ساق ابنُ عطية (٤/٤٣٤) هذا القول، ثم علَّق بقوله: «فيجيءُ قولُه تعالى: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ﴾ عمومٌ في اللفظ، والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر، وتجيء هذه الآية مُبَيِّنَةً لذلك مُطَّرِدَةَ الألفاظ مُتَّصِلَةَ المعنى من قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ بين في آخر الآية العموم الذي في أولها؛ إذ هو معرض أن يُتَأَوَّل فيه ألا يتخلف بشر، والتَّفَقُّه هو من النافرين، والإنذار هو منهم، والضمير في ﴿رَجَعُوا﴾ لهم أيضًا»
قال ابنُ عطية (٥/٤٢٠): «والضمير في ﴿جاءَهُمْ﴾ لأهل مكة، والرسول محمد ﷺ، والعَذابُ: الجوع، وأمر بدر ونحو ذلك إن كان التمثيل بمكة وكانت الآية مدنية، وإن كانت مكية فهو الجوع فقط، وذكر الطبري أنه القتل ببدر، وهذا يقتضي أن الآية نزلت بالمدينة. وإن كان التمثيل بمدينة قديمة غير معينة، فيحتمل أن يكون الضمير في ﴿جاءَهُمْ﴾ لأهل تلك المدينة، ويكون هذا مما جرى فيها كمدينة شعيب وغيره. ويحتمل أن يكون الضمير المذكور لأهل مكة. فتأمل»
نقل ابنُ عطية (٥/٤٨٧-٤٨٨) عن بعض العلماء قولهم: «إنّ ملأ قريش دخلوا على أبي طالب يزورونه، فدخل عليهم رسول الله ﷺ، فقرأ ومرَّ بالتوحيد، قال: «يا معشر قريش، قولوا: لا إله إلا الله. تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم». فوَلَّوْا ونَفَرُوا؛ فنزلت هذه الآية». ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة اللفظ أن الآية: «وصف لحال الفارِّين عنه في وقت توحيده في قراءته أبْيَن وأجرى مع اللَّفظ»
ذكر ابنُ عطية (٦/٣٣٩) أن الله تعالى ذكر في الآية قذْف النساء مِن حيث هو أهم، ورميهن بالفاحشة أبشع وأنكى للنفوس، وبَيَّن أنّ قذف الرجال بإجماع الأمة داخلٌ في حكم الآية بالمعنى، كنصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع، ثم قال: «وحكى الزهراويُّ أن المعنى: الأنفس المحصنات؛ فهي تَعُمُّ بلفظها الرجال والنساء، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ [النساء:٢٤]»
اختُلِف هل كان نزول الآية لِما دار بين مِسْطح وأبي بكر، أم لأنّ جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كُلِّ مَن قال في الإفك. ورجَّح ابنُ عطية (٦/٣٦٢) القول الأول دون الثاني الذي قاله الضحاك وابن عباس، فقال: «والأول أصح». ولم يذكر مستندًا. ثم قال: «غير أنّ الآية تتناول الأُمَّة إلى يوم القيامة بألّا يغتاظ ذو فضل وسَعَة فيحلف أن لا ينفع مَن هذه صفتُه غابِرَ الدَّهْرِ»
لم يذكر ابنُ جرير (٢٢/٥٦) في معنى: ﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ سوى قول ابن زيد. وذكر ابنُ عطية (٨/١١٩) أن الإنسان في الآية اسم جنس، ثم ذكر قول ابن زيد، ثم علَّق بقوله: «بمعنى: أنه لم ينل كرامتنا بتأميل، بل بفضلٍ من الله تعالى، أو بمعنى: بل إنّه تمنى كرامتنا فنالها، إذ الكلّ لله -تعالى- يهب مَن يشاء، وهذا ما تقتضيه الآية، وإن كان اللفظ يَعُمُّه»
ذكر ابنُ كثير (١٣/٣٢٩) هذا الأثر، ثم رجّح أنّ الآية عامة في كلّ مَن خاف مقام ربّه، وأضاف مستدلًا بعمومها على دخول مَن آمن من الجنّ الجنة، فقال: «وهذه الآية عامة في الإنس والجنّ، فهي مِن أدل دليل على أنّ الجنّ يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا؛ ولهذا امتنّ الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء، فقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في المخاطَب بـ«الرسل» في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ على أقوال: الأول: يعني بالرسل: جميعَهم. الثاني: يعني بالرسل: محمدًا ﷺ. الثالث: يعني بالرسل: عيسى عليه السلام. وذكر ابنُ عطية (٦/٢٩٩) أنّ بعض القائلين بأنّ المخاطب هو النبي محمد ﷺ وجَّه ذلك بأنه: «أقام محمدًا ﷺ مقام الرسل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]»، ثم انتقد ذلك التوجيه وغيره قائلًا: «وقيل غير هذا مما لا يَثْبُت مع النظر». ثم وجَّه ابنُ عطية هذا القول بقوله: «والوجْه في هذا أن يكون الخطاب لمحمد ﷺ، وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزًا أنّ هذه المقالة قد خُوطِب بها كلُّ نبي، أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها، وهذا كما تقول لتاجرٍ: يا تُجّار، ينبغي أن تجانبوا الربا. فأنت تُخاطبه بالمعنى، وقد اقترن بذلك أنّ هذه المقالة تصلح لجميع صنفه». ووجَّه القول الثالث قائلًا: «ووجْه خطابه لعيسى عليه السلام ما ذكرناه مِن تقديره لمحمد ﷺ». وقد ذكر ابنُ عطية (٦/٢٩٩-٣٠١) أن قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ يحتمل مخاطبة الرسل متفرقين، ويحتمل مخاطبتهم مجتمعين، فأمّا على احتمال مخاطبتهم متفرقين فذكر أن المعنى: وقلنا يا أيها الرسل. ثم علَّق بقوله: «وكيف كان قول المعنى فلم يخاطبوا قطُّ مجتمعين، وإنما خُوطِب كلُّ واحد في عصره». وأما على احتمال مخاطبتهم مجتمعين فقد ذكر أنه يقوِّيه قوله تعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾، فقال: «هذه الآية تُقوِّي أن قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ إنما هو مخاطبة لجميعهم، بتقدير حضورهم، وتجيء هذه الآية -أي: قوله تعالى: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾- بعد ذلك بتقدير: وقلنا للناس». ثم بيَّن أن قوله: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ وما بعده يجعل قولَ مَن قال: إن المخاطب في ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ محمد ﷺ مُشْكِلًا، فقال: «وإذا قدرت ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ مخاطبة لمحمد ﷺ قلق اتِّصال هذه واتصال قوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾، أمّا إن قوله: ﴿وأَنا رَبُّكُمْ فاتَّقُونِ﴾ وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون بالمعنى فيحسن بعد ذلك اتصال ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾»
رَجَّحَ ابنُ جرير (١/٤٣٨) بالسياق أن تكون هذه الآية نازلةً في كُفّارِ أحْبارِ أهل الكتاب، والمنافقين منهم، وأن يكون المراد بالعهد ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتِّباع محمد ﷺ إذا بُعِث، والتصديق به، ونقضهم ذلك: هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم عِلْمَ ذلك الناسَ. ويدخل في أحكامهم كلُّ مَن كان على مِثْلِ ما كانوا عليه من الضَّلال، فقال: «وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات مَن قلتُ إنه عنى بها؛ لأن الآيات من ابتداء الآيات الخمس والست من سورة البقرة فيهم نزلت إلى تمام قصصهم، وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانه في قوله: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة:٤٠]، وخطابِه إيّاهم -جَلَّ ذكره- بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر؛ ما يَدُلُّ على أن قوله: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ مقصودٌ به كفارُهم ومنافقوهم ومَن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غير أنّ الخطاب -وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين- فداخل في أحكامهم وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ كُلُّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق، وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي». وحَسَّنَ ابنُ كثير (١/٣٢٩-٣٣٠) أن يكون عُنِي بهذه الآية جميعُ أهل الشرك والكفر والنفاق، وأنّ المراد بالعهد: هو ما وضعه الله لجميع الكُفّار من الأدلة الدّالَّة على ربوبيته، وما احتج به لرسله من المعجزات. ونقضُهم إياه: تركُهم الإقرارَ بما ثبتت لهم صحتُه، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أنّ ما أتوا به حقٌّ. ونقل ابن عطية (١/١٥٩) في معنى العهد أقوالًا أخرى، فقال: «وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله: أن يوحدوه، وأن لا يعبدوا غيره... وقال قتادة: هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي ﷺ ثم كفر به فنقض العهد»
رَجَّح ابنُ جرير (٤/٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى السّنَةِ، والدلالات العقلية قولَ قتادة من طريق مَعْمَر، والضحاك من طريق جويبر، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح؛ بأنّ الآية نزلت في خاصٍّ مِن الكفار، ولم يُنسخ منها شيء، وأنّ عدم الإكراه في الدين إنّما هو لأهل الكتاب والمجوس وكُلِّ مَن جاز إقرارُه على دينه المخالِفِ دينَ الحق، وأخذ الجزية منه، فقال مُعَلِّلًا ترجيحَه: «وإنّما قُلنا: هذا القولُ أولى الأقوال في ذلك بالصواب لِما قد دَلَّلنا عليه من أنّ الناسخ غيرُ كائن ناسخًا إلا ما نفى حُكْمَ المنسوخ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما، فأمّا ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل، وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل أن يُقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليلٌ على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ أنّه أكره على الإسلام قومًا، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وأنّه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل». وانتَقَدَ (٤/٥٥٤) مَن قال بأنّ الآية منسوخة؛ بأنّه قولٌ لا معنى له. ثُمَّ بيَّن بأنّ قول ابن عباس من طريق ابن إسحاق وما في معناه: «غير مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآية قد تنزل في خاصٍّ من الأمر ثم يكون حكمها عامًّا في كلِّ ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه، فالذين أُنزِلَت فيهم هذه الآية على ما ذكر ابن عباس وغيرُه إنّما كانوا قومًا دانَوْا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عَقْدِ أهل الإسلام لهم، فنهى الله -تعالى ذِكْرُه- عن إكراههم على الإسلام، وأنزل بالنهي عن ذلك آيةً يَعُمُّ حكمُها كلَّ مَن كان في مثل معناهم مِمَّن كان على دينٍ من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها». ورَجّح ابنُ القيم (١/١٩١) مستندًا إلى دلالة العموم بأنّ الآية في حق كل كافر، وقال: «وهذا ظاهرٌ على قول من يُجَوِّزُ أخْذَ الجِزْيَةِ من جميع الكفار»