انتَقَد ابنُ القيم (١/٣٣٤) قول الحسن مستندًا إلى السياق، فقال: «وأما قول من قال: المراد بقوله: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلتكم. فلا يخفى بطلانه وفساده، فإنه ليس في أول الآية خطاب لقبيلة دون قبيلة، بل هو خطاب عام لجميع المؤمنين، فلا يكون غير المؤمنين إلا من الكفار، هذا مما لا شك فيه، والذي قال من غير قبيلتكم زلة عالم، غفل عن تدبر الآية»
نسب ابنُ عطية (٤/٢٣٣) هذا القول لأنس وابن عمر، وعلَّق عليه بقوله: «فهي على هذا مكية [يعني: الآية]». وانتقد ابنُ كثير (٧/١١٨) هذا القول الذي قاله عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب مستندًا لمخالفته لأحوال النزول، فقال: «وفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة»
اختُلِف في المراد بقوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ على قولين: الأول: إلا أن تهلكوا جميعًا. الثاني: أن تغلبوا حتى لا تطيقوا. وذكر ابنُ عطية (٥/١١٧) أنّ قوله: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والقسْر، والمعنى: تعمكم الغلبة من جميع الجهات حتى لا تكون لكم حيلة ولا وجْهُ تَخَلُّص. ثم ساق القول الثاني الذي قاله قتادة، ورجَّحه مستندًا إلى لفظ الآية، فقال: «وهذا يُرَجِّحه لفظُ الآية»
علّق ابنُ عطية (٦/١٠٩) على هذه الأقوال بقوله: «والظاهر من الآيات والقصص في كتب المفسرين أنّ الحبال والعصي كانت تتحرك وتنتقل بِحِيَل السِّحر، وبِدَسِّ الأجسام الثقيلة الميّاعة فيها، وكان تحرُّكها يُشْبِه تَحَرُّك الذي له إرادةٌ كالحيوان، وهو السعي، فإنّه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان. وذهب قوم إلى أنها لم تتحرك، ولكنهم سحروا أعين الناس، وكان الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل. واللهُ أعلم أيَّ ذلك كان»
قال ابنُ عطية (٧/٥٤٠-٥٤١ بتصرف): «قرأ جمهور الناس: ﴿على أمّة﴾ بضم الهمزة، وهي بمعنى: الملة والديانة، والآية على هذا تعيّب عليهم التقليد. وقرأ مجاهد: (عَلى إمَّةٍ) بكسر الهمزة، وهي بمعنى: النعمة، فالآية على هذا استمرار في احتجاجهم؛ لأنهم يقولون: وجدنا آباءنا في نعمة من الله وهم يعبدون الأصنام، فذلك دليل رضاه عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك على آثارهم»
ذكر ابنُ عطية (٧/٦٤٥) في نزول هذه الآية عدة أقوال، فقال: «ويقال: إنّ هذه الآية نزلت إثر خروج رسول الله ﷺ من مكة في طريق المدينة. وقيل: نزلت بالمدينة. وقيل: نزلت بمكة عام دخلها رسول الله ﷺ بعد الحديبية. وقيل نزلت: عام الفتح وهو مقبل إليها». ثم علّق عليها جميعًا بقوله: «وهذا كله حكمه حكم المدني»
اختُلِف في المراد بقوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا... ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا بمحمد ﷺ. والثاني: أنّها في المنافقين؛ فإنّ منهم مَن كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يَتَرَدَّد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفرًا بأن تَمَّ على نفاقه حتى مات. والثالث: أنّها في أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، أتوا ذنوبًا في كفرهم فتابوا، فلم تقبل منهم التوبة فيها مع إقامتهم على كفرهم. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٥٩٨-٥٩٩) القول الأول الذي قاله قتادة، ومقاتل، وأبي العالية، مستندًا إلى السياق، فقال: «لأنّ الآية قبلها في قصص أهل الكتابين، أعني: قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله﴾، ولا دلالة تدل على أنّ قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ منقطعٌ معناه مِن معنى ما قبله، فإلحاقُه بما قبله أولى، حتى تأتي دلالةٌ دالَّةٌ على انقطاعه منه». وانتقد ابنُ عطية (٣/٤٥-٤٦) ما رَجَّحه ابنُ جرير مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، والسياق، والدلالات العقلية، ورَجَّح القول الثاني الذي قاله مجاهد وابن زيد، فقال: «وقول قتادة... قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أنّ الآية إنما هي في طائفةٍ يَتَّصِفُ كلُّ واحد منها بهذه الصفة مِن التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفرًا بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية، وإنما توجد هذه الصفة في شخص مِن المنافقين؛ لأنّ الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على الكفر، وتأمل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، فإنّها عبارة تقتضي أنّ هؤلاء محتومٌ عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا، وليست هذه العبارة مثل أن يقول: لا يغفر الله لهم. بل هي أشدُّ، وهي مشيرةٌ إلى استدراج مَن هذه حاله وإهلاكِه، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه وأن يكون من هؤلاء، وكلُّ مَن كفر كفرًا واحدًا ووافى عليه فقد قال الله تعالى: إنه لا يغفر له. ولم يقل: لم يكن الله ليغفر له. فتأمَّل الفرق بين العبارتين؛ فإنّه مِن دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾ حُكْمٌ قد تقرَّر عليهم في الدنيا وهم أحياء». ثم ذكر أنّ الآيات بعدها في المنافقين؛ فيترجَّح أن هذه فيهم كذلك. وعلَّق (٣/٤٥) على قول الحسن بن أبي الحسن: أنّ الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران:٧٢] بأنّه: «جيِّدٌ مُحْتَمل»
رجَّح ابنُ جرير (١/٦٧٨ بتصرّف) مستندًا إلى السياق أن ﴿الفرقان﴾ في هذا الموضع: هو الكتاب الذي فرق بين الحق والباطل، وأنه نعتٌ للتوراة. كما أفاده قول ابن عباس من طريق ابن جريج، وقول أبي العالية ومجاهد، لا كما قال ابن زيد، فقال: «وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية: أنّ الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. فيكون تأويل الآية حينئذ: وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل. فيكون ﴿الكتاب﴾ نعتًا للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر التوراة، ثم عطف عليه بـ﴿الفرقان﴾، إذ كان من نعتها. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية لأن الذي قبله من ذكر ﴿الكتاب﴾، وأن معنى الفرقان: الفصل؛ فإلحاقه إذ كان كذلك -بصفة ما ولِيه- أولى من إلحاقه بصفة ما بَعُدَ منه». ونقل ابنُ عطية (١/٢١٣-٢١٤) قولين آخرين: الأول: «الكِتابَ: التوراة. والفُرْقانَ: سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام؛ لأنها فرقت بين الحق والباطل». والثاني نقله عن الفراء وقطرب: أنّ «معنى هذه الآية: آتينا موسى الكتاب، ومحمدًا الفرقان». ثم انتقدهما قائلًا: «وهذا ضعيف»
اختُلِف في قوله: ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ على أقوال: الأول: نُودِي بالنَّهْيِ عن مُواقَعَةِ الخطيئة. الثاني: أنّه صورة يعقوب عليهما السلام يَتَوَعَّده. الثالث: أنّه رأى ما أوعد الله عز وجل على الزِّنا أهلَه. الرابع: رأى تمثال الملِك. وقد رجّح ابنُ جرير (١٣/٩٩) جوازَ هذه الأقوال وعدم القطع بأحدها لعدم دليل التعيين الذي يشهد لها، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -جل ثناؤُه- أخبر عن هَمِّ يوسفَ وامرأةِ العزيز كلّ واحد منهما بصاحبه، لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آيةٌ مِن آيات الله زَجَرَتْه عن ركوب ما هَمَّ به يوسف مِن الفاحشة، وجائز أن تكون تلك الآية صورةَ يعقوب، وجائزٌ أن تكون صورةَ الملك، وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا، ولا حجة للعُذْر قاطعةً بأيِّ ذلك مِن أيٍّ. والصوابُ أن يقال في ذلك ما قاله الله -تبارك وتعالى-، والإيمان به، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه». وذكر ابنُ عطية (٥/٦٩) الخلاف، ثم قال مُعَلِّقًا: «والبرهان في كلام العرب: الشيءُ الذي يُعْطِي القطعَ واليقين، كان مِمّا يعلم ضرورة أم بخبر قطعيٍّ أو بقياس نظري. فهذه التي رُوِيَت فيما رآه يوسف براهين»
عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: بينما موسى عليه السلام يُذَكِّر بني إسرائيل إذ حدَّث نفسَه أنّه ليس أحدٌ مِن الناس أعلم منه، فأوحى الله إليه: أنِّي قد علمتُ ما حدثتَ به نفسَك، فإنّ مِن عبادي رجلًا أعلم منك، يكون على ساحل البحر، فأْتِه فتَعَلَّم منه، واعلم أنه الدال لك على مكانه زادُك الذي تزودته، فأينما فقدته فهناك مكانه. ثم خرج موسى وفتاه قد حملا جميعًا حوتًا مالحًا في مكتل، وخرجا يمشيان، لا يجدان لُغُوبًا ولا عَنَتًا، حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضِر، فمضى موسى، وجلس فتاه يشرب منها، فوثب الحوت مِن المكتل حتى وقع في الطين، ثم جرى حتى وقع في البحر، فذلك قوله تعالى: ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾. فانطلق حتى لحق موسى، فلما لحقه أدركه العياء، فجلس، وقال لفتاه: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال: ففقد الحوت، فقال: ﴿فإني نسيت الحوت﴾ الآية. يعني: فتى موسى، اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا، ﴿قال ذلك ما كنا نبغ﴾ إلى: ﴿قصصا﴾. فانتهيا إلى الصخرة، فأطاف بها موسى، فلم ير شيئًا، ثم صعد، فإذا على ظهرها رجل مُتَلَفِّف بكسائه نائم، فسلَّم عليه موسى، فرفع رأسه، فقال: أنّى السلام بهذا المكان؟! مَن أنت؟ قال: موسى بني إسرائيل. قال: فما كان لك في قومك شُغُل عني؟ قال: إنِّي أُمِرْتُ بك. فقال الخضر: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا﴾ الآية. قال: ﴿فإن اتبعتني﴾ الآية. فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر، فإذا قومٌ قد ركِبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر؛ رَكِبوا معهم، فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضِر حديدةً كانت معه، فخرق بها السفينة، قال: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ الآية. قال: ﴿ألم أقل﴾ الآية. قال: ﴿لا تؤاخذني﴾ الآية. فانطلقا، حتى إذا أتيا أهل قرية، فوجدا صبيانًا يلعبون يريدون القرية، فأخذ الخضر غلامًا منهم، وهو أحسنهم وأنظفهم، فقتله، قال له موسى: ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ الآية. قال: ﴿ألم أقل لك﴾ الآية. قال: ﴿إن سألتك﴾ الآية. فانطلقا، حتى انتهيا إلى قرية لِئام وبهما جهد، فاستطعموهم، فلم يطعموهم، فرأى الجدار مائلًا، فمسحه الخضِر بيده، فاستوى، فقال: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾. قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا، لو سألتهم عليه أجرًا أعطوك فنتعشى به. قال: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾. قال: فأخذ موسى بثوبه، فقال: أنشدك الصحبة لَما أخبرتني عن تأويل ما رأيت. قال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ الآية، خرقتها لأعيبها؛ فلم تُؤخَذ، فأصلحها أهلها، فانتفعوا بها، وأما الغلام فإنّ الله جبله كافرًا، وكان أبواه مؤمنين، فلو عاش لأرهقهما ﴿طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة﴾ الآية