عن عبد الله بن عباس، رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ، قال: «إنّ الله يدعو نوحًا وقومه يوم القيامة أول الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحًا؟ فيقولون: ما دعانا، وما بلّغنا، ولا نَصَحنا، ولا أمرنا، ولا نَهانا. فيقول نوح: دَعَوتُهم -يا ربّ- دعاء فاشيًا في الأوّلين والآخرين أُمّة بعد أُمّة، حتى انتهى إلى خاتم النّبيّين أحمد، فانتَسخَه، وقرأه، وآمَن به، وصدّقه. فيقول للملائكة: ادعوا أحمدَ وأُمّته. فيأتي رسولُ الله ﷺ وأُمّتُه يَسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح لمحمد وأُمّته: هل تَعلمون أني بلّغتُ قومي الرسالة، واجتهدتُ لهم بالنّصيحة، وجَهدتُ أن أستَنقِذهم مِن النار سِرًّا وجِهارًا، فلم يَزدهم دعائي إلا فِرارًا؟ فيقول رسول الله ﷺ وأُمّته: فإنّا نَشهد بما نَشَدْتَنا أنّك في جميع ما قلتَ مِن الصادقين. فيقول قوم نوح: وأنّى علِمْتَ هذا أنت وأُمّتك، ونحن أول الأمم، وأنتم آخر الأمم؟! فيقول رسول الله ﷺ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾» حتى خَتَم السورة. فإذا خَتمَها قالت أُمّته: نَشهد: ﴿إنَّ هَذا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦٢]. فيقول الله عند ذلك: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في تعيين الأشهر الحرم في هذه الآية على قولين: الأول: هي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. والثاني: أنها الأربعة التي قال الله فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، وهي: عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع أول، وعشر من ربيع الآخر. ورجَّح ابنُ كثير (٧/١٤٨) مستندًا إلى السياق، وإلى لغة العرب القولَ الثاني، فقال: «والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابنُ عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنّ المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، ثم قال: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾، أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرَّمنا عليكم فيها قتالهم، وأجَّلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مُقَدَّر؛ ثم إنّ الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آيةٍ أخرى بعدُ في هذه السورة الكريمة». وانتقد ابنُ تيمية (٨/٥١٤ منهاج السنة النبوية) القولَ الأول قائلًا: «وهذه الحرم المذكورة في قوله: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية ليس المراد الحرم المذكورة في قوله: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦]، ومن قال ذلك فقد غلط غلطًا معروفًا عند أهل العلم»
عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسْباط- قال: لما تاب الله على قوم موسى، وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم؛ أمرهم الله بالمسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس، فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منها بعث موسى اثني عشر نقيبًا، وكان من أمرهم وأمر الجَبّارِين وأمر قوم موسى ما قد قَصَّ الله في كتابه، فقال قوم موسى لموسى: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة:٢٤]. فغضب موسى، فدعا عليهم، قال: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ [المائدة:٢٥]. فكانت عجلة من موسى عَجِلَها، فقال الله تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾ [المائدة:٢٦]. فلما ضرب عليهم التِّيه ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا، يا موسى؟ فلما نَدِم أوحى الله إليه: أن لا تَأْسَ على القوم الفاسقين. أي: لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين، فلم يحزن، فقالوا: يا موسى، كيف لنا بماء ههنا؟! أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على الشجر الزنجبيل، والسلوى، وهو طير يشبه السُّمانى، فكان يأتي أحدهم، فينظر إلى الطير إن كان سمينًا ذبحه، وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمر موسى، فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سِبْط من عين، فقالوا: هذا الطعام والشراب، فأين الظِلُّ؟ فظَلَّل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرَّق لهم ثوب، فذلك قوله: ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾، وقوله: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم﴾ [البقرة:٦٠]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا﴾ يعني: هَلّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِمّا سألوا، يعني: في بني إسرائيل، ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نُصَدِّقك حتى تُخرج لنا نهرًا، فقد أعْيَينا مِن مَيْحِ الدِّلاء مِن زمزم ومِن رءوس الجبال، وإن أبيتَ هذا فلْتَكُن لك خاصَّة ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ﴾ إلى قوله: ﴿كِسَفًا﴾ حين قال: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبأ:٩] يعني: قِطَعًا، ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا، فننظر إليه، ﴿والمَلائِكَةِ قَبِيلًا أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ يعني: من الذهب ﴿أوْ تَرْقى فِي السَّماءِ﴾ يعني: أو تضع سُلَّمًا فتصعد إلى السماء، ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٣]، يقول: ولسنا نُصَدِّقُك حتى تأتي بأربعةِ أمْلاكٍ يشهدون أنّ هذا الكتاب مِن رَبِّ العِزَّة. وهذا قولُ عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فأنزل الله في قوله: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا فننظر إليه: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ إذ قالوا ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:١٠٨]. وأنزل الله فيها: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] لقوله: ﴿كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾. وأنزل الله: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء:٥٩]؛ لِأَنِّي إذا أرسلتُ إلى قومِ آيةٍ ثُمَّ كذَّبوا لم أُناظِرْهم بالعذاب، وإن شئتَ -يا محمد- أعطيتُ قومَك ما سألوا، ثم لم أُناظِرهم بالعذاب. قال: «يا ربِّ، لا». رِقَّةً لقومه: ﴿لَعَلَهُم يَتَّقُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ وهو قوله: ﴿إنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ [هود:٣٣]، ﴿فانْتَظِرُواْ﴾ بي الموت، ﴿إنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ بكم العذابَ؛ القتل ببَدْر
اختلف في العلم المعني في قوله: ﴿على علم عندي﴾ على قولين: فقال قوم: علم من الله بحال قارون. الثاني: علم قارون بالكيمياء. ووجَّه ابنُ جرير (١٨/٣٢٦) قوله: ﴿عندي﴾ على القول الأول أنها بمعنى: أرى. كأنه قال: إنما أُعطِيت لفضل علمي فيما أرى. وبنحوه ابنُ عطية (٦/٦١٤). ورجَّح ابنُ كثير (١٠/٤٨٣-٤٨٤) القول الأول مستندًا إلى ظاهر سياق الآية، فقال: «والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى رادًّا عليه فيما ادَّعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال: ﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا وما كان ذلك عن محبة مِنّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ أي: لكثرة ذنوبهم». وانتقد ابنُ تيمية (٥/٨٩) القول الثاني الذي قاله ابن المسيب مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا باطِلٌ؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمَّن لا يُسمى، وفي تفسير الثعلبي الغث والسمين؛ فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾، فأخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة». وكذا انتقد ابنُ كثير القول الثاني مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة، والعقل، فقال: «وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج:٧٣]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة». وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بِمَن يدَّعي أنه يُحِيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذِب وزغل وتمويه، وترويجٌ أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعيٍّ أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفّاكون، فأما ما يُجْريه اللهُ تعالى مِن خرق العوائد على يدي بعض الأولياء مِن قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك فهذا أمرٌ لا يُنكره مسلم، ولا يرُدُّه مؤمن، ولكن هذا ليس مِن قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله». وذكر ابنُ كثير قولًا ثالثًا: أنّ العلم الذي كان عند قارون هو علمه باسم الله الأعظم. وذكر ابنُ عطية (٦/٦١٤) قولين آخرين: أحدهما: أن العلم الذي كان عنده هو علم التجارات وتمييز الأموال. والآخر: علم التوراة وحفظها. ثم ذكر أنّ قوله تعالى: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يرجح أن قارون تشبع بعلم نفسه على زعمه
اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: تأويله: ولَهُنَّ من حسن العشرة والصحبة مثل الذي عليهنَّ من الطاعة لهم. وقال آخرون: وله من التَّصَنُّع والمُؤاتاة مثل الذي عليهنَّ من ذلك. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/١٢٠) أنّه تحريمٌ على كل واحدٍ من الزوجين مُضارَّة صاحبه مستندًا إلى موافقته لظاهر الآية، وسياقها، فقال: «والذي هو أوْلى بتأويل الآية عندي: وللمطلقات واحدةً أو ثنتين بعد الإفضاء إليهنَّ على بعولتهنَّ أن لا يراجعوهنَّ في أقرائِهِنَّ الثلاثة إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ، إلا أن يُرِيدوا إصلاحَ أمْرِهِنَّ وأمرهم، وألا يراجعوهنَّ ضِرارًا، كما عليهنَّ لهم إذا أرادوا رجعتهنَّ فيهنَّ أن لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ من الولد ودمِ الحيض ضرارًا منهنَّ لهم؛ ليفتنهم بأنفسهنَّ، ذلك أن الله -تعالى ذِكْرُه- نهى المطلقات عن كتمان أزواجهنَّ في أقرائهنَّ ما خلق الله في أرحامهنَّ إن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر، وجعل أزواجهنَّ أحقَّ بردهنَّ في ذلك إن أرادوا إصلاحًا، فحرَّم الله على كل واحد منهما مُضارَّة صاحبه، وعَرَّف كلَّ واحد منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عَقَّب ذلك بقوله: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾، فبَيَّن أنّ الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مُضارَّتِه مثل الذي له على صاحبه من ذلك. فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره». ثُمَّ بَيَّن احتمال اندراج القولين الواردين فيما ذَكَرَ، فقال: «وقد يحتمل أن يكون كلُّ ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلًا في ذلك، وإن كانت الآية نزلت فيما وصَفْنا؛ لأن الله -تعالى ذكره- قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقًّا، فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حَقِّه إليه مثل الذي عليه له، فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك، وابن عباس، وغير ذلك»
اختلف أهل التفسير في الذي دلَّت عليه هذه الآيةُ مِن مبلغ غايةِ رضاع المولودِين؛ فقال بعضهم: هو حدٌّ لبعضٍ دون بعض. وقال آخرون: بل ذلك حدُّ رضاع مَنِ اختلف والداه في رضاعه، فأراد أحدُهما البلوغَ إليه والآخرُ التقصيرَ عنه. وقال غيرهم: بل ذلك دلالة على ألّا رضاع بعد الحولين. وذهب قومٌ إلى أنّ الحولين كانا بهذه الآية فرضًا خُفِّف بقوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، فجُعِل الخيارُ في ذلك للآباء. وجَمَع ابنُ جرير (٤/٢٠٦-٢٠٨) بين مختلف الأقوال دون الأخير المرويِّ عن قتادة، والربيع، مستندًا للدلالة العقلية في ظاهر القرآن، فقال: «فأمّا قولُنا: إنّه دلالةٌ على الغاية التي ينتهى إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه فلِأَنَّ الله -تعالى ذِكْرُه- لَمّا حَدَّ في ذلك حَدًّا كان غيرَ جائز أن يكون ما وراء حَدِّه موافقًا في الحكم ما دونه؛ لأنّ ذلك لو كان كذلك لم يكن للحدِّ معنًى معقول، وإذا كان ذلك كذلك فلا شكَّ أنّ الذي هو دون الحولين مِن الأجل لما كان وقتَ رضاع كان ما وراءه غير وقت له، وأنّه وقتٌ لترك الرضاع، وأنّ تمام الرضاع لما كان تمام الحولين، وكان التّامَّ من الأشياء لا معنى للزيادة فيه، كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين، وأنّ ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرمًا كان ما وراءه غير محرم. وإنّما قُلنا هو دلالةٌ على أنّه معنيٌّ به كلُّ مولود لأيٍّ وقت كان ولاده؛ لستة أشهر، أو سبعة، أو تسعة؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- عَمَّ بقوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، ولم يُخَصِّص به بعضَ المولودين دونَ بعض»
اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ على قولين: الأول: أنّ هذا في شأن المسافر لا يجد الماء فيتيمم ويصلي. والثاني: أنّ الآية عُني بها النهيُ عن قربان المسجد، إلا أن يَمُرَّ به مجتازًا إيّاه، ولا يمكث فيه. وقد رجّح ابنُ جرير (٧/٥٨) القولَ الثاني، وانتَقَد الأولُ مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وأَوْلى القولين بالتأويل لذلك تأويلُ مَن تأوَّله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾: إلا مُجتازِي طريقٍ فيه. وذلك أنّه قد بَيَّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جُنُب في قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، فكان معلومًا بذلك أنّ قوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ لو كان معنِيًّا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ معنًى مفهوم، وقد مضى ذِكْرُ حُكْمِه قبل ذلك. وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا، لا تقربوا المساجد للصلاة مُصَلِّين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضًا جُنُبًا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل». وذَكَر ابنُ كثير (٤/٧١) أنّ الذي رجحه ابن جرير هو قول الجمهور، ثُمَّ رجحه بقوله: «وهو الظاهر من الآية، وكأنّه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئةٍ ناقصة تُناقِضُ مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المُباعِدة للصلاة ولمحلها أيضًا». وبنحوهما قال ابن عطية (٢/٥٦٣)، حيث قال: «وهو المقصود في الآية»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأنهم مفرطون﴾ على أقوال: الأول: أنهم متروكون في النار. الثاني: أنهم معجلون إلى النار مقدمون إليها. الثالث: أنهم مبعدون في النار. وعلّق ابنُ جرير (١٤/٢٦٥) على القول الثاني، فقال: ""وقال آخرون: معنى ذلك: معجلون إلى النار، مقدمون إليها. وذهبوا في ذلك إلى قول العرب: أفرطنا فلانًا في طلب الماء. إذا قدموه لإصلاح الدلاء والأرشية، وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه، فهو مفرط، فأما المتقدم نفسه فهو فارط، يقال: قد فرط فلان أصحابه يفرطهم فرطًا وفروطًا: إذا تقدمهم، وجمع فارط فراط، ومنه قول القطامي:واستعجلونا وكانوا من صحابتنا... كما تعجل فراط لورادومنه قول النبي ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض». أي: متقدمكم إليه، وسابقكم حتى تردوه"". وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٢٦٦) القول الأول، وانتقد القول الثاني مستندًا إلى دلالة العقل، واللغة، وعلل ذلك بقوله: «وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم إنما يقال فيمن قدم مقدمًا لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحًا، وإنما تقدم من قدم إليها لعذاب يعجل له، فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة؛ صح المعنى الآخر، وهو الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك، وذلك أن يحكى عن العرب: ما أفرطت ورائي أحدًا، أي: ما خلفته، وما فرطته، أي: لم أخلفه». وذكر ابنُ كثير (٨/٣٢٢) الأول والثاني، وعلّق عليهما بقوله: «ولا منافاة؛ لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون»
لم يذكر ابنُ جرير (١٥/٣٥٥) غير قول قتادة، ووجّهه بقوله: «وإنما قيل لما بين يديك: هو ورائي. لأنك من ورائه، فأنت ملاقيه كما هو ملاقيك، فصار -إذ كان ملاقيك- كأنه من ورائك وأنت أمامه». وذكر ابنُ جرير عن بعض أهل اللغة أن لفظ «وراء» من الأضداد، وانتقده بقوله: «وقد أغفل وجه الصواب في ذلك». وقال ابنُ عطية (٥/٦٤٧): «وقوله: ﴿وراءَهُمْ﴾ هو عندي على بابه؛ وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعًى بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الأمام، وبين اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك. ومن قرأ: (أمامَهُمْ) أراد في المكان، أي: أنهم كانوا يسيرون إلى بلده». ثم انتقد (٥/٦٤٨) قول قتادة، فقال: «وهذا القول غير مستقيم. وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها. قاله الزجاج». وانتقد ابنُ القيم (٢/١٦٤) كذلك تفسير قتادة، فقال: «وهذا المذهب ضعيفٌ، ووراء لا يكون أمامًا وراء، إلا بالنسبة إلى شيئين، فيكون أمام الشيء وراء لغيره، ووراء الشيء أمامًا لغيره، فهذا الذي يعقل فيها». ثم وجّه (٢/١٦٥) قراءة من قرأ: (وكانَ أمامَهُم مَّلِكٌ)، فقال: «وأما قوله: ﴿وكان وراءهم ملك﴾ فإن صحت قراءة (وكانَ أمامَهُم مَّلِكٌ) فلها معنًى لا يناقض القراءة العامة، وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه، فهو وراءهم في ذهابهم، وأمامهم في مرجعهم، فالقراءتان بالاعتبارين»