ذكر ابنُ جرير (٢‏/‏٦٥٣) أنّ الإيمان: التصديق، وأنّ التصديق قد يكون بالقول وحده، وبالفعل وحده، وبهما جميعًا، ثُمَّ قال: «فمعنى قوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة: وما كان الله ليضيع تصديقكم رسوله ﷺ بصلاتكم التي صَلَّيْتُموها نحو بيت المقدس عن أمره؛ لأنّ ذلك كان منكم تصديقًا لرسولي، واتِّباعًا لأمري، وطاعة منكم لي». ووجّه ابنُ عطية (١‏/‏٣٧٢) قول من قال من السلف بأن الإيمان في الآية هو الصلاة، فقال: «وسمى الصلاة: إيمانًا؛ لَمّا كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولَمّا كان الإيمان قُطْبًا عليه تدور الأعمال، وكان ثابتًا في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر، وأيضًا فسُمِّيَت: إيمانًا؛ إذ هي من شعب الإيمان». وذَكَر ابنُ تيمية (١‏/‏٣٧٤) أنّ الصلاة سُمِّيَت إيمانًا لأنها تُصَدِّقُ عمل المرء وقوله، وتحصل طمأنينة القلب واستقراره إلى الحق، ثم قال: «ولا يصح أن يكون المراد به مجرد تصديقهم بفرض الصلاة؛ لأنّ هذه الآية نزلت فيمن صلّى إلى بيت المقدس ومات ولم يدرك الصلاة إلى الكعبة، ولو كان مجرّد التصديق لَشَرِكَهم في ذلك كُلُّ الناس، وفي يوم القيامة، فإنهم مصدّقون بأن الصلاة إلى بيت المقدس إذ ذاك كانت حقًّا، ولم يتأسّفوا على تصديقهم بفرض معيّن لم يترك». وعَلَّق ابنُ القيم (١‏/‏١٤٩) على الخلاف في تأويل الإيمان، فقال: «قوله: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾، وفيه قولان: أحدهما: ما كان ليضيع صلاتكم إلى بيت المقدس بل يجازيكم عليها؛ لأنها كانت بأمره ورضاه. والثاني: ما كان ليضيع إيمانكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم بأن الله شرعها ورضيها. وأكثر السلف والخلف على القول الأول، وهو مُسْتَلْزِمٌ للقول الآخَر»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ بين قائل بوجوب الإشهاد على البيع، وقائل بنسخ الوجوب، وقائل بالندب. ورجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏١١١) القول بالوجوب استنادًا إلى دلالة الأمر على الوجوب، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أنّ الإشهاد على كل مبيع ومُشتَرى حقٌّ واجبٌ وفرضٌ لازمٌ؛ لِما قد بَيَّنّا مِن أن كل أمرٍ لله ففرضٌ، إلا ما قامت حجَّتُه من الوجه الذي يجب التسليم له بأنه ندب وإرشاد». وانتقد ابنُ عطية (٢‏/‏١٢٢) استنادًا إلى الدلالات العقلية ما رجَّحه ابن جرير بقوله: «والوجوب في ذلك قَلِق، أما في الدقائق فصعبٌ شاقٌّ، وأما ما كثُرَ فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يَسْتَحيي من العالِم والرجل الكبير الموقَّر فلا يُشهِد عليه، فيَدْخُل ذلك كله في الائتمان». ورجَّح ابنُ عطية (٢‏/‏١٢٢) وابنُ كثير (٢‏/‏٥١٠) القول بالندب، قال ابنُ عطية: «ويبقى الأمر بالإشهاد ندبًا لما فيه من المصلحة في الأغلب، ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا». وذكر ابنُ كثير أنّه قول الجمهور، واستدلَّ على الندب بحديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وفيه: أن النبي ﷺ اشترى من أعرابيٍّ فرسًا، فأنكر الأعرابيُّ، وقال: هَلُمَّ شهيدًا يشهد أني بايعتك، ... حتى جاء خزَيْمة، فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي، فقال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. الحديث، ثم ذكر ابنُ كثير أنّ الاحتياط هو الإشهاد، مستندًا إلى حديث «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم:.. ، ورَجلٌ أقْرضَ رجُلًا مالًا فلم يُشْهد». وانتقد ابنُ جرير (٥‏/‏١١١) القول بالنسخ، فقال: «وقد دَلَّلْنا على وهْي قول من قال: إنه منسوخ بقوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ فيما مضى». وقد مرَّ ذكره عند قوله تعالى أول هذه الآية: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في المعنيّ بـ﴿آزر﴾، هل هو اسم أم صفة؟ وإن كان اسمًا فمَن المسمّى به؟ على ثلاثة أقوال: الأول: هو اسم أبيه. وهو قول الضحاك، والسدي، وابن إسحاق، وسعيد بن عبدالعزيز. الثاني: أنه ليس بأبي إبراهيم. وهو قول ابن عباس، وابن المسيب، ومجاهد، والسدي، وابن جريج. الثالث: هو سبٌّ وعيبٌ بكلامهم، ومعناه: مُعْوَجٌّ. كأنه تأوَّل أنه عابه بزَيْغِه واعْوِجاجِه عن الحقِّ. وهو قول سليمان التيمي. وقد ذكر ابنُ جرير (٩‏/‏٣٤٥) اختلاف القُرّاء في قراءة ﴿آزَرَ﴾، ورجَّح قراءة «من قرأ بفتح الراء من ﴿آزَرَ﴾ على إتْباعه إعراب الأبِ، وأنه في موضع خفضٍ، فَفُتِح إذ لم يكن جاريًا؛ لأنه اسمٌ أعجميٌّ». وبناءً على هذا الترجيح فقد جوَّز فَتْحَ ﴿آزَرَ﴾ مِن أحد وجهين: «إمّا أن يكون اسمًا لأبي إبراهيم عليه السلام، فيكون في موضع خفض ردًّا على الأبِ، أو يكون نعتًا له، فيكون أيضًا خفضًا، بمعنى تكرير اللام عليه، ولكنه لَمّا خَرَج مَخْرَج أحمر وأسود تُرِك إجراؤه، وفُعِل به كما يُفْعَل بأشكاله. فيكون تأويل الكلام حينئذٍ: وإذ قال إبراهيم لأبيه الزائغ: أتَتَّخِذ أصنامًا آلهةً؟». وبناءً على هذين الوجهين، فقد رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، وأقوال السلف كون «آزر» اسما لأبي إبراهيم، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذِكْره- أخبر أنه أبوه، وهو القول المحفوظ من قول أهل العلم، دون القول الآخر الذي زعم قائله أنه نعتٌ». ثم وجَّه (٩‏/‏٣٤٦) قولَ مَن يَنسِبون إبراهيم إلى «تارَح» لا إلى «آزر» استنادًا إلى التاريخ بأنّه: «غير مُحالٍ أن يكون كان له اسمان، كما لكثيرٍ من الناس في دهْرنا هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثيرٍ منهم، وجائزٌ أن يكون لقبًا». وقوّى ابنُ كثير (٦‏/‏٩٤) توجيهه هذا، وقال: «وهذا الذي قاله جيِّد قَوِيٌّ»

نقل ابنُ جرير (١٤‏/‏٦١٢) عن بعض أهل العربية في قوله تعالى: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أن المعنى: «ما تتَّبعون إلا رجلًا له سَحْرٌ، أي: له رِئَةٌ، والعرب تسمِّي الرِّئَة سَحْرًا، والسَّحْرُ من قولهم للرجل إذا جبُن: قد انتفخ سَحْرُه. وكذلك يقال لكلِّ ما أكَل أو شرِب من آدميٍّ وغيرِه: مسحورٌ، ومُسَحَّرٌ... فكأن معناه عنده كان: إن تتَّبعون إلا رجلًا له رِئَةٌ، يأكل الطعام، ويشرب الشَّراب، لا مَلَكًا لا حاجة به إلى الطعام والشراب». ثم علَّق عليه بقوله: «والذي قال من ذلك غيرُ بعيدٍ من الصواب». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٤٨٩) أن قوله تعالى: ﴿مَسْحُورًا﴾ «الظاهر فيه أن يكون من السِّحْر، فشبَّهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور الذي قد خبل السِّحْر عقله، وأفسد كلامه». ثم وجَّهه بقوله: «وتكون الآية -على هذا- شبيهة بقول بعضهم: بِهِ جِنَّةٌ. ونحو هذا». ونقل عن أبي عبيدة أن ﴿مَسْحُورًا﴾ معناه: ذا سَحْر، وهي الرئة، ثم وجَّهه بقوله: «فكأن مقصد الكفار بهذا التشبيه على أنه بشر». ثم رجَّح القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية أنه من السِّحْر قائلًا: «والآية التي بعد هذا تُقَوِّي أن اللفظة التي في الآية من السِّحْر -بكسر السين-، لأن (في هذا الموضع بياضًا في جميع أصول تفسير ابن عطية كما ذكر محقّقوه؛ ولعل الكلمة القريبة: ﴿مسحورًا﴾) حينئذ في قولهم ضَرْبُ مَثَل له، وأما على أنها من السَّحْر الذي هو الرِّئة، ومن التَّغَذِّي، وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر؛ فلم يُضرب له في ذلك مثل، بل هو صفة حقيقة له». وانتقد ابنُ كثير (٩‏/‏٢٤) تصويب ابن جرير لقول من قال: إنه مِن السَّحْر. قائلًا: «وفيه نظر؛ لأنهم أرادوا هاهنا أنه مسحور له رَئِيٌّ يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم مَن قال: شاعر. ومنهم من قال: كاهن. ومنهم من قال: مجنون. ومنهم من قال: ساحر. ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾، أي: فلا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون إليه مخلصًا»

اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿بل عجبت﴾ على وجهين: الأول: بفتح التاء، بمعنى: بل عجبت أنت، يا محمد. وهي قراءة الجمهور. والثاني: بضم التاء، بمعنى: بل عَظُمَ عندي وكَبُرَ اتخاذهم لي شريكًا، وتكذيبهم تنزيلي. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٩٧) إلى أنهما قراءتان مشهورتان في قراء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ثم قال: «فإن قال قائل: وكيف يكون مصيبًا القارئ بهما مع اختلاف معنييهما؟ قيل: إنهما وإن اختلف معنياهما فكل واحد مِن معنييه صحيح، قد عجب محمد مما أعطاه الله من الفضل، وسخر منه أهل الشرك بالله، وقد عجب ربُّنا مِن عظيم ما قاله المشركون في الله، وسخر المشركون بما قالوه. فإن قال: أكان التنزيل بإحداهما أو بكلتيهما؟ قيل: التنزيل بكلتيهما. فإن قال: وكيف يكون تنزيل حرف مرتين؟ قيل: إنه لم ينزل مرتين، إنما أنزل مرة، ولكنه أُمِرَ ﷺ أن يقرأ بالقراءتين كلتيهما». وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏٢٧٤-٢٧٥) [وما بين المعكوفين من ط: دار الكتب العلمية (٤‏/‏٥٣٦)] على قراءة ضم التاء، بقوله: «ومعنى ذلك من الله أنه صفة فعل، ونحوه قول النبي ﷺ: «يعجب الله تعالى إلى قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل». وقوله:عليه السلام: «يعجب الله من الشاب ليست له صبوة»، فإنما هي عبارة عما يظهره تعالى في جانب [المتعجب منه من التعظيم والتحقير حتى يصير الناس متعجبين] منه، فمعنى هذه الآية: بل عجبتُ من ضلالتهم وسوء نحلتهم، وجعلتها للناظرين فيها، وفيما اقترن معها من شرعي وهداي متعجّبًا». وما قاله ابن عطية فيه نظر، والحق إثبات صفه العَجب لله على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله، كما جاء عن السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ينظر: الإبانة ٣‏/‏١٣١

اختُلف في المعنيّ بقوله تعالى: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾ بناءً على اختلافهم في معنى: «الكتاب المكنون» على أقوال: الأول: مَن قال: إنّ «الكتاب المكنون» هو الذي في السماء، ذكروا في «المطهَّرين» عدة أقوال: أحدها: هم الملائكة. ثانيها: هم الذين قد طُهِّروا من الذنوب كالملائكة والرسل. ثالثها: لا يمسُّه عند الله إلا المطهَّرون من الأحداث والأنجاس. الثاني: ومَن قال: إن «الكتاب المكنون» هو التوراة والإنجيل، قال: «المطهَّرون» هم حملة التوراة والإنجيل. الثالث: ومَن قال: إنّ «الكتاب المكنون» هو مصاحف المسلمين، قال: «المطهَّرون» هم المطهَّرون من الكفر والجنابة والحَدَث الأصغر. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٠) القول الأول بقوله: «وليس في الآية -على هذا القول- حكم مسّ المصحف لسائر بني آدم». ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٣٦٧) -مستندًا إلى ظاهر الآية- شمول المعنى لجميع الأقوال، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر أن لا يَمَسُّ الكتاب المكنون إلا المطهَّرون، فعمَّ بخبره المطَهَّرين، ولم يَخْصُصْ بعضًا دون بعض؛ فالملائكة من المطَهَّرين، والرُّسُل والأنبياء مِن المطَهَّرين، وكلُّ من كان مُطَهَّرًا مِن الذنوب فهو مِمَّن استُثْنِي، وعني بقوله: ﴿إلا المُطَهَّرُونَ﴾». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٠) أنّ «مَن قال بأنها مصاحف المسلمين، قال: إنّ قوله: لا يَمَسُّهُ إخبار مضمّنه النهي، وضمة السين على هذا ضمة إعراب، وقال بعض هذه الفرقة: بل الكلام نهي، وضمة السين ضمة بناء». ثم انتقد (٨‏/‏٢١١) -مستندًا إلى اللغة- مَن قال بأنه نهي، فقال: «والقول بأن ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ نهيٌ قول فيه ضعف، وذلك أنه إذا كان خبرًا فهو في موضع الصفة، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء معنًى أجنبيًّا مُعْتَرَضًا بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام فتدبَّره، وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنهما: (ما يَمَسُّهُ)، وهذا يقوِّي ما رجَّحته مِن الخبر الذي معناه: حَقُّهُ وقَدْرُه أن لا يمسَّه إلا طاهر»

سورة الأنفال — الآية ٥

عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة، وبلَغَه أنّ عِير أبي سفيان قد أقْبَلتْ، فقال: «ما تَرَوْن فيها؟ لعلَّ الله يُغْنِمُناها ويُسَلِّمُنا». فخرجنا، فلما سِرْنا يومًا أو يومين أمَرَنا رسول الله ﷺ أن نَتَعادَّ، ففعَلنا، فإذا نحن ثلاثُمائة وثلاثةَ عشر رجلًا، فأخبَرْنا النبي ﷺ بعِدَّتنا، فسُرَّ بذلك، وحمِد الله، وقال: «عِدَّةُ أصحاب طالوت». فقال: «ما تَرَون في القوم، فإنهم قد أُخبِرُوا بمَخْرَجكم؟». فقُلنا: يا رسول الله، لا واللهِ ما لنا طاقةٌ بقتال القوم، إنما خَرَجْنا للعير. ثم قال: «ما تَرَوْن في قتال القوم؟». فقلنا مثلَ ذلك، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى لموسى: اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا هاهنا قاعدون. فأنزل الله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ إلى قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾. فلما وعَدَنا الله إحدى الطائفتين؛ إما القومَ وإما العِيرَ، طابتْ أنفسُنا، ثم إنّا اجْتَمَعْنا مع القوم فصَفَفْنا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم إني أنشُدُك وعدَك». فقال ابن رَواحة: يا رسول الله، إني أريدُ أن أُشيرَ عليك، ورسول الله أفضلُ ممن يُشِيرُ عليه؛ إن الله -أجلُّ وأعظمُ- من أن تَنْشُدَه وعدَه. فقال: «يا ابن رواحة، لأَنشُدنَّ الله وعدَه، فإنّ الله لا يُخلِفُ الميعاد». فأخَذَ قبضةً من التراب، فرمى بها رسول الله ﷺ في وجوه القوم، فانهزَمُوا، فأنزَل الله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال:١٧]. فقَتَلْنا وأسَرْنا، فقال عمر: يا رسول الله، ما أرى أن يكون لك أسْرى، فإنما نحن داعُون مُؤَلِّفُون. فقلنا معشر الأنصار: إنما يَحمِلُ عمرَ على ما قال حسدٌ لنا. فنام رسول الله ﷺ، ثم استَيقَظ، ثم قال: «ادعُوا لي عمر». فدُعِيَ له، فقال له: «إن الله قد أنزَل عليَّ: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾» الآية [الأنفال:٦٧]

عن عروة بن الزبير-من طريق أبي الأسود-، ومحمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق موسى بن عقبة- قالا: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ إلى قوله: ﴿صراطا مستقيما﴾، فبشّر الله - عز وجل - نبيّه - ﷺ - بمغفرته، وتمام نعمته، وفي طاعة مَن أطاع، ونفاق مَن نافق، ثم ذكر ما المنافقون مُعتلُّون به إذا أتَوا رسول الله - ﷺ -، وأخبرهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وإنما منعهم من الخروج معه أنهم ظنُّوا أن لن يرجع الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا، وظنُّواالسوء. ثم ذكر أنهم إذا انطلقوا إلى مغانم ليأخذوها التمسوا الخروج معهم لعَرَض الدنيا، ثم ذكر أنّ المنافقين سُيدعَون إلى قوم أولي بأس شديد يقاتلونهم أو يُسلمون ما يبتليهم، فإن أطاعوا أثابهم على الطاعة، وإن تَوَلّوا كفعلهم أوّل مرّة عذّبهم عذابًا أليمًا. ثم ذكر مَن بايع تحت الشجرة، ثم ذكر ما أثابهم على ذلك مِن الفتح والمغانم الكثيرة، وعجّل لهم مغانم كثيرة، ثم ذكر نعمته عليهم بكفّ أيدي العدوّ عنهم، ثم بشّره - ﷺ - بمكة أنه قد أحاط بها، ثم ذكر أن لو قاتلهم الذين كفروا لولّوا الأدبار ثم لا يجدون وليًّا ولا نصيرًا، ولأعطيناكم النّصر والظّفر عليهم، ثم ذكر المشركين وصدّهم المسلمين عن البيت الحرام والهَدْي معكوفًا أن يبلغ مَحِلّه، وأخبر أن لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرَّة بغير علم لو كان قتال، ثم قال: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ [الفتح: ٢٥]، ثم ذكر الحميّة التي جعلها الله في قلوبهم حين أبَوا أن يُقرّوا لله -تبارك وتعالى- باسمه، وللرسول باسمه، وذكر الذي أنزل الله تعالى على رسوله - ﷺ - وعلى المؤمنين مِن السَّكينة حتى لا يحموا كما حمي المشركون لوقع القتال، فيكون فيه معرّة، ثم ذكر أنه قد صدق ﴿رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ إلى ﴿فتحا قريبا﴾ [الفتح: ٢٧]

رَجَّحَ ابنُ جرير (١‏/‏٤٣٨) بالسياق أن تكون هذه الآية نازلةً في كُفّارِ أحْبارِ أهل الكتاب، والمنافقين منهم، وأن يكون المراد بالعهد ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتِّباع محمد ﷺ إذا بُعِث، والتصديق به، ونقضهم ذلك: هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم عِلْمَ ذلك الناسَ. ويدخل في أحكامهم كلُّ مَن كان على مِثْلِ ما كانوا عليه من الضَّلال، فقال: «وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات مَن قلتُ إنه عنى بها؛ لأن الآيات من ابتداء الآيات الخمس والست من سورة البقرة فيهم نزلت إلى تمام قصصهم، وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانه في قوله: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة:٤٠]، وخطابِه إيّاهم -جَلَّ ذكره- بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر؛ ما يَدُلُّ على أن قوله: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ مقصودٌ به كفارُهم ومنافقوهم ومَن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غير أنّ الخطاب -وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين- فداخل في أحكامهم وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ كُلُّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق، وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي». وحَسَّنَ ابنُ كثير (١‏/‏٣٢٩-٣٣٠) أن يكون عُنِي بهذه الآية جميعُ أهل الشرك والكفر والنفاق، وأنّ المراد بالعهد: هو ما وضعه الله لجميع الكُفّار من الأدلة الدّالَّة على ربوبيته، وما احتج به لرسله من المعجزات. ونقضُهم إياه: تركُهم الإقرارَ بما ثبتت لهم صحتُه، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أنّ ما أتوا به حقٌّ. ونقل ابن عطية (١‏/‏١٥٩) في معنى العهد أقوالًا أخرى، فقال: «وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله: أن يوحدوه، وأن لا يعبدوا غيره... وقال قتادة: هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي ﷺ ثم كفر به فنقض العهد»

قال ابنُ جرير (٣‏/‏٢٦٣): «وأما قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فإنّه -تعالى ذِكْرُه- حَدَّ الصومَ بأنّ آخر وقته إقبالُ الليل، فدلّ بذلك على أن لا صوم بالليل، كما لا فطر بالنهار، وعلى أنّ المُواصِل مُجَوِّعٌ نفسَه في غير طاعة ربه». وقال (٣‏/‏٢٦٥-٢٦٦ بتصرُّف): «فإن قال قائِلٌ: فما وجه وِصال مَن واصَل؟... قيل: وجْهُ مَن فعل ذلك -إن شاء الله تعالى- على طلب الخُموصة لنفسه والقوة، لا على طلب البِرِّ لله بفعله. وفعلُهم ذلك نظيرُ ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله: اخشَوشِنوا، وتمَعْددوا، وانزُوا على الخيل نَزْوًا، واقطعوا الرُّكُب، وامشوا حُفاة. وقد رَغِب -لِمَن واصل- عن الوصال كثيرٌ من أهل الفضل، حدَّثنا... عن أبي إسحاق: أنّ ابن أبي نُعم كان يواصل من الأيام حتى لا يستطيع أن يقومَ، فقال عمرو بن ميمون: لو أدرَك هذا أصحابُ محمد ﷺ رَجمُوه. وقد رُوي عن النبي ﷺ الإذنُ بالوصال من السَّحر إلى السَّحر». وقال ابنُ كثير (٢/ ٢٠٦-٢٠٧ بتصرُّف) في الوِصال: ""هو أن يَصِل صوم يوم بيوم آخر، ولا يأكل بينهما شيئًا، وقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي ﷺ، وأنّه كان يُقَوّى على ذلك ويُعان، والأظهر أنّ ذلك الطعام والشراب في حقّه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر:لها أحاديثُ من ذِكْراك تُشْغِلُها... عن الشراب وتُلْهِيها عن الزّاد"". وقال (٢‏/‏٢٠٧-٢٠٨) فيما رُوِي من وصال بعض السلف: «يحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنّه إرشاد، أي: من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم. فكان ابنُ الزبير وابنُه عامر ومَن سلك سبيلهم يَتَجَشَّمُون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قُوَّة عليه. وقد رُوِي عن ابن الزبير أنه كان يُواصِل سبعة أيام، ويُصْبِح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم. وقال أبو العالية: إنّما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل»