اختُلِف فيمن نزلت هذه الآية؛ فقال قوم: نزلت في معقل بن يسار. وقال آخرون: نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري. وقال غيرهم: نزلت هذه الآية دلالة على نهي الرجل عن مضارة ولِيَّته من النساء، يعضلها عن النكاح. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٩٣) القول الثالث مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «والصواب من القول في هذه الآية أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذكره- أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النِّساء مضارةَ مَن كانوا له أولياء من النساء بِعَضْلِهِنَّ عَمَّن أرَدْنَ نكاحَه من أزواجٍ كانوا لَهُنَّ، فَبِنَّ منهم بما تَبِينُ به المرأةُ من زوجها من طلاق أو فَسْخِ نكاح». ثُمَّ بَيَّن جواز كلا القولين الأخريين، فقال: «وقد يجوز أن تكون نزلت في أمر معقل بن يسار وأمر أخته، أو في أمر جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمه، وأي ذلك كان فالآية دالَّةٌ على ما ذكرت». وذكر ابنُ كثير (٢‏/‏٣٧١) أنّ هذا القول ظاهرٌ من الآية، فقال: «وهذا الذي قالوه ظاهِرٌ من الآية»

قال ابنُ عطية (٢‏/‏٤٨٨) مُبَيِّنًا معنى ﴿مضار﴾: «وُجُوه المُضارَّةٍ كثيرةٌ لا تنحصِر، وكلُّها ممنوعةٌ، يُقِرُّ بحقٍّ ليس عليه، ويُوصِي بأكثرَ مِن ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فِرارًا عن وارث محتاج، وغير ذلك». وقال ابن تيمية (٢‏/‏٢٠٩): «إنّما ذُكِر الضِّرارُ في هذه الآية دون التي قبلها؛ لأنّ الأولى تَضَمَّنت ميراث العمودين، والثانية تضمنت ميراث الأطراف مِن الزوجين والإخوة، والعادةُ أن المُوصِي قد يُضارَّ زوجتَه وإخوته، ولا يكاد يُضارُّ ولدَه. لكنَّ الضرارَ نوعان: حَيْفٌ، وإثْمٌ؛ فإنه قد يقصد مُضارَّتهم وهو الإثم، وقد يُضارُّهم مِن غير قصدٍ وهو الحَيْف. فمتى أوصى بزيادة على الثلث فهو مُضارٌّ قَصَد أو لم يَقْصِد، فتُرَدُّ هذه الوصية، وإن وصّى بدونه ولم يعلم أنّه قصد الضرار فيمضيها، فإن علم الموصى له إنما أوصى له ضرارًا لم يَحِلُّ له الأخذُ. ولو اعترف المُوصِي أنِّي إنّما أوصيت ضِرارًا لم تَجُزْ إعانتُه على إمضاء هذه الوصية، ووجب ردُّها في مقتضى هذه الآية». وبنحوه قال ابنُ القيم (١‏/‏٢٦٦-٢٦٧)

في قوله تعالى: ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾ قولان: الأول: أنها شجرة الزقوم. الثاني: أنها الكشوثا. وقد رجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٦٥٢) مستندًا إلى إجماع الحجة من أهل التأويل القول الأول، فقال: «وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا قول مَن قال: عنى بها شجرة الزقوم؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك». وبيّن أن فتنتهم فيها إنما كان قولهم: «يخبرنا محمد أن في النار شجرة نابتة، والنار تأكل الشجر فكيف تنبت فيها؟!». وزاد ابنُ عطية (٥‏/‏٥٠٥) عدة أقوال، منها: أن قوله ﴿والشَّجَرَةَ﴾ إشارة إلى القوم المذكورين قبل في الرُّؤْيا. ثم انتقده بقوله: «وهذا قول ضعيف محدث، وليس هذا عن سهل بن سعد، ولا مثله». ومنها: «أن المَلْعُونَةَ: المبعدة المكروهة». ثم علق عليه قائلًا: «وهذا أراد لأنها لعنها بلفظ اللعنة المتعارف، وأيضًا فما ينبت في أصل الجحيم فهو في نهاية البعد من رحمة الله». وذكر ابنُ كثير (٩‏/‏٣٨) قولًا لم ينسبه، وانتقده، فقال: «قيل: المراد بالشجرة الملعونة: بنو أمية. وهو غريب ضعيف»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ على أقوال: الأول: وقصر مجصص. الثاني: وقصر رفيع طويل. الثالث: المشيد: الحصين. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٥٩٤) مستندًا إلى اللغة القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، فقال: «وذلك أن الشيد في كلام العرب: هو الجصّ بعينه». ثم وجَّه، فقال: «وقد يجوز أن يكون معنيًا بالمشيد: المرفوع بناؤه بالشيد. فيكون الذين قالوا: عني بالمشيد: الطويل؛ نَحَوا بذلك إلى هذا التأويل». وذكر (١٦‏/‏٥٩٥) أن بعض أهل العلم بلغات العرب فسر المشيد بمعنى: المزيَّن بالشِّيد من: شِدْتُه أشيده: إذا زيَّنته به. وعلَّق عليه بقوله:«وذلك شبيه بمعنى من قال: مجصص». ورأى ابنُ كثير (١٠‏/‏٧٩) تقارب الأقوال، فقال: «وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يَحْمِ أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال تعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]»

قال ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٧٦-٥٧٧): «قال آخرون في ذلك: إنما قال إبراهيم: ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ حين أرادوا أن يلقوه في النار». وذكر أثر سليمان بن صرد السابق، ثم اختار القول الأول أنه قال ذلك حين أراد الهجرة مستندًا إلى النظائر، وقال: «إنما اخترت القول الذي قلت في ذلك لأن الله سبحانه وتعالى ذكر خبره وخبر قومه في موضع آخر، فأخبر أنه لما نجاه مما حاول قومه من إحراقه قال: ﴿إني مهاجر إلى ربي﴾ [العنكبوت:٢٦] ففسر أهل التأويل ذلك أن معناه: إني مهاجر إلى أرض الشام، فكذلك قوله: ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾؛ لأنه كقوله: ﴿إني مهاجر إلى ربي﴾». وذَهَبَ إلى الأول أيضًا ابنُ عطية (٧‏/‏٣٠٠) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «الأول أظهر في نمط الآية عما بعده؛ لأن الهداية معه تترتب، والدعاء في الولد كذلك، ولا يصح مع ذهاب الفناء». وإلى ذلك أيضًا ذهب ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٧)

علَّق ابنُ كثير (١٢‏/‏٢١٩) على هذا القول بقوله: «وهذا كقوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، وكقوله: ﴿قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى:١٤-١٥]، وقوله: ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات:١٨]». وبنحوه قال ابنُ عطية (٧‏/‏٤٦٤). وعلَّق ابن القيم (٢‏/‏٤١١) على هذا القول بقوله: «قال أكثر المفسرين من السلف ومَن بعدهم: هي التوحيد؛ شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب، فإنّه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارته، وإثبات إلهيته سبحانه؛ وهو أصل كل زكاة ونماء، فإن التزكي -وإن كان أصله: النماء والزيادة والبركة- فإنما يحصل بإزالة الشر، فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جميعًا، فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد. والتزكية: جعل الشيء زكيًّا؛ إما في ذاته، وإما في الاعتقاد والخبر عنه، كما يقال: عدَّلته وفسَّقته، إذا جعلته كذلك في الخارج، أو في الاعتقاد والخبر»

لم يذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏١١٤) غير قول مجاهد. وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٥١) قول مجاهد، ونحوه عن الحسن البصري، ثم قال معلقًا: «ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك -والله أعلم- أن المعنى: ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ أي: بعثه، ﴿كلا لما يقض ما أمره﴾ أي: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر مِن بني آدم ممن كتب تعالى له أن سيوجد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونًا وقدرًا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق، وأعادهم كما بدأهم. وقد روى ابن أبي حاتم، عن وهْب بن مُنَبِّه، قال: قال عُزير عليه السلام: قال المَلك الذي جاءني: فإنّ القبور هي بطن الأرض، وإنّ الأرض هي أُمّ الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مدّ الله لها انقطعت الدنيا، ومات مَن عليها، ولفظت الأرض ما في جوفها، وأخرجت القبور ما فيها، وهذا شبيه بما قلنا من معنى الآية، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب»

اختلف المفسرون في صفة الاثنين المذكورين في قوله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ على قولين: الأول: أنهما شاهدان يشهدان على وصية الموصي. وهو قول قتادة، والسدي. الثاني: أنهما وصيان. وهو قول ابن مسعود. ورجَّح ابنُ كثير (٥‏/‏٤٠٣) القول الأول مستندًا إلى أنّه «ظاهر سياق الآية الكريمة»، وقال: «فإن لم يكن وصيٌّ ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية، والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي بن بدّاء». ووجَّه ابنُ جرير (٩‏/‏٥٨) المعنى في كلا القولين، فقال: «وتأويل الذين زعموا أنهما شاهدان قولَه: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: ليشهد شاهدان ذوا عدل منكم على وصيتكم. وتأويل الذين قالوا: هما وصيان لا شاهدان قولَه: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: بمعنى الحضور والشهود لما يوصيهما به المريض، من قولك: شهدت وصية فلان، بمعنى: حضَرتُه». واختلف المفسرون كذلك في المراد من الشهادة قوله تعالى: ﴿شهادة بينكم﴾؛ فمن قائل: إنها الشهادة بالحقوق عند الحكام. ومن قائل: إنها شهادة الحضور للوصية. ومن قائل: إنها بمعنى اليمين. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٥٨-٥٩) مستندًا إلى الدلالة العقليّة، وظاهر لفظ الآية أنها: بمعنى اليمين، وليست المؤدّاة للحكام. فقال: «لأنا لا نعلم لله تعالى حُكمًا يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزًا صرف الشهادة في هذا الموضع إلى الشهادة التي يقوم بها بعض الناس عند الحكام والأئمة. وفي حكم الآية في هذه اليمين على ذوي العدل وعلى من قام مقامهم باليمين بقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا في ذلك من أنّ الشهادة فيه الأيمان، دون الشهادة التي يُقضى بها للمشهود له على المشهود عليه، وفساد ما خالفه». وتعقَّب ابنُ كثير (٥‏/‏٤٠٣) ما استشكله ابنُ جرير بأنه لا يعلم حكمًا يحلف فيه الشاهد، بقوله: «وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مُسْتَقِلٌّ بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة». وانتقد ابنُ عطية (٣‏/‏٢٨٥) كون الشهادة بمعنى اليمين أو الحضور، بقوله: «وهذا كله ضعيف». ثم رجَّح أنها التي تؤدى فقال: «والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدّى». ولم يذكر مستندًا

انتَقَدَ ابنُ كثير (٢‏/‏٢٢٤-٢٢٥) هذا القول الذي قاله القاسم بن محمد، وقتادة من طريق سعيد، مُسْتَنِدًا لمخالفته السنة، فقال: «وهذا القول فيه نظر؛ لأنّه قد ثبت أنّ رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة: عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجُعُرّانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته، أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر، ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأم هانئ: «عمرة في رمضان تَعْدِل حَجَّةً معي». وما ذاك إلا لأنها [كانت] قد عَزَمَتْ على الحج معه عليه السلام، فاعتاقَتْ عن ذلك بسبب الطُّهْر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونصَّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها». وعَلَّق عليه ابنُ عطية (١‏/‏٤٧٠) بقوله: «وهذا مبنيٌّ على أنّ الدم في الحج والعمرة جَبْرُ نَقْصٍ»

ذكر ابنُ جرير (٨‏/‏٥٢٩) آثارًا في كون الآية نزلت في عبادة بن الصامت، واقتصر على هذا القول. وكذا ذكر ابنُ كثير (٥‏/‏٢٥٦-٢٥٧) بعض الآثار الدالة على ذلك، ثم ذهب (٥‏/‏٢٦٧) إلى كونها نازلة في عبادة مستندًا إلى أقوال السلف، والسياق، والنظائر، حيث قال: «وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنهما، حين تبرأ من حلف يهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾. كما قال تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز. لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم... ﴾ الآية [المجادلة:٢١-٢٢]»