علَّقَ ابنُ كثير (٥‏/‏٢٤٦) على تلك الأقوال -عدا قول مجاهد، وما أشبهه- بقوله: «هذه الأقوال كلها متقاربة المعنى؛ فإنّ اسم»المهيمن«يتضمن هذا كله، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب، وخاتمها، وأشملها، وأعظمها، وأكملها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر:٩]». وبنحوه قال ابنُ جرير (٨‏/‏٤٨٦). وقال ابنُ عطية (٣‏/‏١٨٢-١٨٣): «لفظة»المهيمن«أخصُّ من هذه الألفاظ؛ لأنّ المهيمن على الشيء: هو المعنيُّ بأمره، الشاهد على حقائقه، الحافظ لحاصله، فلا يُدخِل فيه ما ليس منه. والله تبارك وتعالى هو المهيمن على مخلوقاته وعباده، والوصيُّ مهيمن على محجوريه وأموالهم، والرئيس مهيمن على رعيته وأحوالهم، والقرآن جعله مهيمنًا على الكتب يشهد بما فيها من الحقائق، وعلى ما نسبه المحرفون إليها، فيصحح الحقائق، ويبطل التحريف، وهذا هو شاهد، ومصدق، ومؤتمن، وأمين»

أفادت الآثارُ اختلاف السلف في معنى الإصلاح الذي عناه الله بقوله: ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ على قولين: الأول: كانت عقيمًا لا تَلِد، فأصلحها الله، فجعلها ولودًا. والثاني: كان في خلقها سوءٌ، فرزقها الله حُسن الخلق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٣٨٩) مستندًا إلى عموم اللفظ صِحّةَ القولين، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أصلح لزكريا زوجه كما أخبر -تعالى ذكره- بأن جعلها ولودًا، حسنة الخلق؛ لأنّ كل ذلك من معاني إصلاحه إيّاها. ولم يخصص الله -جلَّ ثناؤه- بذلك بعضًا دون بعض في كتابه، ولا على لسان رسوله، ولا وضع على خصوص ذلك دلالة، فهو على العموم، ما لم يأت ما يَجِبُ التَّسليم له بأنّ ذلك مرادٌ به بعضٌ دون بعض». ورجّح ابنُ عطية (٦‏/‏١٩٧-١٩٨) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «وهذا هو الذي يُشبه الآية». ثم انتقد القول الثاني، فقال: «وهذا ضعيف». ثم علّق بقوله حيث قال: «وعموم اللفظة يتناول كل وجوه الإصلاح». ورجّح ابنُ كثير (٩‏/‏٤٣٩) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «والأظهر مِن السياق الأول»

اختُلِف في الهباء المنثور؛ فقال قوم: هو ما رأيتَه يتطاير في الشمس التي تدخل من الكوَّة مثل الغبار. وقال آخرون: الماء المُهراق. وقال غيرهم: ما تنسفه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر. وقال غيرهم: الشَّرر الذي يطير من النار إذا أُضرمت. وقال آخرون: ما يسطع من حوافر الدَّواب. ورجَّح ابنُ عطية (٦‏/‏٤٣١) مستندًا إلى اللغة القولَ الأول الذي قاله عليّ، وابن عباس، والضحاك، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، وأبي مالك، وعامر، فقال: «والأول أصحُّ، والعرب تقول: هبات الغبار والتراب ونحوه: إذا بثته». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٩٧) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «وحاصل هذه الأقوال التنبيهُ على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالًا اعتقدوا أنها شيء، فلما عُرِضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]»

ذكر ابنُ كثير (١١‏/‏١٦) قولين في معنى هذه الآية: الأول: أن الكفار إنما «أوتوا من أنفسهم؛ حيث كذبوا بآيات الله، واستهزءوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة في تكذيبهم المتقدم، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠]، وقوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وقال: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]». ووجَّهه بقوله: «وعلى هذا تكون ﴿السوأى﴾ منصوبة مفعولًا لـ﴿أساءوا﴾». الثاني: أن المعنى: «﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى﴾ أي: كانت السوأى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون». ووجَّهه بقوله: «فعلى هذا تكون ﴿السوأى﴾ منصوبة خبر ﴿كان﴾». ثم ذكر بأن هذا المعنى هو «توجيه ابنُ جرير، ونقله عن ابن عباس، وقتادة». ثم رجَّحه بقوله: «وهو الظاهر». ولم يذكر مستندًا

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ على أقوال: الأول: أن المعنى: ولقد علمت الجنة إنهم لمُشْهَدون الحساب. والثاني: أن المعنى: ولقد علمت الجنة أنّ قائلي هذا القول سيحضرون العذاب في النار. وعلَّقَ ابنُ عطية (٧‏/‏٣١٥) على القولين، فقال: «مَن جعل ﴿الجنة﴾: الشياطين؛ جعل العلامة في ﴿عَلِمَت﴾ لها، والضمير في ﴿إنهم﴾ عائد عليهم، أي: جعلوا الشياطين بنسب من الله، والشياطين تعلم ضد ذلك مِن أنها ستحضر أمر الله وثوابه وعقابه. ومَن جعل ﴿الجنة﴾: الملائكة؛ جعل الضمير في ﴿إنهم﴾ للقائلين هذه المقالة، أي: علمت الملائكة أن هؤلاء الكفرة سيحضرون ثواب الله وعقابه. وقد يتداخل هذان القولان». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٦٤٦) القولَ الثانيَ -وهو قول السديّ- استنادًا إلى نظائرها في السورة، فقال: «أولى القولين في ذلك بالصواب قول مَن قال: إنهم لمحضرون العذاب. لأن سائر الآيات التي ذكر فيها الإحضار في هذه السورة إنما عني به: الإحضار في العذاب، فكذلك في هذا الموضع». وظاهر كلام ابن كثير (١٢‏/‏٦٢) أنه ذهب إلى هذا أيضًا

اختُلف في قراءة قوله: ﴿أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾؛ فقرأ قوم: ﴿أو أن يُظْهِر في الأرض الفسادَ﴾، وقرأ آخرون: ‹أوْ أن يَظْهَرَ فِي الأَرْضِ الفَسادُ›. وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤٣٥): «أن فرعون على القراءة الأولى خاف أمرين، وعلى الثانية خاف أمرًا واحدًا». وذكر ابنُ كثير (١٢‏/‏١٨٤): «أن الأكثرين على القراءة الأولى». ورجَّح ابن جرير (٢٠‏/‏٣٠٩) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما لدى القراء، وتقارب معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار، متقاربتا المعنى، وذلك أنّ الفساد إذا أظهره مُظْهِر كان ظاهرًا، وإذا ظهر فبإظهار مظهِر يظهر، ففي القراءة بإحدى القراءتين في ذلك دليل على صحة معنى الأخرى، وأما القراءة في: ﴿أو أن يظهر﴾ بالألف وبحذفها، فإنهما أيضًا متقاربتا المعنى؛ وذلك أن الشيء إذا بُدّل إلى خلافه فلا شك أن خلافه المبدّلَ إليه الأول هو الظاهر دون المبدلِ، فسواء عطف على خبره عن خوفه من موسى أن يبدل دينهم بالواو أو بـ﴿أو﴾؛ لأن تبديل دينهم كان عنده هو ظهور الفساد، وظهور الفساد كان عنده هو تبديل الدين»

اختُلف في عظيم مكة على قولين: أحدهما: أنه الوليد بن المغيرة. الثاني: عُتبة بن ربيعة. وأما عظيم الطائف ففيه أقوال: الأول: أنه حبيب بن عمر الثَّقفي. الثاني: عمير بن عبد ياليل الثقفي. الثالث: عروة بن مسعود. الرابع: أنه كنانة بن عبد بن عمرو. ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٨٢-٥٨٣) العموم فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال -جل ثناؤه- مخبرًا عن هؤلاء المشركين: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ إذ كان جائزًا أن يكون بعض هؤلاء، ولم يضع الله -تبارك وتعالى- لنا الدلالةَ على الذين عُنوا منهم في كتابه، ولا على لسان رسوله ﷺ». وساق ابنُ عطية (٧‏/‏٥٤٤) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «وإنما قصدوا إلى مَن عظُم ذكره بالسِّنِّ والقِدم، وإلا فرسول الله ﷺ كان حينئذٍ أعظمَ مِن هؤلاء، لكن لما عظُم أولئك قبل مدة النبي ﷺ وفي صباه استمر ذلك لهم». وساق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣١٠) الأقوال، ثم علَّق بقوله: «والظاهر: أنّ مرادهم رجلٌ كبيرٌ مِن أي البلدتين كان»

اختلف في معنى قوله: ﴿لرادك إلى معاد﴾ على أقوال: الأول: لرادك إلى الموت. الثاني: لرادك إلى مكة موضع ولادتك. الثالث: لرادك إلى مكة بالفتح. الرابع: لرادك إلى القيامة بالبعث. الخامس: لمصيرك إلى الجنة. السادس: بيت المقدس. ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٥١) القول الأول والثاني مستندًا إلى اللغة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: لرادك إلى عادتك من الموت، أو إلى عادتك حيث ولدت. وذلك أن المعاد في هذا الموضع»المفعل«من العادة، ليس من العود». ثم ذكر بأن القول الثاني يصح إن وجه «موجه تأويل قوله: ﴿لرادك﴾: لمصيرك، فيتوجه حينئذ قوله: ﴿إلى معاد﴾ إلى معنى العود، ويكون تأويله: إن الذي فرض عليك القرآن لمصيرك إلى أن تعود إلى مكة مفتوحة لك». وساق ابنُ عطية (٦‏/‏٦١٩) الأقوال، ثم قال: «والمعاد: الموضع الذي يعاد إليه. وقد اشتهر به يوم القيامة؛ لأنّه معاد الكل». وجمع ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٩١) بين الروايات الواردة عن ابن عباس بقوله: «ووجه الجمع بين هذه الأقوال أنّ ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجله ﷺ، كما فسره ابن عباس بسورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ أنه أجل رسول الله ﷺ نعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك، وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم. ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: ﴿لرادك إلى معاد﴾ بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الجن والإنس، ولأنه أكمل خلق الله، وأفصح خلق الله، وأشرف خلق الله على الإطلاق»

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٣٥٦) جملةً من الآثار الواردة في تفسير قوله: ﴿عرضها السموات والأرض﴾؛ كأثر عمر، وابن عباس، وغيرهما، ثُمَّ عَلَّق بقوله: «فهذه الآثار كلُّها هي في طريق واحد مِن أنّ قدرة الله تَتَّسِعُ لهذا كله». وزاد إلى ما ورد في أقوال السلف قولين آخرين، فقال: «وقال قوم: قوله تعالى:﴿عرضها السماوات والأرض﴾ معناه: كعرض السماوات والأرض، كما هي طباقًا، لا بأن تقرن كبسط الثياب، فالجنة في السماء، وعرضها كعرضها وعرض ما وراءها من الأرضين إلى السابعة، وهذه الدلالة على العِظَم أغنت عن ذكر الطول. وقال قوم: الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة، فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى، حسُنت العبارة عنها بعرضها السماوات والأرض، كما تقول لرجل: هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان: هذا جبل، ولم تقصد الآية تحديد العرض». ثم قال: «وجلب مكي هذا القول غير ملخص، وأدخل حجة عليه قول العرب: أرض عريضة. وليس قولهم: أرض عريضة، مثل قوله:﴿عرضها السماوات والأرض﴾ إلا في دلالة ذكر العرض على الطول فقط، وكذلك فعل النقاش»

اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأَوّابِينَ غَفُورًا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هم المسبِّحون. الثاني: هم المطيعون المحسنون. الثالث: هم الذين يُصلُّون بيْن المغرب والعشاء. الرابع: هم الذين يُصلُّون الضُّحى. الخامس: هو الراجع من ذَنبه، التّائب منه. وزاد ابنُ عطية (٥‏/‏٤٦٤) على هذه الأقوال قولًا عن فرقة: أنهم المصلحون. ثم جمع (٥‏/‏٤٦٥) بيْن هذه الأقوال بقوله: «وحقيقة اللفظة أنه مِن آبَ يَؤُوبُ: إذا رَجَع، وهؤلاء كلهم لهم رجوع إلى طاعة الله -تبارك وتعالى-، ولكنها لفظة لزم عرفها أهل الصلاح». ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٦٢) مستندًا إلى لغة العرب القول الخامس، وهو قول ابن عباس من طريق عطية وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الأوّاب إنما هو فعّال، مِن قول القائل: آبَ فلانٌ مِن كذا، إمّا مِن سَفَره إلى منزله، أو من حالٍ إلى حالٍ». ووافقه ابنُ كثير (٨‏/‏٤٧٣)، وعلَّل ذلك باللغة، والنظائر، فقال: «لأن الأوّاب مشتقٌّ من الأوب، وهو: الرجوع، يقال: آب فلان: إذا رجع، قال الله تعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥]، وفي الحديث الصحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون»»