اختُلِف في معنى العذاب المذكور على قولين: الأول: العذاب الذي توعدهم الله ببعثه عليهم من فوقهم فالرجم، وأما الذي من تحتهم فالخسف. والثاني: عني بالعذاب من فوقهم: ولاة السوء، وأما الذي من تحتهم فالخدم وسفلة الناس. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٢٩٨) القول الأول الذي قاله أبو مالك، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي، وابن زيد مستندًا إلى الأشهر الأظهر لغة، فقال: «وذلك أنّ المعروف في كلام العرب من معنى (فوق) و(تحت) الأرجل، هو ذلك دون غيره، وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح [يعني: القول الثاني]، غير أنّ الكلام إذا تُنُوزِع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحقُّ وأولى مِن غيره ما لم يأت حُجَّةٌ مانعة من ذلك يجب التسليم لها». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٦/٧٥) مستندًا إلى القرآن، والسنة، فقال: «ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير * ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير﴾ [الملك:١٦-١٨]، وفي الحديث: «لَيَكُونَنَّ في هذه الأمة قَذْف، وخَسْف، ومَسْخ»». وجمع ابنُ عطية (٣/٣٨٣) بين القولين، فقال: «وهذه كلها أمثلة، لا أنها هي المقصود، إذ هي وغيرها من القحوط والغرق وغير ذلك داخلٌ في عموم اللفظ»
أفادت الآثار اختلافًا في السبب الذي لأجله ألقى موسى عليه السلام الألواحَ على قولين: الأول: غضبًا على قومه حين رآهم قد عبدوا العجل. الثاني: أنّه لَمّا رأى فضائل غير أمته من أُمَّة محمد ﷺ اشتَدَّ عليه، فألقاها. وهو قول قتادة. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٤٥٤) مستندًا إلى القرآن أنّ موسى عليه السلام ألقاها غضبًا على قومه لعبادتهم العجل، وعلَّل قائلًا: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- بذلك أخبر في كتابه، فقال: ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ وأَلْقى الأَلْواحَ وأَخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾». ووافقه ابنُ كثير (٦/٣٩٦) مستندًا إلى دلالة الظاهر، والسياق، وقال: «وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا». وانتقد قولَ قتادة مستندًا إلى أنّه أخذه عن بني إسرائيل، فقال: «وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولًا غريبًا، لا يَصِحُّ إسناده إلى حكاية قتادة، وقد ردَّه ابنُ عطية وغيرُ واحد من العلماء، وهو جديرٌ بالرد، وكأنّه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذّابون ووضّاعون وأفّاكون وزنادقة». ووافقهما ابنُ عطية (٤/٥٢)، ولم يذكر مستندًا، وانتقد قول قتادة، فقال: «وهذا قولٌ رديءٌ لا ينبغي أن يوصف موسى عليه السلام به»
اختُلِف في المراد بالعباد في قوله تعالى:﴿عباده الذين اصطفى﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنهم الأنبياء والمرسلون. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ومقاتل. والثاني: أنهم أصحاب النبي رضي الله عنهم. وهو قول ابن عباس، وسفيان الثوري. والثالث: أنهم الأنبياء والمؤمنون. وهو قول يحيى بن سلام. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٨/٩٨) مستندًا لأقوال السلف إلى القول الثاني، ولم يذكر قولًا غيره. وهو الظاهر من كلام ابن تيمية (٥/٦٥). ويفهم من كلام ابن عطية (٦/٥٤٩) مَيله إلى القول الثالث مستندًا للعموم؛ حيث قال: «هذا ابتداء تقرير و[تنبيه] لقريش، وهو بَعْدُ يعمُّ كلَّ مكلَّف من الناس جميعًا، وافتتح ذلك بالقول بحمده وتمجيده، وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوَّة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من بني آدم، وكأن هذا صدر خطبة للتقرير المذكور». ومالَ ابنُ كثير (١٠/٤١٩) إلى القول الأول، ولم يذكر مستندًا، ثم قال جامعًا بين القولين الأول والثاني: «لا منافاة؛ فإنهم إذا كانوا من عباده الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحْرى، والقصد أنّ الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه -بعد ما ذكر لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحلَّ بأعدائه من الخزي والنكال والقهر- أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يُسَلِّموا على عباده المصطفين الأخيار»
أفادت الآثارُ الاختلاف في المراد بقوله تعالى: ﴿خذ العفو﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّها أمْرٌ بأخذ العفو من أخلاق الناس وهو الفضل، وما لايجهدهم. وهذا قول عائشة، وابن عمر، وعروة، ومجاهد. ثانيها: أنّها أمْرٌ بأخذ العفو من أموال الناس، وهو الفضل، وهذا قبل نزول الزكاة، فلما نزلت الزكاة نُسِخَ. وهذا قول عبد الله بن عباس، والضحاك، والسديّ. ثالثها: أنّها أمْرٌ بالعفو عن المشركين، وترك الغلظة عليهم، قبل أن يُفْرَضُ قتالُهم. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٠/٦٤٢) القولَ الثالثَ استنادًا إلى السياق، وقال مُعَلِّلًا ذلك: «إنّما قلنا ذلك أولى بالصواب لأنّ الله -جلَّ ثناؤُه- أتبع ذلك تعليمَه نبيَّه ﷺ محاجَّته المشركين في الكلام، وذلك قوله: ﴿قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون﴾، وعقَّبه بقوله: ﴿وإخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ*وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾، فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيَّه ﷺ في عشرتهم به أشبهُ وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين». ومالَ ابنُ كثير (٦/٤٩٠) إلى القول الأول مستندًا إلى السُّنَّة، فقال: «هذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس، حدثنا سفيان -هو ابن عيينة-، عن أُمَيّ، قال: لَمّا أنزل الله عز وجل على نبيه ﷺ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ: «ما هذا، يا جبريل؟». قال: إنّ الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك»»
اختُلِف في الفلك على أقوال: الأول: هو كهيئة حديدة الرحى. والثاني: سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وغيرها. والثالث: بل هو القطب الذي تدور به النجوم. والرابع: طاحونة كهيئة فلك المغزل. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٢٦٦-٢٦٧ بتصرف) مستندًا إلى اللغة، وعدم الدليل على التعيين جوازَ تلك الأقوال، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال كما قال الله عز وجل: ﴿كل في فلك يسبحون﴾، وجائزٌ أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد: كحديدة الرحى، وكما ذكر عن الحسن: كطاحونة الرحى، وجائز أن يكون موجًا مكفوفًا، وأن يكون قطب السماء. وذلك أنّ الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر، فجمعه: أفلاك... وإذا كان كل ما دار في كلامها فلكًا، ولم يكن في كتاب الله ولا في خبر عن رسول الله ﷺ ولا عمَّن يقطع قوله العذر دليلٌ يدل على أي ذلك هو من أيٍّ؛ كان الواجب أن نقول فيه ما قال، ونسكت عمّا لا عِلْم لنا به. فإذ كان الصواب في ذلك مِن القول ما ذكرنا فتأويل الكلام: والشمس والقمر كل ذلك في دائر يسبحون». وحكى ابنُ عطية (٦/١٦٥) هذه الأقوال، ثم ذكر أنّ المعنى لا ينبغي التَّسَوُّر عليه، ثم قال: «غير أنّا نعرف أنّ الفلك جسم مستدير». ونقل ابنُ تيمية (٤/٣٧٠) اتفاق أهل التفسير واللغة على أن الفلك: هو المستدير
أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿واجعلنا للمتقين إماما﴾؛ فقال بعضهم: معناه: اجعلنا أئمة هدىً يقتدي بنا مَن بعدنا. وقال آخرون: اجعلنا نأتم بالمتقين قبلنا: نأتم بهم، ويأتم بنا من بعدنا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٣٣) مستندًا إلى ظاهر الآية القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنهم إنما سألوا ربهم أن يجعلهم للمتقين أئمة، ولم يسألوه أن يجعل المتقين لهم إمامًا». وعلّق ابنُ عطية (٦/٤٦٤ بتصرف) على القول الأول، فقال: «و﴿إماما﴾ قيل: هو مفرد اسم جنس، أي: اجعلنا يأتم بنا المتقون، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيًا قدوة، وهذا هو قصد الداعي، قال إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة، بل أن يكونوا قدوة في الدين. وهذا حسن أن يطلب ويسعى له». وقال ابنُ القيم (٢/٢٧٢-٢٧٣): «إمام بمعنى: قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع، كالأمة والأسوة، وقد قيل: هو جمع آمم، كصاحب وصحاب، وراجل ورجال، وتاجر وتجار، وقيل: هو مصدر، كقتال وضراب، أي: ذوي إمام، والصواب الوجه الأول، فكل مَن كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم، والتقوى واجبة، والائتمام بهم واجب، ومخالفتهم فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم»
أفادت الآثارُ بأنّ الإدراك عند السلف له معنيان: الأول: الإحاطة. وهو قول ابن عباس، والعوفي، وقتادة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وعطاء. والثاني: الرؤية. وهو قول عائشة، والسدي، والحسن، وإسماعيل بن عُلَيَّة، ومقاتل. وقد ذكر ابنُ جرير (٩/٤٥٩-٤٦٦) هذين القولين، ثم بيَّن أنّ البعض اتخذ من تفسير الإدراك بالرؤية ذريعةً لنفي رؤية الله يوم القيامة، وذكر العِلَلَ التي استند إليها قائلو ذلك، وانتَقَدها. وذكر في مسألة رؤية الله أقوالًا أخرى؛ منها: لا تُدْرِكه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تُدْرِكه. ومنها: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، فالآية عندهم على الخصوص. ومنها: أنّ الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله يُحْدِث لأوليائه حاسَّةً سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها، فالآية عندهم على العموم. ثُمَّ رجَّح ابنُ جرير مستندًا إلى السنة رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، كما أخبر رسول الله ﷺ بقوله: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب». وانتقد ابنُ عطية (٣/٤٣٤) مستندًا إلى القرآن، والسنة القولَ الرابع، والخامس، فقال: «وهذه الأقوال كلها ضعيفة، ودعاوى لا تستند إلى قرآن ولا حديث»
اختُلف في قراءة قوله: ﴿الذين هم عباد الرحمن﴾؛ فقرأ قوم: ‹الَّذِينَ هُمْ عِندَ الرَّحْمَنِ›، وقرأ غيرهم: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمَنِ﴾. وذكر ابنُ جرير (٢٠/٥٦٦-٥٦٧) أنّ من قرأوا بالنون كأنهم تأولوا في ذلك قول الله -جل ثناؤه-: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون﴾ [الأعراف:٢٠٦]، وأن تفسير الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبّحونه إناثًا، فقالوا: هم بنات الله جهلًا منهم بحقِّ الله، وجرأة منهم على قيل الكذب والباطل، وأن القراءة الثانية بمعنى: جمع عبْد، وأنّ معنى الكلام عليها: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خلْقه وعباده بنات الله، فأنّثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناث. وذكر ابنُ عطية (٧/٥٣٩) أن القراءة الأولى أدلُّ على رفع المنزلة وقُربها في التكرمة، كما قيل: مَلَك مقرّب. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠/٥٦٧) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وصحة معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله، وعنده». وعلَّق ابنُ عطية (٧/٥٣٩) عليهما بقوله: «وقد تصرّف المعنيان في كتاب الله تعالى في وصف الملائكة في غير هذه الآية، فقال تعالى: ﴿بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء:٢٦]، وقال سبحانه في أخرى: ﴿فالذين عند ربك﴾ [فصلت:٣٨]»
عن مجاهد، قال: سمعتُ ابن الزُّبير: يقرؤها: ﴿وما هُوَ عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، فسألتُ ابن عباس فقال: ضنين، قال: وكان ابن مسعود يقرؤها: «بِظَنِينٍ»
علّق ابنُ عطية (٥/١٤٧) على قول ابن جريج بقوله: «وهذا قريب من الأول». يعني: قول ابن عباس من طريق ابن أبي هذيل