قال ابنُ جرير (١٤/٤٦٨-٤٦٩بتصرف): «على القول الذي ذكرنا عن ابن عباس -من رواية السدي- وقول ابن زيد: كان إفساد بني إسرائيل في الأرض المرة الأولى قتلهم زكريا نبي الله، مع ما كان سلف منهم قبل ذلك وبعده، إلى أن بعث الله عليهم مَن أحلَّ على يده بهم نقمته من معاصي الله، وعتوهم على ربهم. وأما على قول ابن إسحاق الذي روينا عنه: فكان إفسادهم المرة الأولى ما وصف من قتلهم شعيا بن أمصيا نبي الله. وذكر ابن إسحاق أن بعض أهل العلم أخبره: أن زكريا مات موتًا ولم يُقتل، وأن المقتول إنما هو شعيا، وأن بختنصر هو الذي سُلِّط على بني إسرائيل في المرة الأولى بعد قتلهم شعيا، وأما إفسادهم في الأرض المرة الآخرة فلا اختلاف بين أهل العلم أنه كان قتلهم يحيى بن زكريا». وقال ابنُ تيمية (٤/٢٠٢-٢٠٣): «كانت الأولى بعد سليمان، وكانت الثانية بعد زكريا، ويحيى، والمسيح، لما قتلوا يحيى بن زكريا الذي يسميه أهل الكتاب: يوحنا المعمداني. وكثير من المذكورين بالعلم يظن أن بخت نصر هو الذي قدم الشام لما قتل يحيى بن زكريا، وهذا عند أهل العلم من أهل الكتاب، وعند من له خبرة من علماء المسلمين باطل، والمتواتر أن بخت نصر هو الذي قدم في المرة الأولى»
أفادت الآثار اختلاف السلف في معنى قوله: ﴿السجل﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنه اسم ملك. الثاني: أنه اسم كاتب كان يكتب لرسول الله ﷺ. الثالث: أنه الصحيفة التي يكتب فيها. ووجّه ابنُ عطية (٦/٢٠٦) المعنى على القول الثالث، فقال: «والمعنى ﴿كطي السجل﴾ أي: كما يطوى السجل من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول، ويحتمل أن يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، أي: كما يطوي السجل الكتاب الذي هو فيه، فكأنه قال: يوم نطوي السماء كالهيئة التي فيها طي السجل للكتاب. ففي التشبيه تَجَوُّز». وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٤٢٥) مستندًا إلى اللغة القول الثالث، وانتقد مستندًا إلى الواقع القولين الآخرين، فقال: «لأنّ ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا ﷺ كاتب كان اسمه السجل، ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه». ووافقه ابنُ كثير (٩/٤٥٥ بتصرف) بقوله: «والصحيح عن ابن عباس: أن السجل هي الصحيفة، واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ أي: على هذا الكتاب، بمعنى: المكتوب، كقوله: ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ [الصافات:١٠٣]، أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة». وانتقد ابنُ عطية (٦/٢٠٦) القول الأول والثاني بقوله: «وهذا كله وما شاكله ضعيف»
اختلف السلف في تعيين الآيات التسع التي آتاه الله إياها كما هو موضح بالآثار. وقد نقل ابنُ عطية (٥/٥٥٠-٥٥١) اتفاق المفسرين على خمس منها، واختلافهم في أربع، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ اتفق المتأولون والرواة أنّ الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الأربع». ثم ذكر الخلاف في تعيين هذه الأربع، وعلّق بقوله: «والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى -إذ هي كثيرة جدًّا تنيف على أربع وعشرين- تسعًا بالذكر، ووصفها بالبيان، ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك». وذكر ابنُ كثير (٩/٨٧) عن قتادة، ومجاهد، وابن عباس، وعكرمة، والشعبي أن الآيات التسع هي: يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ورجّحها مستندًا إلى القرآن بقوله: «وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي... فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة هاهنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم * وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ [النمل:١٠-١٢]. فذكر هاتين الآيتين: العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها»
بيَّن ابنُ كثير (١/٤٠٨-٤٠٩) أنه لا تعارض بين أقوال المفسرين في المراد من المنِّ، ورجَّح المعنى العام الذي يشمل كل تلك الأقوال، فقال: «والغرض: أنّ عبارات المفسرين متقاربة في شرح المنِّ؛ فمنهم مَن فسره بالطعام، ومنهم مَن فسره بالشراب، والظاهر: أنّه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كَدّ، فالمن المشهور إن أُكِل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مُزِج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن رُكِّب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده، والدليل قول النبي ﷺ: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»». وأما ابنُ عطية (١/٢٢٠) فذكر الأقوال الواردة في معنى المن، ثم انتقد بعضها بقوله: «وفي بعض الأقوال بُعدٌ»
اختلف أهل التأويل في معنى الآية، والمخاطب بها، على قولين: أحدهما: المسلمون، والمعنى: ليس البرَّ كله في الصلاة، ولكن البر ما في هذه الآية. والثاني: أهل الكتابَيْن، والمعنى: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة النصارى إلى المشرق، ولكن البر ما في هذه الآية. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٧٦) القولَ الثاني، وهو قول قتادة، والربيع بدلالة السياق، فقال: «الآيات قبلها مَضَتْ بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعِدَّ لهم من أليم العذاب، وهذا في سياق ما قبلها». وذَهَبَ ابنُ كثير (٢/١٥٥) أنّها نزلت في «طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، شَقَّ عليهم التحول إلى الكعبة؛ فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أنّ المراد إنما هو طاعة الله عز وجل»
رَجَّح ابنُ جرير (٥/٣٦٥) هذا القول الذي قال به قتادة، والربيع، وعكرمة، ومجاهد مستنِدًا إلى اللغة، فقال: «وأمّا الصواب من القول في تأويله فأن يقال: إنّ الله -جل ثناؤه- أخبر أنّ الملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الملائكة دون الواحد، وجبريل واحد، فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب دون الأقلِّ ما وجد إلى ذلك سبيل، ولم يَضْطرنا حاجة إلى صرف ذلك إلى أنّه بمعنى واحد، فيُحْتاج له إلى طلب المخرج بالخفيِّ من الكلام والمعاني». وعلَّق ابنُ عطية (٢/٢٠٧) على هذا القول ذاكرًا ما يستند إليه من النّظائر، فقال: «وقال قوم: بل نادت ملائكةٌ كثيرةٌ حسبما تقتضيه ألفاظ الآية. وقد وجدنا الله تعالى بعث ملائكة إلى لوط، وإلى إبراهيم عليه السلام، وفي غير ما قصة»
وجَّهَ ابنُ عطية (٣/٢٦) هذا القول بقوله: «ذهبوا في ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] أي: لدين الله». ثم قال معلِّقا: «والتبديل يقع موضعه التغيير، وإن كان التغيير أعم منه». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٤/٢٧٨-٢٧٩) بقوله: «وهذا كقوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم:٣٠] على قول مَن جعل ذلك أمرًا، أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرانه، ويُمَجِّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل يحسون فيها من جدعاء؟»»
فسَّر ابنُ عطية (٣/١٩٨-١٩٩ بتصرف) الركوع في الآية بأن المراد به الصلاة، وأنه جاء نعتًا للمذكورين بتكثير الصلاة، وذكر أنّ هذا قول الجمهور، ثم رجّحه مستندًا إلى اللغة، وقول جمهور المفسرين. وانتقد قولَ مَن قال: إنّ الآية نزلت في عليٍّ، وأنّه تصدق حال ركوعه، فقال: «وفي هذا القول نظر». وكذا انتَقَدَه ابنُ كثير (٥/٢٦٤-٢٦٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «قوله: ﴿وهم راكعون﴾ فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿ويؤتون الزكاة﴾، أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى». ثم ذكر جملة من المرويات في معنى هذا القول، وضعَّفَها جميعًا
اختلف المفسرون في معنى ﴿أوحيت﴾ على قولين: الأول: ألهمتهم. والثاني: قذفت في قلوبهم. ورأى ابنُ جرير (٩/١١٦) تقارب المعاني بينهما، فقال: «وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وإذ أوحيت﴾، وإن كانت متفقة المعاني». وذكر ابنُ كثير (٥/٤١٣) القول بكونه وحي إلهام، وجعل نظيرًا له قوله تعالى: «﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه [القصص:٧]، وقوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا﴾ [النحل:٦٨]». ثم ذكر (٥/٤١٤) احتمالًا آخر في معنى الوحي غير الإلهام، والقذْف في القلب، فقال: «ويحتمل أن يكون المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾»
رجَّح ابنُ كثير (٦/٢٢٦) مستندًا إلى النظائر قول السدي، ووصفه بأنّه أقوى وأظهر، وقال: «لأنّه قال: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ كما تقدم في أول السورة: ﴿وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأَوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام:٢٦]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل:٨٨]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾». ووجَّه قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، بأن مرادهم: «أي: لا آمن بها ولا عمل بها، كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى * ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة:٣١-٣٢]، ونحو ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه»