشة ﴿عند الله هم الكاذبون﴾ في قولهم، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة﴾ مِن تأخُّر العقوبة؛ ﴿لمسكم فيما أفضتم فيه﴾ يعني: في ما قلتم مِن القذف ﴿عذاب عظيم﴾، ﴿تلقونه بألسنتكم﴾ وذلك حين خاضوا في أمرِ عائشة، فقال بعضهم: سمعت فلانًا يقول كذا وكذا. وقال بعضهم: بلى، كان كذا وكذا. فقال: ﴿تلقونه بالسنتكم﴾ يقول: يرويه بعضُكم عن بعض، ﴿وتقولون بأفواهكم﴾ يعني: بألسنتكم مِن قذفها ﴿ما ليس لكم به علم﴾ يعني: مِن غير أن تعلموا أنّ الذي قلتم مِن القذف حقٌّ، ﴿وتحسبونه هينا﴾ يعني: تحسبون أنّ القذف ذنب هيِّن، ﴿وهو عند الله عظيم﴾ يعني: في الوِزْر، ﴿لولا اذ سمعتموه﴾ يعني: القذف؛ ﴿قلتم ما يكون﴾ يعني: ألا قلتم: ما يكون؛ ما ينبغي ﴿لنا أن نتكلم بهذا﴾ ولم تره أعينُنا! ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ يعني: ألا قلتم: هذا كذب عظيم. مثل ما قال سعدُ بن معاذ الأنصاري؛ وذلك أنّ سعدًا لَمّا سمع قول مَن قال في أمر عائشة قال: سبحانك! هذا بهتان عظيم. والبهتان: الذي يبهت فيقول ما لم يكن، ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله﴾ يعني: القذف؛ ﴿ان كنتم مؤمنين﴾ يعني: مُصَدِّقين، ﴿ويبين الله لكم الآيات﴾ يعني: ما ذُكِر مِن المواعظ، ﴿أن الذين يحبون ان تشيع الفاحشة﴾ يعني: تَفْشُو، ويظهر الزنا؛ ﴿لهم عذاب أليم في الدنيا﴾ بالحدِّ، ﴿و﴾في ﴿الآخرة﴾ عذاب النار، ﴿ولولا فضل الله﴾ الآيةَ؛ لعاقبكم بما قلتم لعائشة، ﴿وأن الله رؤوف رحيم﴾ حين عفا عنكم فلم يعاقبكم، ﴿ومن يتبع خطوات الشيطان﴾ يعني: تزيينه؛ ﴿فانه يأمر بالفحشاء﴾ يعني: بالمعاصي، ﴿والمنكر﴾ ما لا يُعْرَف، مثل ما قيل لعائشة، ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ يعني: نعمته؛ ﴿ما زكا﴾ ما صلح، ﴿ولكن الله يزكي﴾ يُصلِح ﴿من يشاء﴾، فلما أنزل الله عذر عائشة وبرَّأها، وكذَّب الذين قذفوها؛ حلف أبو بكر أن لا يَصِل مسطحَ بن أثاثة بشيء أبدًا؛ لأنه كان في مَنِ ادَّعى على عائشة مِن القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، وكان ابنَ خالة أبي بكر، وكان يتيمًا في حِجْره فقيرًا، فلمّا حلف أبو بكر ألا يصله نزلت في أبي بكر: ﴿ولا يأتل﴾ أي: ولا يحلف ﴿أولو الفضل منكم﴾ يعني: في الغنى؛ أبا بكر الصديق، ﴿والسعة﴾ يعني: في الرزق، ﴿أن يؤتوا أولي القربى﴾ يعني: مسطح بن أثاثة قرابة أبي بكر وابن خالته، ﴿والمساكين﴾ يعني: لأنّ مسطحًا كان فقيرًا، ﴿والمهاجرين في سبيل الله﴾ يعني: لأنّ مِسطحًا كان من المهاجرين، ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ يعني: ليتجاوزوا عن مِسطح، ﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أما تحب أن يغفر الله لك؟». قال: بلى، يا رسول الله. قال: «فاعفُ واصفح». فقال أبو بكر: قد عفوتُ وصفحتُ، لا أمنعه معروفًا بعد اليوم. ﴿ان الذين يرمون المحصنات﴾ يعني: يقذفون بالزِّنا الحافظات لفروجهن العفائف، ﴿الغافلات﴾ يعني: عن الفواحش، يعني: عائشة، ﴿المؤمنات﴾ يعني: الصادقات؛ ﴿لعنوا﴾ يعني: جُلِدوا ﴿في الدنيا والآخرة﴾ يُعَذَّبون بالنار، يعني: عبد الله بن أبي؛ لأنه منافق له عذاب عظيم، ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ قال: مَن قذف عائشة يوم القيامة، ﴿يومئذ﴾ يعني: في الآخرة ﴿يوفيهم الله دينهم الحق﴾ حسابهم العدل، لا يظلمهم، ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ يعني: العدل المبين، ﴿الخبيثات﴾ يعني: السيء من الكلام؛ قذفُ عائشة ونحوه ﴿للخبيثين﴾ مِن الرجال والنساء، يعني: الذين قذفوها، ﴿والخبيثون﴾ يعني: مِن الرجال والنساء ﴿للخبيثات﴾ يعني: السيء مِن الكلام؛ لأنه يليق بهم الكلام السيء، ﴿والطيبات﴾ يعني: الحسن مِن الكلام ﴿للطيبين﴾ مِن الرجال والنساء، يعني: الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيرًا، ﴿والطيبون﴾ من الرجال والنساء ﴿للطيبات﴾ للحسن من الكلام؛ لأنه يليق بهم الكلام الحسن، ﴿أولئك﴾ يعني: الطيبين مِن الرجال والنساء ﴿مبرؤون ما يقولون﴾ هم بُرآء من الكلام السيء، ﴿لهم مغفرة﴾ يعني: لذنوبهم، ﴿ورزق كريم﴾ يعني: حسنًا في الجنة. فلمّا أنزل اللهُ عُذْرَ عائشة ضمَّها رسولُ الله ﷺ إلى نفسه، وهي مِن أزواجه في الجنة