سورة الصافات — الآية ١٤٠

عن طاووس بن كيسان -من طريق ابنه- في قوله: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ * إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، قال: قيل ليونس: إنّ قومك يأتيهم العذابُ يومَ كذا وكذا. فلما كان يومئذ خرج يونس، ففقده قومُه، فخرجوا بالصغير والكبير والدواب وكل شيء، ثم عزلوا الوالدة عن ولدها، والشاة عن ولدها، والناقة والبقرة عن ولدها، فسمعت لهم عجيجًا، فأتاهم العذاب حتى نظروا إليه، ثم صرف عنهم، فلمّا لم يُصِبهم العذاب ذهب يونس مُغاضِبًا، فركب في البحر في سفينة مع أُناس، حتى إذا كانوا حيث شاء الله ركدت السفينة، فلم تَسِرْ، فقال صاحب السفينة: ما يمنعنا أن نسير إلا أن فيكم رجلًا مشؤومًا. قال: فاقترعوا ليلقوا أحدهم فخرجت القرعة على يونس، فقالوا: ما كنا لنفعل بك هذا. ثم اقترعوا أيضًا، فخرجت القرعة عليه ثلاثًا، فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت. قال طاووس: بلغني: أنّه لما نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، نبتت عليه شجرة من يقطين، واليقطين: الدُّبّاء، فمكث حتى إذا رجعت إليه نفسه يبست الشجرة، فبكى يونس حزنًا عليها، فأوحى الله إليه: أتبكي على هلاك شجرة، ولا تبكي على هلاك مائة ألف؟!

قال ابنُ تيمية (١‏/‏٤٦٩-٤٧٠) في حكم التمتع: «أكثر العلماء –كأحمد، وغيره من فقهاء الحديث، وأبي حنيفة، وغيره من فقهاء العراق، والشافعي في أحد قوليه، وغيره من فقهاء مكة- يستحبون المتعة، وإن كان منهم مَن يُرَجِّح القِران؛ كأبي حنيفة، ومنهم مَن يُرَجِّح التَّمَتُّعَ الخاصَّ؛ كأحد القولين في مذهب الشافعي، وأحمد. فالصحيح -وهو الصريح من نص أحمد- أنّه إن ساق الهديَ فالقِران أفضلُ، وإن لم يسقه فالتحللُ من إحرامه بعمرة أفضل؛ فإنّ الأول هو الذي فعله النبي ﷺ في حجة الوداع، والثاني هو الذي أمر به من لم يَسُقِ الهَدْيَ من أصحابه. بل كثير من علماء السنة يوجب المتعة، كما يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول أهل الظاهر كابن حزمٍ وغيره؛ لِما ذُكِرَ من أمرِ النبي ﷺ بها أصحابَه في حجة الوداع». واستدلَّ ابنُ كثير (١‏/‏٥٣٨) على شرعية التمتع من السنة، وأقوال الصحابة، بما رُوِي عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ ذبح بقرةً عن نسائه، وكُنَّ متمتعاتٍ، وبما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين: نزلت آيةُ المتعة في كتاب الله""

ظاهر صنيع ابن جرير (٣‏/‏٥٤٠-٥٤١) جمعه بين الأقوال الواردة في ذكر الله كذكر الآباء؛ فقد رَجَّح أنّ الذكر بإطلاقٍ هو العبادة لله والخضوع لأمره، لكنه في هذا الموطن مراد به التكبير؛ لدلالة العقل والسياق، فقال: «وذلك الذِّكْرُ جائزٌ أن يكون هو التكبير الذي أمر به -جل ثناؤه- بقوله: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة:٢٠٣]، الذي أوْجَبَه على من قضى نُسُكه بعد قضائِه نُسُكَه، فألزمه حينئذ من ذِكْرِه ما لم يكن له لازمًا قبل ذلك، وحثَّ على المحافظة عليه محافظة الأبناء على ذكر الآباء في الإكثار منه؛ بالاستكانة له، والتضرع إليه بالرغبة منهم إليه في حوائجهم كتضرع الولد لوالديه، والصبي لأمه وأبيه، أو أشد من ذلك؛ إذ كان ما كان بهم وبآبائهم من نعمة فمِنه، وهو وليُّه. وإنما قلنا: الذِّكْرُ هنا هو التكبير مِن أجل أنّه لا ذكر لله أمَرَ العبادَ به بعد قضاء مناسكهم لم يكن عليهم مِن فرضه قبل قضائهم مناسكهم، سوى التكبير الذي خصَّ الله به أيام منى. فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنه -جل ثناؤه- قد أوْجَب على خلقه بعد قضائهم مناسكهم من ذكره ما لم يكن واجبًا عليهم قبل ذلك، وكان لا شيء من ذكره خصَّ به ذلك الوقت سوى التكبير الذي ذكرناه؛ كانت بينة صحة ما قلنا من تأويل ذلك على ما وصفنا»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣١٥-٣١٦) أنّه قيل أنّ القرن: الزمن نفسه. وعلَّق عليه بقوله: «وهو على حذف مضاف، تقديره: من أهل قرن». وذكر أنه اختلف في مدة القرن على أقوال: الأول: أنه مائة سنة. الثاني: ثمانين سنة. الثالث: سبعين. الربع: ستين. الخامس: أربعين. السادس: ثلاثين. السابع: عشرين. الثامن: ثمانية عشر. وبيَّن أن الأكثر على القول الأول، ثم علَّق بقوله: «ويرجح ذلك الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنّ على رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد». قال ابن عمر: يريد أنها تحرم ذلك القرن. وروي أن رسول الله ﷺ قال لعبد الله بن بسر: «تعيش قرنًا». فعاش مائة سنة». وبَيَّن أن مَن قالوا بالقول الثاني والثالث والرابع تمسكوا بحديث: «معترك المنايا ما بين الستين والسبعين». وعلَّق على القول الخامس بقوله: «وذكر الزهراوي في ذلك أنه عن النبي ﷺ». ثم انتقد هذه الأقوال عدا الأول، فقال: «وهذا كله ضعيف، وهذه طبقات وليست بقرون، إنما القرن أن يكون وفاة الأشياخ ثم ولادة الأطفال، ويظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين﴾»

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾؛ فقرأ قوم: ﴿كُذِبوا﴾ بالتخفيف ولهم في تفسير الآية وجهان: الأول: أنّ المعنى: استيأس الرسل مِن إيمان قومهم، وظنَّ المرسَل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم. الثاني: أنّ المعنى: استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنُّوا أنهم قد كذبوا فيما وُعِدوا من النصر. وقرأ غيرهم بالتشديد ولهم في تفسيرها وجهان: الأول: أنّ الرُّسُلَ ظنَّت بأتباعها المؤمنين أنهم قد كذبوهم، فارتدوا استبطاءً منهم للنصر. الثاني: استيأس الرسل من إيمان قومهم، واستيقنوا من تكذيبهم، ويكون الظن بمعنى: العلم. وقرأ آخرون: (كَذَبُوا) بالفتح، والمعنى: استيأس الرسل من تعذيب قومهم، وظنَّ قومهم أيضًا أنهم قد كذبوا. ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٣٩٢) مستندًا إلى السياق والدلالة العقلية قراءةَ التخفيف، والوجهَ الأول في تفسيرها الذي قاله ابن عباس من طريق مسلم، وأبي الضحى، وعمران السلمي، وعلي، والعوفي، وقاله ابن جبير من طريق ربيعة بن كلثوم، وابن مسعود من طريق ابن جبير، ومجاهد من طريق أبي نجيح، وابن زيد، وعبد الله بن الحارث، والضحاك، فقال: «لأنّ ذلك عَقِيب قوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى، أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾، فكان ذلك دليلًا على أنّ إياس الرسل كان مِن إيمان قومهم الذين أُهْلِكوا، وأنّ المضمر في قوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ إنّما هو مِن ذكر الذين مِن قبلهم مِن الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحًا أيضًا إتباع اللهِ في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قولَه: ﴿فنجي من نشاء﴾ إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنُّوا أنّ الرسل قد كذبتهم، فكذَّبوهم ظنًّا منهم أنّهم قد كذبوهم». وانتقد (١٣‏/‏٣٩٤) الوجه الثاني الذي قال به ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة، وعكرمة، وقاله ابن مسعود من طريق مسروق، وقاله سعيد بن جبير من طريق أبي بشر، وقاله سفيان، مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا تأويلٌ، وقول غيره من أهل التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافُه من القول أشبه بصفات الأنبياء والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشُكُّوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم مِن حُجَجِ الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك أنّ المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قولٌ إن قاله قائل لا يخفى أمره، وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النكرة». وساق الآثار الواردة عنها رضي الله عنها، ثم قال (١٣‏/‏٣٩٦بتصرف): «فهذا ما روي في ذلك عن عائشة، غير أنها كانت تقرأ: ‹كُذِّبُوا› بالتشديد وضم الكاف، بمعنى: أنّ الرسل ظنت بأتباعها الذين قد آمنوا بهم أنهم قد كذبوهم، فارتدوا عن دينهم، استبطاء منهم للنصر». وكذا انتقده ابنُ عطية (٥‏/‏١٦٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فساق ردَّ عائشة له، ثم علَّق بقوله: «وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟!». وساق ابنُ تيمية (٤‏/‏٧٣-٧٤) إنكار عائشة، ورجَّح مستندًا إلى السياق، والنظائر الوجهَ الثاني، فقال: «فعائشة جعلت استيئاس الرسل من الكُفّار المكذبين، وظنَّهم التكذيب من المؤمنين بهم، ولكن القراءة الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد تأولها ابن عباس، وظاهر الكلام معه، والآية التي تليها -يقصد التي تليها في أثر ابن عباس الوارد من طريق ابن أبي مليكة- إنّما فيها استبطاء النصر، وهو قولهم: ﴿متى نصر الله﴾، فإن هذه كلمة تبطئ لطلب التعجيل». ثم قال: «وقوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ قد يكون مثل قوله: ﴿إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان﴾ [الحج:٥٢]، والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح كما هو في اصطلاح طائفة من أهل الكلام في العلم، ويسمون الاعتقاد المرجوح: وهْمًا. بل قد قال النبي ﷺ: «إياكم والظنَّ، فإنّ الظنَّ أكذبُ الحديث». وقد قال تعالى: ﴿وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم:٢٨] فالاعتقاد المرجوح هو ظن، وهو وهم. وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفوِّ عنه كما قال النبي ﷺ: «إنّ الله تجاوز لأُمَّتي ما حَدَّثت به أنفسها؛ ما لم تَكَلَّم، أو تعمل». وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان كما ثبت في الصحيح». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏١٦٤) أنّ قراءة التشديد تحتمل ما فيها من وجهي التفسير. وبيّن (٥‏/‏١٦٥) أنّ قراءة الفتح تحتمل أن يكون الضميران للرسل، أي: ظن الرسل أنهم قد كَذَبوا من حيث نقلوا الكذب، وإن كانوا لم يتعمدوه. وبنحوه قال ابنُ كثير (٨‏/‏٩٧). وبين ابنُ عطية أن هذا الاحتمال الثاني مردود، كالوجه الثاني من قراءة التخفيف، وأنّه راجع إليه

اختُلف في معنى: «الغاسق إذا وقب» على أقوال: الأول: الليل إذا أظلم. الثاني: النهار إذا دخل في الليل. الثالث: الكوكب، وهو الثُّريّا إذا سقطتْ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عن طلوعها. الرابع: هو القمر. وعلَّق ابنُ تيمية (٧‏/‏٣٩١) على القول الثالث بقوله: «ويشبه -والله أعلم- أن يكون من الحكمة في ذلك: أنّ النور هو جنس الخير، والظُّلمة جنس الشّرّ، وفي الليل يقع من الشرور النفسانية ما لا يقع في النهار، والقمر له تأثير في الأرض لا سيما حال كسوفه؛ فإنّ النبي قال: «إنهما آيتان يخوّف الله بهما عباده». والتخويف إنما يكون بانعقاد سبب الخوف، ولا يكون ذلك إلا عند سبب العذاب أو مظنّته، فعُلم أنّ الكسوف مظنّة حدوث عذاب بأهل الأرض، ولهذا شُرع عند الكسوف الصلاة الطويلة والصدقة والعتاقة والدعاء لدفْع العذاب، وكذلك عند سائر الآيات التي هي إنشاء العذاب كالزلزلة، وظهور الكواكب وغير ذلك، وهو أقرب الكواكب التي لها تأثير في الأرض بالترطيب واليبس وغير ذلك». ووجَّهه ابنُ القيم (٣‏/‏٤٠٨) بقوله: «إنْ أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل، وإنْ أراد: أنّ اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما؛ فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه، وأمّا أن يختص اللفظ به فباطل». وعلَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٢٤) على القول الرابع بقوله: «وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد...». ثم ذكر حديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٧٤٩) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: إنّ الله أمر نبيَّه أن يستعيذ من شرِّ ﴿غاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلِم، يقال: قد غَسَقَ الليل يَغْسِق غُسوقًا: إذا أظلم، ﴿إذا وقَبَ﴾ يعني: إذا دخل في ظلامه؛ والليل إذا دَخَل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفَل غاسق، والقمر غاسقٌ إذا وقب، ولم يَخْصُص بعض ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسق فإنه كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٧١٥) عن القتبي وغيره أنّ «الغاسق إذا وقب»: «هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف». واستدل أصحاب القول الثالث بحديث أبي هريرة الوارد في تفسير الآية وفيه: «النجم: الغاسق». واستدل أصحاب القول الرابع بحديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. وعلَّق عليهما ابنُ تيمية (٧‏/‏٣٨٨) بقوله: «وهذا المرفوع قد ظنّ بعض الناس منافاته لمن فسّره بالليل؛ فجعلوه قولًا آخر، ثم فسّروا وقوبه بسكونه. قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق: القمر إذا كسف واسوَدّ. ومعنى وقب: دخل في الكسوف، وهذا ضعيف، فإنّ ما قال رسول الله لا يُعارض بقول غيره، وهو لا يقول إلا الحقّ، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه، بل مع ظهوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]. فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فتُرى بالليل، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته، والدليل مستلزم للمدلول، فإذا كان شرّ القمر موجودًا فشَرّ الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره، فتكون الاستعاذة من الشّرّ الحاصل عنه أقوى، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى: «هو مسجدي هذا». مع أنّ الآية تتناول مسجد قباء قطعًا. وكذلك قوله عن أهل الكساء: «هؤلاء أهل بيتي». مع أنّ القرآن يتناول نساءه، فالتخصيص لكون المخصوص أولى بالوصف، فالقمر أحقّ ما يكون بالليل بالاستعاذة». ووافقه ابنُ القيم (٣‏/‏٤٠٦، ٤٠٧). وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٢٥) نحو هذا مختصرًا

بيِّن ابنُ جرير (٢‏/‏٢٣٦)، وابنُ عطية (١‏/‏٢٨١)، وابنُ تيمية (١‏/‏٢٧١-٢٧٣)، وابنُ كثير (١‏/‏٤٨٦) أنّ معنى الاستفتاح: الاستنصار. وأن معنى يستفتحون: يستنصرون. وانتقد ابنُ تيمية (١‏/‏٢٧١-٢٧٣ بتصرف) القول بأن استفتاحهم بالنبي ﷺ إقسامهم به، مستندًا إلى مخالفته النقول الصحيحة المستفيضة، وعدم ذكرِ الكتبِ الجامعةِ لأقوالِ السّلفِ له، فقال: «كانت اليهود تقول للمشركين: سوف يبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم. لم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، بل يقولون: اللهم، ابعث هذا النبي الأمي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه. هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير، وعليه يدل القرآن؛ فإنه قال تعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾، والاستفتاح: الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر. فطلب الفتح والنصر به هو أن يُبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به، إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نُصِرُوا، ولم يكن الأمر كذلك، بل لما بعث الله محمدًا ﷺ نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه، وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذٌّ مُخالِف به للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له». ثم ساق الآثار الواردة عن السلف في تفسير الاستفتاح بالاستنصار، ثم قال: «ولم يذكر ابن أبي حاتم وغيره ممن جمع كلام مفسري السلف إلا هذا، وهذا لم يُذكر فيه السؤال به عن أحد من السلف، بل ذكروا الإخبار به، أو سؤال الله أن يبعثه... ولفظ الآية إنما فيه أنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وهذا كقوله تعالى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمْ الفَتْحُ﴾ [الأنفال:١٩]، والاستفتاح: طلب الفتح، وهو النصر. ومنه الحديث المأثور: أن النبي ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي: يستنصر بهم، أي: بدعائهم، كما قال: «وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم». بصلاتهم ودعائهم وإخلاصهم. وهذا قد يكون بأن يطلبوا من الله تعالى أن ينصرهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، بأن يعجل بعث ذلك النبي إليهم لينتصروا به عليهم، لا لأنهم أقسموا على الله وسألوا به، ولهذا قال تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾، فلو لم ترد الآثار التي تدل على أن هذا معنى الآية لم يجُز لأحد أن يحمل الآية على ذلك المعنى المتنازع فيه بلا دليل؛ لأنه لا دلالة فيها عليه، فكيف وقد جاءت الآثار بذلك؟!»

اختلف أهل التفسير في مبلغ الصيام والطعام اللَّذَيْنِ أوجبهما الله على مَن حلق شعره من المُحْرِمِين في حال مرضه، أو مِن أذًى برأسه؛ فقال بعضهم: الواجب عليه من الصيام ثلاثة أيام، ومن الطعام ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. وقال آخرون: بل الواجب على الحالق النسك شاة إن كانت عنده، فإن لم تكن عنده قومت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا، فتصدق به، وإلا صام لكل نصف صاع يومًا. وقال غيرهم: الواجب عليه من الصيام عشرة أيام، ومن الإطعام عشرة مساكين. وقال آخرون: بل هو مخير بين الخِلال الثلاث، يفتدي بأيِّها شاء. ورجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٣٩٨-٣٩٩) القولَ الأخيرَ مستندًا إلى السنة، والإجماع، والدلالات العقلية بما مفاده الآتي: ١- أنّ ظاهر الآية لم يُخَصِّص واحدةً بعينها. ٢- حديث كعب بن عُجْرَة، وتخيير النبي ﷺ له في الفِدْيَة دون تعيين. ٣- إجماع الحجة على ذلك. ٤- القياس على كفارة اليمين في التخيير. وبنحوه قال ابنُ كثير (٢‏/‏٢٣٣)

عَلَّق ابنُ عطية (٢‏/‏٢٨٩) على قول علي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿مباركا﴾، فقال: «و﴿مباركا﴾ نصب على الحال، والعامل فيه على قول علي بن أبي طالب إنّه أول بيت وضع بهذه الحال، قوله: ﴿وضع﴾». وعند ابن جرير (٥‏/‏٥٩٧) نحوه. وقد رجّح ابنُ جرير في معنى قوله: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى﴾ قول علي هذا مستندًا إلى ما روي عن رسول الله ﷺ، حيث سئل: أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام». قال: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قال: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». قال ابنُ جرير (٥‏/‏٥٩٣) معلّقًا: «فقد بَيَّن هذا الخبر عن رسول الله ﷺ أن المسجد الحرام هو أول مسجد وضعه الله في الأرض على ما قلنا». وقد رجّح ابنُ كثير (٣‏/‏١١٥) هذا القول أيضًا، حيث ذكر قول من ذهب إلى أنه أول بيت على وجه الأرض مطلقًا، ثم علّق بقوله: «والصحيح قول علي». مستندًا إلى نحو ما ذكره ابن جرير من دليل السّنّة

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ على أقوال: الأول: الصلوات الخمس. الثاني: ذكر الله بالتسبيح والتقديس والتهليل، ونحو ذلك. الثالث: العمل بطاعة الله. الرابع: الكلام الطيِّب. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٢٨١) مستندًا إلى دلالة العموم القولَ الثالث، وهو قول ابن عباس من طريق عطاء، وعلي بن أبي طلحة، وابن زيد، وعلَّل ذلك قائلًا: «لأن ذلك كلَّه مِن الصالحات التي تَبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها يُجازى ويُثاب، وأن الله -عزَّ ذِكْره- لم يَخْصُص من قوله: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ بعضًا دون بعض في كتاب، ولا بخبرٍ عن رسول الله ﷺ». ثم وجَّه التفسير الوارد في حديث أبي هريرة س للباقيات الصالحات بأنه ليس تخصيصًا لها بذلك، فقال: «الخبر عن رسول الله ﷺ إنما ورد بأنّ قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هنَّ من الباقيات الصالحات، ولم يقل: هنَّ جميع الباقيات الصالحات، ولا كلُّ الباقيات الصالحات، وجائزٌ أن تكون هذه باقياتٍ صالحات، وغيرها من أعمال البرِّ -أيضًا- باقياتٍ صالحات»