انتَقَدَ ابنُ كثير (٢/١٨٥-١٨٦) قول قتادة مستندًا إلى مخالفته السنة، فقال: «وهذا التنزيل فيه نظر، بل كما تقدم في الحديث من أنّ المراد أن يُرَدَّ بأحسن مما حيّاه به، فإن بَلَغَ المسلم غاية ما شُرع في السلام؛ رَدَّ عليه مثل ما قال، فأما أهل الذِّمَّة فلا يُبدَؤون بالسلام، ولا يُزادون، بل يُرَدَّ عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا سلَّم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك. فقل: وعليك». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه»». وقال ابنُ عطية (٢/٦١٨): «وجمهور أهل العلم على أن لا يبدأ أهل الكتاب بسلام، فإن سلَّم أحدٌ ساهيًا أو جاهلًا فينبغي أن يستقيله سلامَه. وشذَّ قومٌ في إباحة ابتدائهم، والأول أصوب؛ لأن به يتصور إذلالهم»
رجَّحَ ابنُ جرير (٨/١٧) بدلالة السياق أنّ الذي استثناه الله عز وجل بقوله:﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ هو المذكور في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ الآية، وهو قول مجاهد، وقتادة، والسّدّيّ، وأحد قولي ابن عباس، فقال: «أوْلى التأويلَيْن في ذلك بالصواب تأويل مَن قال: عَنى بذلك: إلّا ما يُتْلى عليكم مِن تحريم الله ما حَرَّمَ عليكم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآية؛ لأنّ الله عز وجل استثنى مِمّا أباح لعباده مِن بهيمة الأنعام ما حَرَّمَ عليهم منها، والَّذي حَرَّمَ عليهم منها ما بَيَّنَهُ في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾، والخنزير وإن كان حَرَّمَه الله عز وجل علينا فليس مِن بهيمة الأنعام فيُسْتَثنى منها، فاستثناء ما حرم علينا مِمّا دخل في جُمْلَةِ ما قبل الاستثناء أشبه من استثناء ما حَرَّمَ مِمّا لم يدخل في جُمْلَةِ ما قبل الاستثناء». وبمثله قال ابنُ كثير (٥/١٠)
اختلفت توجيهات المفسرين لقول مجاهد، فوجّهه ابنُ جرير (٩/٦٧٤) بقوله: «وكأنّ مجاهدًا وجَّه تأويل الكلام ومعناه إلى أنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر عن موسى أنّه آتاه الكتاب فضيلةً على ما آتى المحسنين من عباده. وإذا كان المعنى كذلك كان قوله: ﴿أحْسَنَ﴾ فعلًا ماضيًا، فيكونُ نصبُه لذلك». وبنحوه حملَه ابنُ كثير (٦/٢٢٤) أنّ إيتاء موسى الكتاب كان فضيلة لموسى، فقال بعد أن ذكر قول مجاهد: «وكذا قال أبوعبيدة، وقال البغوي: المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني: أظهرنا فضله عليهم. قلت: كقوله تعالى: ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]». وحمله ابنُ عطية (٣/٤٩٦) على أنّ مراده: تفضُّلٌ على المحسنين، فقال: «وكأنّ الكلام: وآتينا موسى الكتاب تفضُّلًا على المحسنين من أهل ملته، وإتمامًا للنعمة عندهم»
وجَّه ابنُ عطية (٥/٣٢٢) قول سالم بن عبد الله بن عمر وما في معناه بقوله: «ومنه قول النبي ﷺ عند موت عثمان بن مظعون: «أما هو فقد رأى اليقين». ويروى: «فقد جاءه اليقين». وليست اليقين من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين لا يمتري فيه عاقل، فسماه هنا يقينًا تَجَوُّزًا، أي: يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه، وهذه الغاية معناها: مدة حياتك». وعلَّق ابنُ كثير (٨/٢٨٧) على هذا المعنى بقوله: «والدليل على ذلك: قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ * ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ * وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ * وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾ [المدثر:٤٣-٤٧]». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٢٣) احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ في النصر الذي وعدته»
قال ابنُ عطية (٦/٤٨٢): «رُوِي: أنّ بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفًا. قاله ابن عباس. واللهُ أعلم بصحته، وإنما اللازم مِن الآية الذي يُقطَع به: أن موسى عليه السلام خرج بجَمْعٍ عظيم من بني إسرائيل، وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك العدد». وقال ابنُ كثير (١٠/٣٤٧-٣٤٨): «ذكر غيرُ واحد من المفسرين: أنّ فرعون خرج في جَحْفَلٍ عظيم، وجمْعٍ كبير، وهو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أُولِي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأمّا ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دهم. وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم. ففي ذلك نظر. والظاهر أنه مِن مُجازفات بني إسرائيل، والله سبحانه وتعالى أعلم. والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عِدَّتهم؛ إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم»
لم يذكر ابنُ جرير (١٨/٣٧٢) غير قول قتادة، وبيّن أن الآية تحتمل وجهًا آخر، فقال: «ولو قيل: معنى: ﴿وجعلناها آية للعالمين﴾: وجعلنا عقوبتنا إياهم آية للعالمين، وجعل الهاء والألف في قوله: ﴿وجعلناها﴾ كناية عن العقوبة أو السخط، ونحو ذلك، إذ كان قد تقدم ذلك في قوله: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ كان وجهًا من التأويل». وزاد ابنُ عطية (٤/٣١٠) وجهًا ثالثًا، فقال: «ويحتمل أن يعود على النجاة». وقال ابنُ كثير (١٠/٤٩٩): «وقوله: ﴿وجعلناها آية للعالمين﴾ أي: وجعلنا تلك السفينة باقية؛ إما عينها، كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي. أو نوعها جعله للناس تذكرة لنِعَمِه على الخلق، كيف نجّاهم من الطوفان، كما قال تعالى: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون. وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون. إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين﴾ [يس:٤١-٤٤]»
اختلف في معنى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ من جهة أن ظاهرها العموم، وأن أكثر الجن والإنس لله عاصون، على ثلاثة أقوال: الأول: أن ظاهرها العموم والمراد بها الخصوص، والمعنى: كل له قانتون في الحياة والبقاء والموت، والفناء والبعث والنشور، لا يمتنع عليه شيءٌ من ذلك، وإن عصاه بعضهم من غير ذلك. الثاني: أن المعنى: كل له قانتون بإقرارهم أنه ربهم وخالقهم. الثالث: هي على الخصوص، والمعنى: وله من في السماوات والأرض، من مَلِكٍ وعبْد مؤمنٍ لله مطيع دون غيرهم. ووجَّه ابنُ عطية (٧/٢٠) القول الأول بقوله: «فكأنه قال: كلٌّ له قانتون في معظم الأمور وفي غالب الشأن». ورجَّح ابنُ جرير (١٨/٤٨٤-٤٨٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول ابن عباس، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن العصاة مِن خلْقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه كثيرٌ عددهم، وقد أخبر -تعالى ذِكْره- عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائزٍ أن يُخْبِر عمَّن هو عاصٍ أنه له قانتٌ فيما هو له عاصٍ»
ظاهر هذا الأثر يُوحِي بنزول هذه الآية بالمدينة، ولهذا علّق ابنُ كثير (١١/٣٤٩) على هذا الأثر بقوله: «وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية». وانتقد ابنُ عطية (٧/٢٣١) ذلك بقوله: «وليس الأمر كذلك». ثم وجّه التعبير بالنزول في هذه الآية بقوله: «وإنما نزلت الآية بمكة، ولكنه احتجَّ بها عليهم في المدينة، ووافقها قول النبي ﷺ في المعنى، فمِن هنا قال مَن قال: إنها نزلت في بني سلمة». وذكر ابنُ القيم (٢/٣٥٩) هذا الأثر في مستندات مَن قال بنزول الآية في بني سلمة، ثم انتقده مستندًا لأحوال النزول بقوله: «وفي هذا القول نظر؛ فإن سورة يس مكية، وقصة بني سلمة بالمدينة، إلا أن يقال: هذه الآية وحدها مدنية، وأحسن مِن هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة، ودلَّت عليها، وذُكِّروا بها عندها؛ إمّا من النبي ﷺ، وإما من جبريل، فأطلق على ذلك النزول، ولعل هذا مراد مَن قال في نظائر ذلك: نزلت مرتين»
قال ابنُ عطية (٧/٣٠٤ بتصرف): «قوله تعالى: ﴿إن هذا﴾ يحتمل أن يشير إلى ما في القصة مِن امتحان واختبار بالشدة، ويحتمل أن يشير إلى ما في القصة من سرور بالفدية، وإنقاذ من تلك الشدة في إنفاذ الذبح، فيكون البلاء بمعنى: النعمة... وإلى كل احتمال قد أشارت فرقةٌ من المفسرين». وقال ابنُ كثير (١٢/٤٣): «استدل بهذه الآية والقصة جماعةٌ مِن علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن مِن الفعل، خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة؛ لأن الله تعالى شرع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولًا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم:٣٧]». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٣٠٥)
اختُلف في معنى: ﴿فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ على قولين: الأول: فأوحى الله إلى عبده محمدٍ ﷺ وحْيَه. الثاني: فأوحى جبريل عليه السلام إلى عبده محمد ﷺ ما أوحى إليه ربُّه. ووجَّه ابنُ جرير (٢٢/٢٠) القول الثاني بقوله: «وقد يتوجَّه على هذا التأويل ﴿ما﴾ لوجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى: الذي، فيكون معنى الكلام: فأوحى إلى عبده الذي أوحاه إليه ربُّه. والآخر: أن تكون بمعنى المصدر». ثم رجَّحه مستندًا إلى دلالة السياق، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن افتتاح الكلام جرى في أول السورة بالخبر عن محمد ﷺ، وعن جبريل عليه السلام، وقوله: ﴿فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ في سياق ذلك، ولم يأت ما يدل على انصراف الخبر عنهما فيوجَّه ذلك إلى ما صُرِف إليه». وعلَّق ابنُ كثير (١٣/٢٥٦) على القول الأول والثاني بقوله: «وكلا المعنيين صحيح». ونقل ابنُ عطية (٨/١١٠) عن بعض العلماء أن المعنى: «فأوحى الله تعالى إلى عبده جبريل عليه السلام ما أوحى»