ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٧٠) في قوله: ﴿ليكفروا﴾ احتمالين، فقال: «وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ يجوز أن يكون اللام لام الصيرورة، أي: فصار أمرهم ليكفروا، وهم لم يقصدوا بأفعالهم تلك أن يكفروا. ويجوز أن تكون لام أمر على معنى التهديد والوعيد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠]، والكفر هنا يحتمل أن يكون كفر الجحد بالله والشرك، ويؤيده قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، ويحتمل أن يكون كفر النعمة». ورجّح القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «وهو الأظهر؛ لقوله: ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾، أي: بما أنعمنا عليهم». وعلّق ابنُ كثير (٨‏/‏٣١٨) على الاحتمال بأنّ اللام لام التعليل، فقال: «وقيل: لام التعليل، بمعنى: قيضنا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم»

في قوله تعالى: ﴿ذللا﴾ قولان: الأول: مذللة لك. الثاني: مطيعة. وقد ذكر ابن جرير (١٤‏/‏٢٨٨) القولين، وعلَّق على الأول وهو قول مجاهد ومن وافقه، فقال: «وعلى هذا التأويل الذي تأوله مجاهد الذلل من نعت السبل. والتأويل على قوله: ﴿فاسلكي سبل ربك ذللا﴾ الذلل لك: لا يتوعر عليك سبيل سلكتيه، ثم أسقطت الألف واللام فنصب على الحال». وعلَّق على الثاني، فقال: «فعلى هذا القول الذلل من نعت النحل». وعلَّق على القولين، فقال: «وكلا القولين غير بعيد من الصواب في الصحة؛ وجهان مخرجان». ثم رجّح مستندًا إلى اللغة القول الأول، فقال: «غير أنا اخترنا أن يكون نعتًا للسبل؛ لأنها إليها أقرب». أي: في الذِّكر. ووافقه ابنُ كثير (٨‏/‏٣٢٥) بقوله: «والقول الأول أظهر، وهو أنه حال من الطريق، أي: فاسلكيها مذللة لك. نص عليه مجاهد»

رجَّح ابنُ كثير (٩‏/‏١٣٦) مستندًا إلى القراءات بأن الثمر في الآية: هو الثمار. فقال: «وهو أظهر هاهنا، ويؤيده القراءة الأخرى: ‹وكانَ لَهُ ثُمْرٌ› بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون جمع ثَمَرة، كخَشَبة وخُشْب». وعلَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٦٠٧) على قراءة من قرأ ﴿ثَمَر﴾ بفتح الثاء والميم، فقال: «وأما مَن قرأ بفتح الثاء والميم فلا إشكال في أن المعنى: ما في رؤوس الأشجار من الأكل. ولكن فصاحة الكلام تقتضي أن يعبر إيجازًا عن هلاك الثمر والأصول بهلاك الثمر فقط، خصَّها بالذكر إذ هي مقصد المستغل، وإذ هلاك الأصول إنما يسوء منه هلاك الثمر الذي كان يُرجى في المستقبل، وكما يقتضي قوله: إن له ثمرًا. أن له أصولًا، كذلك يقتضي الإحاطة المطلقة بالثمرات والأصول قد هلكت»

رجَّحَ ابنُ جرير (١٩‏/‏١٩٠) القراءة بالثاء، فقال: «القراءة في ذلك عندنا بالثاء؛ لإجماع الحجة من القرأة عليها». وقال ابنُ كثير (١١‏/‏٢٤٥): «قرأ بعض القراء بالباء الموحدة، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة، وهما قريبا المعنى، كما في حديث عبد الله بن عمرو أنّ أبا بكر قال: يا رسول الله، علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي. قال: «قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم». أخرجاه في الصحيحين، يروى «كثيرًا»، و«كبيرًا» وكلاهما بمعنى صحيح، واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة وهذا تارة، كما أن القارىء مخير بين القراءتين أيهما قرأ فَحَسَن، وليس له الجمع بينهما»

في قوله: ﴿ونحاس﴾ قولان: الأول: أنه الدُّخان. الثاني: أنه الصُّفر. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٢٢٦) مستندًا إلى السياق وإلى لغة العرب القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنه -جلّ ثناؤه- ذكر أنه يُرسل على هذين الحيّين شواظ من نار، وهو النار المحضة التي لا يخلطها دُخان، والذي هو أولى بالكلام أنه توعّدهم بنار هذه صفتها أن يتبع ذلك الوعد بما هو خلافها من نوعها من العذاب دون ما هو من غير جنسها، وذلك هو الدُّخان، والعرب تُسمّي الدّخان: نُحاسًا -بضم النون-، ونِحاسًا -بكسرها-، والقراء مجمعة على ضمها». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٣٢٥) اختلاف السلف، ثم قال معلّقًا: «والمعنى على كلّ قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لرَدّتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحّاس المذاب عليكم لترجعوا. ولهذا قال: ﴿فلا تنتصران﴾»

في عود الضمير من قوله: ﴿فملاقيه﴾ قولان: الأول: أنه عائد على الرّبّ. الثاني: أنه عائد على العمل والكدح. وقد علّق ابنُ عطية (٨‏/‏٥٦٩) على الأول، فقال: فالفاء على هذا عاطفة ﴿ملاق﴾ على كادح«. وعلّق على الثاني، فقال:»فالفاء على هذا عاطفة جملة على التي قبلها، والتقدير: فأنت ملاقيه، والمعنى: ملاقٍ جزاءه خيرًا كان أو شرًّا"". وعلّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٩٣ بتصرف) على الأول، فقال: «ومِن الناس مَن يعيد الضمير على قوله: ﴿ربك﴾، أي: فملاقٍ ربّك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك. وعلى هذا فكلا القولين متلازم». وعلّق على الثاني، فقال: «ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي... عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال جبريل: يا محمد، عِشْ ما شئتَ فإنك ميت، وأَحبِب ما شئتَ فإنك مفارقه، واعمل ما شئتَ فإنك ملاقيه»»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٥٦٩): «وقوله تعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الآية، قال الطبريُّ وغيرُه من المتأولين والمؤلفين في التفسير: إنّ هذه الآية اعترضت في قصة نوح عليه السلام، وهي شأن محمد ﷺ مع كفار قريش، وذلك أنهم قالوا: افترى القرآن، وافترى هذه القصة على نوح. فنَزلت الآية في ذلك. وهذا لو صَحَّ بسند وجب الوقوف عنده، وإلا فهو يحتمل أن يكون في شأن نوح عليه السلام، ويبقى اتِّساق الآيةِ مُطَّرِدًا، ويكون الضمير في قوله: ﴿افْتَراهُ﴾ عائدًا إلى العذاب الذي تَوَعَّدهم به، أو على جميع أخباره، وأوقع الافتراء على العذاب من حيث يقع على الإخبار به. والمعنى: أم يقول هؤلاء الكفرة: افترى نوحٌ هذا التَّوَعُّد بالعذاب، وأراد الإرهاب علينا بذلك. ثُمَّ يَطَّرِدُ باقي الآية على هذا»

انتقد ابنُ القيم (٢‏/‏١٨٢) مستندًا إلى ظاهر القرآن والدلالة العقلية قول الكلبي وما في معناه، فقال: «أرباب هذا القول هضموا الآية معناها؛ فإن معناها أجلُّ وأعظم مما ذكروه، وقوله: ﴿أعطى كل شيء﴾ يأبى هذا التفسير؛ فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصَّة ممتنعٌ لا وجه له، وكيف يخرج مِن هذا اللفظ الملائكة والجن ومَن لم يتزوج مِن بني آدم ومَن لم يُسافِد من الحيوان؟ وكيف يُسَمّى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقًا له؟ وأين نظير هذا في القرآن؟ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه ذكره بأدلِّ عبارة عليه وأوضحها، فقال: ﴿وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، فَحمْلُ قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح. فتأمَّلْه»

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾؛ فقرأها قوم: (مِنَ الصّادِقِينَ)، ووجهوا معنى الآية إلى أنه صِدْق الحديث. وقرأ آخرون: ﴿مع الصادقين﴾ ووجهوا المعنى إلى أنّه أعم من صدق الحديث، وأنّه بمعنى الصحة في الدين والتَّمَكُّن في الخير. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٧٠) مستندًا إلى رسم المصحف القولَ الثانيَ دون الأول الذي قاله ابن مسعود، فقال: «والصحيح من التأويل في ذلك هو التأويل الذي ذكرناه عن نافع والضحاك [سيأتي في تفسير الآية]، وذلك أنّ رسوم المصاحف كلها مجمعة على: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحد القراءة بخلافها، وتأويل عبد الله -رحمة الله عليه- في ذلك على قراءته تأويل صحيح، غير أن القراءة بخلافها». وذكر أنّ قائلي هذا القول وجهوا المعنى إلى ما وجههوه إليه؛ لأنّ كون المنافق مع المؤمنين غير نافِعِه بأي وجوه الكون كان معهم إن لم يكن عامِلًا عَمَلَهم، وإذا عمل عملَهم فهو منهم، وإذا كان منهم كان وجْه الكلام أن يُقال: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

ذكر ابنُ القيم (٢‏/‏١٩٧-١٩٨بتصرف) في تفسير قوله: ﴿من قبل﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أن معناه: حال صغره. الثاني: أن معناه: في سابق عِلْمِنا. الثالث: أنّ معناه: من قبل نزول التوراة. وقد رجّح القولَ الثالث مستندًا إلى السياق، فقال: «وأصحُّ الأقوال في الآية أنّ المعنى: من قبل نزول التوراة. فإنّه سبحانه قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، ثم قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾، ولهذا قطعت قبل عن الإضافة وبُنِيَت؛ لأن المضاف منويٌّ معلوم، وإن كان غير مذكور في اللفظ، فالسياق إنما يقتضي: مِن قبل ما ذُكِر». وانتقد ابنُ القيم مستندًا إلى ظاهر الآية والدلالة العقلية القولَ الثاني، فقال: «وقيل: المعنى بقوله: ﴿من قبل﴾ أي: في سابق علمنا، وليس في الآية ما يدل على ذلك، ولا هو أمر مختص بإبراهيم، بل كل مؤمن فقد قدّر الله هُداه في سابق علمه»