ذكر ابنُ عطية (٤/٤١٦) أنّ ابن عيينة قال: معنى الآية: اشترى منهم أنفسَهم ألا يُعْمِلوها إلا في طاعة الله، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل الله. وعلَّق عليه بقوله: «فالآية على هذا أعمُّ مِن القتل في سبيل الله». ثم قال: «وقوله: ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مقطوع ومستأنف، وذلك على تأويل سفيان بن عيينة، وأمّا على تأويل الجمهور مِن أن الشراء والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال»
قال ابنُ كثير (٧/٣٩٢ بتصرف): «كأنّ هذا -والله أعلم- لَمّا اشتد بهم البلاء مِن قِبَلِ فرعون وقومه، وضيَّقوا عليهم، أُمِرُوا بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة:١٥٣]، وفي الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا حَزَبَه أمْرٌ صَلّى». ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين﴾ أي: بالثواب، والنصر القريب»
بيَّن ابنُ عطية (٤/٥٤٦) أن ﴿الإنسان﴾ في الآية يُرادُ به اسم الجنس، والمعنى: «إنّ هذا الخُلُق في سجية الناس. ثم استثنى منهم الذين ردَّتْهم الشرائع والإيمان إلى الصبر والعمل الصالح». ثم نقل قولًا آخر عن بعض الناس أنّ ﴿الإنسان﴾ في هذه الآية يُراد به: الكافر، وعلَّق عليه بقوله: «وحَمَلَه على ذلك لفظة ﴿كفور﴾». ثم انتقده مستندًا إلى مخالفته اللغة بقوله: «وهذا عندي مردود؛ لأنّ صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس كما تقتضي لفظة الإنسان»
أفادت الآثارُ أنّ في سبب هذه الآية قولين: الأول: أنّ سببها ما كان النبيُّ يعانيه مِن التعب في العبادة والسهر للقيام. الثاني: أنّها جوابٌ للمشركين، إذ قالوا: إنّ محمدًا مع ربه في شقاء. وعلّق ابنُ عطية (٦/٧٩) القول الثاني بقوله: «فهذا التأويل أعمُّ مِن الأول في لفظة الشقاء». ولم يذكر ابن جرير (١٦/٨-٩) في نزول الآية سوى القول الأول
علَّق ابنُ عطية (٦/٦٢٠) على هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق سفيان العصفري عن عكرمة، والعوفي، ومجاهد، والضحاك، وسعيد بن جبير، ويحيى الجزار، وعطية العوفي، والسدي، ومقاتل، وابن سلام، بقوله: «فالآية -على هذا- مُعْلِمة بغيب قد ظهر للأمة، ومؤْنسة بفتح». وعلَّق ابنُ كثير (١٠/٤٩٠) على هذا القول بقوله: «وهذا مِن كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة مكيًّا»
نقل ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/١٨٨-١٨٩) هذا القول عن مجاهد، ثم انتقده مستندًا إلى ضعف إسناده، وظاهر الآية بأنّ هذا النقل غير ثابت عنه، والثابت عنه خلافه، وبأن «هذا مُعارَض بما هو أشهر منه عند أهل التفسير، وهو أن الذي جاء بالصِّدق: محمد، والذي صدَّق به: أبو بكر. فإن هذا يقوله طائفة، وذكره الطبري بإسناده إلى علي». وبأن «لفظ الآية عام مطلق، لا يختص بأبي بكر ولا بعلي»
ذكر ابن عطية (٧/٥٠٣) اختلافًا في المراد بالأزواج في الآية، ورجّح مستندًا إلى ظاهر الآية أنّ المراد بالأزواج: الإناث، فقال: «وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِن أنْفُسِكُمْ أزْواجًا﴾ يريد: زوج الإنسان الأنثى، وبهذه النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع، وأما الأزواج المذكورة مع الأنعام فالظاهر أيضًا والمتسق أنه يريد: إناث الذكران، ويحتمل أن يريد: الأنواع، والأول أظهر»
ذكر ابنُ عطية (٧/٦٨٨) أن قوله تعالى: ﴿وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ «يحتمل معنيين: أحدهما: شاهدًا عندكم بهذا الخبر ومُعْلِمًا به. والثاني: شاهدًا على هؤلاء الكفار المنكرين أمر محمد ﷺ الرّادِّين في صدره، ومعاقبًا لهم بحكم الشهادة». ثم وجَّه الثاني بقوله: «فالآية -على هذا- وعيدٌ للكفار الذين شاحّوا في أن يكتب: محمد رسول الله ﷺ، فردَّ الله -تبارك وتعالى- عليهم بهذه الآية كلّها»
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٩٨) أنّ التَّسبيح في الآية هو الصلاة، وأنه يحتمل أن يريد قول: «سبحان الله»، ثم قال: «وذهب قومٌ مِن أهل العلم إلى أنّ هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس. منهم ابن حبيب وغيره. فالبُكرة: صلاة الصبح، والأصيل: الظهر والعصر، ومن الليل: المغرب والعشاء. وقال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضًا ونُسِخ، فلا فرض إلا الخمس. وقال قوم: هو مُحْكَم على وجه الندب»
نقل ابنُ عطية (٨/٦٢٠) قولين آخرين في نزول الآية، فقال: «وروي أن سبب هذه الآية وما بعدها هو أبو الأشَدَّين، رجل من قريش شديد القوة، اسمه: أسيد بن كلدة الجمحي، كان يحسب أن أحدًا لا يقدر عليه. ويقال: بل نزلتْ في عمرو بن عبد ودّ. ذكره النَّقّاش». وعلَّق عليه بقوله: «وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلف الخندق»