للسلف في تفسير قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ ثلاثة تأويلات: الأول: فظنَّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. الثاني: فظنَّ أنه يُعْجِز ربَّه، فلن يقدر عليه. الثالث: أنه استفهام بمعنى: أفظن أن لن نقدر عليه؟. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٨١-٣٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية واللغة القول الأول، وانتقد القولين الآخرين، فقال: «وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: عنى به: فظن يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه عقوبةً له على مغاضبته ربه. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكُفْرِ وقد اختاره لنبوته، ووصفه بأن ظن أن ربه يعجز عمّا أراد به ولا يقدر عليه وصفٌ له بأنّه جَهِلَ قدرةَ الله، وذلك وصفٌ له بالكفر، وغيرُ جائز لأحد وصفه بذلك. وأما ما قاله ابن زيد فإنه قولٌ لو كان في الكلام دليلٌ على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أنّ ذلك كذلك، والعربُ لا تحذِف مِن الكلام شيئًا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلًا على أنّه مُراد في الكلام، فإذا لم يكن في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ دلالة على أنّ المراد به الاستفهام -كما قال ابن زيد- كان معلومًا أنه ليس به. وإذ فسد هذان الوجهان صحَّ الثالثُ، وهو ما قلنا». وانتقد ابنُ عطية (٦/١٩٥) القولَ الثاني بقوله: «وهذا قول مردود»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ﴾، يعني: بالإسلام، يوم أخذ ميثاقكم على المعرفة بالله عز وجل والربوبية، إذ قلتم: سمعنا وأطعنا. ذلك أنّ الله عز وجل أخذ الميثاق الأول على العباد حين خلقهم من صُلْبِ آدم عليه السلام، فذلك قوله عز وجل: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف:١٧٢] على أنفسنا، فمن بَلَغ منهم العمل، وأقر لله عز وجل بالإيمان به، وبآياته، وكتبه، ورسله، والكتاب، والملائكة، والجنة، والنار، والحلال، والحرام، والأمر، والنهي، أن يعمل بما أمر، وينتهي عما نهى، فإذا أوفى لله تعالى بهذا أوفى الله له بالجنة. فهذان ميثاقان: ميثاق بالإيمان بالله، وميثاق بالعمل. فذلك قوله سبحانه في البقرة: ﴿سَمِعْنا وأَطَعْنا﴾ [٢٨٥]، سمعنا بالقرآن الذي جاء من عند الله، وأطعنا الله عز وجل فيه، وذلك قوله سبحانه في التغابن: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا﴾ [١٦]، يقول: اسمعوا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله عز وجل، وأطيعوا الله فيما أمركم، فمن بلغ الحُلُم والعمل، ولم يؤمن بالله عز وجل، ولا بالرسول، والكتاب؛ فقد نقض الميثاق الأول بالإيمان بالله عز وجل، وبما أخذ الله تعالى عليه حين خلقه، وصار من الكافرين. ومن أخذ اللهُ عز وجل عليه الميثاق الأول، ولم يبلغ الحُلُم، فإن الله عز وجل أعلم به... ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تنقضوا ذلك الميثاق، ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يعني: بما في قلوبهم من الإيمان والشك
علَّق ابنُ كثير (٦/٢٥٠-٢٥١) على قول قتادة، فقال: «وهو كما قال، فإنّ جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال تعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وإنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ * ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠-١٣٢]، وقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وقال موسى: ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ * ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [يونس:٨٤-٨٦]، وقال تعالى: ﴿إنّا أنزلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]»
زاد ابنُ عطية (٨/٦٠٤) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقيل: المراد: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال عكرمة: المراد: فجر يوم الجمعة». وذكر ابن القيم (٣/٢٩٦) أنّ قوله تعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ «إنْ أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمّن وقت صلاة الصبح، التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمّن أول الصلوات، وختمه بقوله: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمّن لآخر الصلوات: وإنْ أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النَّحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رئي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النَّحر الذي هو أفضل الأيام عند الله... وعلى هذا فقد تضمّن القَسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، بخلاف حال المشركين المُتكبِّرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يُشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال مَن ذُكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون»
اختلف أهل التأويل في الوجه الذي أُمِرُوا أن يتمنوا الموت به، على قولين: الأول: الدعاء على الفريق الكاذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة. الثاني: تشهي الموت وإرادته لا على وجه المباهلة. وجعل ابن جرير (٢/٢٦٧-٢٦٨) الأوّلَ للنّصارى، والثّاني لليهود، فقال: «وهذه الآية مما احتج الله بها لنبيه محمد ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهاجَرِه، وفضح بها أحْبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن الله -جَلَّ ثناؤُه- أمر نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره الله أن يدعوَ الفريقَ الآخر من النصارى -إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة، وقال لفريق اليهود: إن كنتم مُحِقِّين فتَمَنَّوُا الموت، فإن ذلك غير ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل إن أُعْطِيتُم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونَصَبها وكَدَر عيشها، والفوزِ بجِوار الله في جنانه إن كان الأمر كما تزعمون مِن أنّ الدار الآخرة لكم خالصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناسُ أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى ذلك، لعلمها أنَّها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى -الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى؛ إذْ دُعُوا إلى المباهلة- من المباهلة». واسْتَدْرَك ابنُ كثير (١/٤٩٦-٤٩٧) على كلام ابن جرير، بقوله: «هذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره فيه نظر؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل؛ إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت؛ فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: «خيركم من طال عمره، وحسن عمله». ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون -أيها المسلمون- أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحةِ الموتَ؛ فكيف تلزمونا بما لا نلزمكم؟ وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأمّا على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نَصَف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، وسُمِّيَت هذه المباهلة تمنّيًا لأنّ كل مُحِقٍّ يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيّما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت»
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: كان من شأن إبراهيم - عليه السلام - أنّ أولَ مَلِكٍ مَلَك في الأرض شرقَها وغربَها نمرود بن كنعان بن كوشِ بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين مَلكُوا الأرضَ كلَّها أربعة؛ نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختُنَصَّر، مُسْلِمَيْن وكافِرَيْن، وإنّه اطَّلع كوكبٌ على نمرودَ ذهَب بضوء الشمس والقمر، ففزِع من ذلك، فدعا السحرةَ والكهنة والقافَةَ والحازَةَ، فسأَلهم عن ذلك، فقالوا: يَخرُجُ من مُلْكِكَ رجلٌ يكون على وجْهِهِ هلاكُكَ، وهلاكُ مُلْكِكَ. وكان مَسْكَنُه ببابِل الكوفة، فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرَج الرجال، وترك النساء، وأمرَ ألا يولَدَ مولود ذَكَر إلا ذبَحَه، فذَبَّح أولادَهم، ثم إنّه بدَت له حاجةٌ في المدينة لم يأْمَن عليها إلا آزرَ أبا إبراهيم، فدعاه، فأرسلَه، فقال له: انظُر، لا تُواقِعْ أهلَك. فقال له آزر: أنا أضَنُّ بدِيني من ذلك. فلمّا دخَل القرية نظَر إلى أهله، فلم يملِكْ نفسَه أن وقَع عليها، ففَرَّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يُقال لها: أُورٌ. فجعَلها في سَرَبٍ، فكان يتعاهدُها بالطعام وما يُصلِحُها، وإنّ الملِكَ لَمّا طال عليه الأمر قال: قولُ سحرةٍ كذّابين، ارجِعوا إلى بلدكم. فرجَعُوا، ووُلِد إبراهيم، فكان في كلِّ يومٍ يَمرُّ به كأنه جُمُعة، والجمعةُ كالشهر من سُرعة شبابه، ونسِي الملِك ذلك، وكبِر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من الخلق غيرُه وغيرُ أبيه وأمِّه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إنّ لي ابنًا وقد خبَّأتُه فتخافون عليه الملِك إن أنا جئتُ به؟ قالوا: لا، فأتِ به. فانطلق، فأَخرَجه، فلما خرَج الغلام من السَّرَب نظَر إلى الدوابوالبهائم والخلق، فجعَل يسأل أباه، فيقول: ما هذا؟ فيُخبره عن البعير أنّه بعير، وعن البقرة أنّها بقرة، وعن الفرَس أنّها فرس، وعن الشاة أنّها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بُدٌّ مِن أن يكون لهم رَبٌّ. وكان خروجُه حينَ خرج من السَّرَب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء، فإذا هو بالكوكب، وهو المشتري، فقال: هذا ربي. فلم يلبَثْ أن غاب، قال: لا أُحبُّ ربًّا يغيب، قال عبد الله بن عباس: وخرج في آخر الشهر، فلذلك لم يرَ القمر قبلَ الكوكب، فلمّا كان آخر الليل رأى القمر، ﴿فلما رأى القمر بازغا﴾ قد اطَّلع قال: ﴿هذا ربي فلما أفل﴾ يقول: غاب، قال: ﴿لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾. فلمّا أصبح رأى الشمس بازغة، قال: ﴿هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت﴾: فلمّا غابتْ ﴿قال يا قوم إني بريء مما تشركون﴾. قال الله له: ﴿أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١]. قال: فجعل إبراهيم يدعُو قومه، وينذرهم، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطِيها ولدَه فيبيعونها، وكان يُعطِيه فينادِي: من يشتري ما يضرُّه ولا ينفعُه؟ فيرجِعُ إخوتُه وقد باعُوا أصنامهم، ويرجعُ إبراهيم بأصنامه كما هي، ثم دعا أباه، فقال: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾؟! [مريم: ٤٢]، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هُنَّ في بَهوٍ عظيم، مُسْتَقْبِلٌ بابَ البهو صنمٌ عظيم، إلى جنبِه أصغر منه، بعضُها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلَغوا باب البَهو، وإذا هم قد جعلوا طعامًا بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حينُ نَرجِعُ رجعْنا، وقد برِحَتِ الآلهة من طعامنا فأكَلْنا. فلمّا نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال: ألا تأكلون! فلمّا لم تُجِبْه قال: ﴿ما لكم لا تنطقون﴾ [الصافات: ٩٢]. ثم إنّ إبراهيم أتى قومَه، فدَعاهم، فجعل يدعُو قومَه، وينذرُهم، فحبَسُوه في بيت، وجَمَعوا له الحطب، حتى إنّ المرأة لَتمرَضُ فتقول: لَئِن عافاني الله لأجمعنَّ لإبراهيم حطبًا. فلما جمعُوا له وأكثروا من الحطب حتى إن كان الطير ليَمُرُّ بها فيحترِقُ مِن شدة وهجِها وحرِّها، فعَمَدوا إليه، فرفَعوه إلى رأس البنيان، فرفَع إبراهيم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربَّنا، إبراهيم يُحرَقُ فيك! قال: أنا أعلمُ به، فإن دعاكم فأغِيثُوه. وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء: اللَّهُمَّ، أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس أحدٌ يعبُدُك غيري، حسبيَ الله ونِعْمَ الوكيل. فقذَفوه في النار، فناداها، فقال: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٩]. وكان جبريل هو الذي ناداها، فقال عبد الله بنعباس: لو لم يُتْبِعْ بردَها سلامًا لمات إبراهيم من بردها، ولم يَبْقَ يومئذ في الأرض نار إلا طفِئت، ظَنَّت أنها هي تُعنى، فلما طفِئت النار نظروا إلى إبراهيم فإذا هو ورجل آخر معه، ورأس إبراهيم في حِجْرِه يمسحُ عن وجهه العرق، وذُكِر: أنّ ذلك الرجلَ ملَكُ الظِّلِّ، فأنزل الله نارًا، فانتفع بها بنو آدم، وأخرَجوا إبراهيم، فأدخَلوه على الملِك، ولم يكن قبل ذلك دخَل عليه، فكلَّمَه
علَّق ابنُ تيمية (١/٢٦٠) على قول مجاهد بقوله: «وهذا المعنى صحيح، قال النبي ﷺ: «إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه، وإن زاد زيد فيها حتى يعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». فهذا يراد به ما أصر عليه من الذنوب فلم يتب منها». وزادَ ذلك بيانًا (١/٢٦١) بذكرِ نظائره، فقال: «قال أبو علي الفارسي: إما أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها، من حيث إن المحيط أكثر من المحاط به، فيكون كقوله: ﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ [التوبة:٤٩]، وقوله: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف:٢٩]، أو يكون معنى ﴿وأحاطت به﴾ أي: أهلكته، كقوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف:٦٦]. قلت: كلا المعنيين قد ذكرهما السلف، فالأول قول مجاهد، والثاني قول ابن السائب، وهما متلازمان. ولفظ»أحاط به«يدل على أنه مقهور مغلوب مع المحيط به، لكن هلاكه يعرف من خصوص المادة، فلما كان الذي يحيط به الذنوب فتغلب عليه أن يموت هالكًا، قيل المعنى: أوبقته ذنوبه». وقال أيضًا (١/٢٦٢): «فعلى تفسير مجاهد وابن السائب وغيرهما: السيئة يدخل فيها الشرك وغيره، لكن إحاطة الخطيئة أن تغلب السيئات الحسنات ويموت عليها، وعلى هذا القول فالخلود مجمل: خلود أهل الشرك نوع، وخلود أهل القبلة نوع، كما قد فسرت النصوص النبوية هذا وهذا»
اختلف في تفسير ﴿ما﴾؛ فقال قوم: استفهام، والمعنى: أيُّ شيء صبّرهم على النار؟!. وقال آخرون: هو تعجب، بمعنى: فما أشدّ جراءتهم على النار لعملهم أعمال أهل النار. ورَجَّح ابن جرير (٣/٧١) مُسْتَنِدًا إلى اللغة القولَ الثانيَ الذي قاله قتادة، والحسن، والربيع، وابن جبير، ومجاهد، فقال: «وذلك أنه مسموع من العرب: ما أصبر فلانًا على الله، بمعنى: ما أجْرَأ فلانًا على الله، وإنما يُعجِّب اللهُ -جل ثناؤه- خلقَه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنزل الله -تبارك وتعالى- من أمر محمد ﷺ ونبوته، باشترائهم بكتمان ذلك ثمنًا قليلًا من السُّحْت والرُّشا التي أُعْطُوها، على وجه التَّعَجُّب من تَقَدُّمِهِم على ذلك، مع علمهم بأنّ ذلك موجبٌ لهم سخطَ الله وأليمَ عقابه. وإنما معنى ذلك: فما أجرأهم على عذاب النار. ولكن اجْتُزِئ بذكر النار من ذكر عذابها، كما يُقال: ما أشبه سخاءك بحاتم، بمعنى: ما أشبه سخاءك بسخاء حاتم، وما أشبه شجاعتك بعنترة». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (١/٤١٨). ووجَّهه ابنُ جرير (٣/٧٠) فقال: «فمَن قال: هو تعجُّبٌ. وجّه تأويل الكلام إلى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أشد جرأتهم بفعلهم ما فعلوا من ذلك على ما يوجب لهم النار، كما قال -تعالى ذكره-: ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ [عبس:١٧] تعجبًا من كفره بالذي خلقه وسوّى خلقه». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٤١٨)
وجَّه ابنُ جرير (١٠/ ٤٣٠) قراءة ﴿دَكًّا﴾ بأنها «بمعنى: دكَّ الله الجبل دكًّا أي: فتَّته، واعتبارا بقول الله: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا﴾ [الفجر: ٢١]، وقوله: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤]، ثم ذكر (١٠/ ٤٣١) الخلاف في توجيه قراءة ‹دَكَّآءَ› فقال:».. قال بعض نحويي البصرة: العرب تقول: ناقة دكّاء: ليس لها سنام، وقال: الجبل مُذكَّر، فلا يشبه أن يكون منه إلا أن يكون: جعله مِثْل دكّاء، حذف مثل، وأجراه مجرى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢]. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: معنى ذلك: جعل الجبل أرضًا دكاء، ثم حذفت الأرض وأقيمت الدكاء مقامها إذْ أدَّت عنها"". ثم رَجَّح (١٠/ ٤٣٢) مستندًا إلى السنة فقال: «وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأ: ‹جَعَلَهُ دَكَّآءَ› بالمد، وترك الجر لدلالة الخبر الذي رَويناه عن رسول الله ﷺ على صحته [وهو حديث أنس المتقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾]. وذلك أنه رُوي عنه ﷺ أنه قال: «فساخ الجبل»، ولم يقل: فتفتت، ولا تحوَّل ترابًا. ولا شك أنه إذا ساخ فذهب ظهر وجه الأرض، فصار بمنزلة الناقة التي قد ذهب سنامها، وصارت دكّاء بلا سنام. وأما إذا دُكَّ بعضُه فإنما يكسِرُ بعضه بعضًا ويتفتت ولا يسوخ. وأما الدكّاء فإنها خَلَفٌ من الأرض، فلذلك أُنِّثت على ما قد بيَّنتُ»
اختُلِف في معنى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في هذه الآية على ستة أقوال: الأول: ما أبقى الله لكم مِن الحلال بعد إيفاء الكَيل والوزن خيرٌ مِن البَخْس. الثاني: طاعة الله خير لكم. الثالث: حظُّكم من ربكم خير لكم. الرابع: رزق الله خير لكم. الخامس: رحمة الله خير لكم. السادس: ثواب الله في الآخرة خير لكم. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٥٤١) مستندًا إلى دلالة السياق، واللغة القول الأول، وهو قول ابن عباس، وعلَّل (١٢/٥٤٤) ذلك بقوله: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إنّما تقدم إليهم بالنَّهْيِ عن بخس الناس أشياءَهم في المكيال والميزان، وإلى ترك التطفيف في الكيل والبخس في الميزان دعاهم شعيب، فتَعْقِيب ذلك بالخبر عمّا لهم مِن الحظِّ في الوفاء في الدنيا والآخرة أوْلى، مع أنّ قوله: ﴿بَقِيَّتُ﴾ إنما هي مصدرٌ مِن قول القائل: بَقَّيْتُ بَقِيَّةً مِن كذا، فلا وجْه لتوجيه معنى ذلك إلا إلى: بقيَّةُ الله التي أبقاها لكم مِمّا لكم بعد وفائكم الناس حقوقهم خيرٌ لكم مِن بقيتكم مِن الحرام الذي يبقى لكم مِن ظلمكم الناسَ ببخسكم إيّاهم في الكيل والوزن». وعلَّق ابنُ عطية (٤/٦٣٠) على القول الأول بقوله: «وهذا تفسير يليق بلفظ الآية». وانتقد مستندًا إلى مخالفة دلالة اللفظ القول الثاني، والرابع قائلًا: «وهذا كله لا يعطيه لفظ الآية، وإنما المعنى عندي: إبقاء الله عليكم إن أطعتم»