اختلف أهل التأويل في معنى: الحكمة التي ذكرها الله في هذا الموضع على قولين: أحدهما: السُّنَّة. والآخر: المعرفة بالدين، والفقه فيه. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٧٧) إلى الأوّل مُستندًا إلى اللغة، وأقوالِ السّلفِ، فقال: «الصواب من القول عندنا في الحكمة: أنّها العلم بأحكام الله التي لا يُدْرَك علمها إلا ببيان الرسول ﷺ، والمعرفة بها، وما دلَّ عليه ذلك من نظائره، وهو عندي مأخوذ من الحُكْم الذي بمعنى الفَصْل بين الحق والباطل، بمنزلة: الجِلسة والقِعدة، من: الجلوس والقعود، يُقال منه: إن فلانًا لَحَكيم بَيِّن الحكمة، يعني به: إنّه لبَيِّن الإصابة في القول والفعل، وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابَك الذي تنزله عليهم، وفَصْلِ قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها». ووافقَهَ ابن كثير (٢‏/‏٩٧)، وقال: «والحكمة، يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة»

قال ابنُ عطية (٢‏/‏٢١٢) بعد ذِكْرِه لِمَن جعل حَصْرَ يحيى عليه السلام لأنّه لم يكن له إلا مِثْلُ الهُدْبَة، ومَن علَّله بكونه عِنِّينًا لا يأتي النساء، ونقله لقول ثالث يقول بأنّ حصر يحيى كان بمجاهدته نفسَه، وأنّه كانت به القدرة على إتيان النساء: «قالوا: وهذا أمدحُ له، وليس له في التأويلين الأوَّلَيْن مدحٌ، إلا بأنّ الله يسَّر له شيئًا لا تَكَسُّب له فيه». ورجَّح ابنُ كثير (٣‏/‏٥٧) أنّ مدح يحيى عليه السلام بأنّه حصور ليس معناه: أنّه لا يأتي النساء، بل معناه: أنّه معصومٌ عن الفواحش والقاذورات؛ مستنِدًا إلى دلالة عقْلِيَّة، وذلك أنّ عدم القدرة على النِّكاح نَقْصٌ، ثُمَّ قال بعد ذلك: «ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانِهِنَّ، وإيلادِهِنَّ، بل قد يُفْهم وجود النسل له من دُعاء زكريا المتقدم؛ حيث قال: ﴿هب لي من لدنك ذرية طيبة﴾. كأنه قال: ولدًا له ذُرِّيَّةٌ ونَسْلٌ وعَقِب»

علَّقَ ابنُ كثير (٣‏/‏٣٤٩) على هذه الآثار بقوله: «ومضمون كلامهم: أنّ الرجل يجب عليه دفعُ الصَّداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طَيِّبَ النفس بذلك كما يمنح المنيحة ويُعْطِي النِّحْلَة طيِّبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأةَ صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعدَ تسميته، أو عن شيءٍ منه فليأكله حلالًا طيبًا، ولهذا قال: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾». ووجَّه ذلك ابنُ عطية (٢‏/‏٤٦٩)، فقال: «وقيل: ﴿نحلة﴾ معناه: شِرْعَةً، مأخوذ من النحل، تقول: فلان ينتحل دين كذا. وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء، ويَتَّجِهُ مع سواه، ونصبها على أنّها مِن الأزواج بإضمار فِعْلٍ من لفظها، تقديره: انحلوهن نحلة. ويجوز أن يعمل الفعل الظاهر وإن كان من غير اللفظ؛ لأنّه مناسب للنحلة في المعنى، ونصبها على أنها من الله عز وجل بإضمار فعل مُقَدَّرٍ مِن اللفظ، لا يصح غير ذلك، وعلى أنها شريعة هي أيضًا من الله»

انتَقَد ابنُ عطية (٣‏/‏٣١) هذا القول مستندًا إلى دلالة العقل، والسنة، فقال: «وفي هذا ضعف، ولا تقتضي هذه القصة أن يُسَمّى بذلك اسمًا غالبًا، وإنما هو شيء شرّفه الله به كما شرَّف محمدًا ﷺ، فقد صح في كتاب مسلم وغيره: أنّ الله اتخذه خليلًا». وانتقده ابنُ كثير (٣‏/‏٢٩٢-٢٩٣) مستندًا لعدم الجزم بصحة القصة، ودلالة السنة، فقال: «وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، وإنّما سُمِّي خليل الله لشدة محبة ربه عز وجل له، لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها قال: «أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله»»

بيَّن ابنُ جرير (٨‏/‏٥١٢) أنّ الآية نزلت في قول للمنافقين بدلالة أقوال السلف، وجائزٌ أن تكون نازلة في عبد الله بن أُبي، أو في غيره، لعموم الآية له ولغيره دون تخصيص، كما أفاد قول قتادة بن دعامة من طريق سعيد ومن وافقه، قال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ ذلك من الله خبرٌ عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى، ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر، إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة، فيكون بنا إليهم حاجة. وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين». وبنحوه ابن عطية (٣‏/‏١٩٢)، حيث قال: «وقوله تعالى: ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ لفظ محفوظ عن عبد الله بن أبي، ولا محالة أنّه قال بقوله منافقون كثير، والآية تعطي ذلك»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿ثقلت في السموات والارض لا تأتيكم إلا بغتة﴾ على أقوال: الأول: ثقلت الساعة على أهل السموات والأرض أن يعرفوا وقتها ومجيئها؛ لخفائها عنهم، واستئثار الله بعلمها. الثاني: أنها كبرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض. الثالث: معنى قوله: ﴿في السموات والأرض﴾ على السموات والأرض. ورجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٦٠٩-٦١٠) القولَ الأول الذي قاله السدي، وقتادة من طريق معمر مستندًا إلى السياق، فقال: «لأنّ الله أخفى ذلك عن خلقه، فلم يطلع عليه منهم أحدًا. وذلك أنّ الله أخبر بذلك بعد قوله: ﴿قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾. وأخبر بعده أنّها لا تأتي إلا بغتة، فالذي هو أوْلى أن يكون ما بين ذلك أيضًا خبرًا عن خفاء علمها عن الخلق؛ إذ كان ما قبله وما بعده كذلك». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٦‏/‏٤٧٠) مستندًا إلى السياق، وذلك لقوله تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾. ثم قال: «ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السماوات والأرض»

ساق ابنُ عطية (٥‏/‏١١١) ما أفادته هذه الآثار، ثم علّق بقوله: «وفي ذلك قصص طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن وجيزة». وذكر (٥‏/‏١١٢) أنه رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «كان يوسف يلقي حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب، فيطِنُّ، فيقول لهم: إنّ هذا الإناء يخبرني أن لكم أبا شيخًا». ثم علّق بقوله: «كأنها حيلة وإيهام لهم». وبيّن أنّ الظاهر أنّ كل ما فعله يوسف معهم أنّه بوحي وأمْر، وإلا فكان بِرُّ يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه، لكن الله تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل أجر يعقوب ومحنته، وتتفسر الرؤيا الأولى. وذكر ابنُ كثير (٨‏/‏٥٤) أنّ ما ذكره بعض المفسرين من أنّه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي الثالثة بكذا، وفي الرابعة بكذا، حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعدما تملك عليهم جميع ما يملكون، ثم أعتقهم وردَّ عليهم أموالهم كلها؛ أنه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب

ذكر ابن عطية (٥‏/‏٣٣٧) أن «المَخْرَ في اللغة: الصوت الذي يكون من هبوب الرِّيح على شيءٍ يُشَقُّ، أو يصحب في الجملة الماء. فيترتب منه أن يكون»المَخْرَ«من الريح، وأن يكون من السفينة ونحوها، وهو في هذه الآية من السفن. ثم نقل عن»بعض اللغويين أن «المَخْر» في كلام العرب: الشَّقُّ، يقال: مَخَرَ الماء في الأرض«. ثم علَّق بقوله:»فهذا بيِّنٌ أن يقال فيه للفلك: مواخر«. ونقل أيضًا قول الضحاك، وقول الحسن من طريق يزيد بن إبراهيم، وقتادة، ومقاتل، أن ﴿مَواخِرَ﴾ معناه: تجيء وتذهب بريح واحدة، ثم علَّق على ما سبق بقوله:»وهذه الأقوال ليست تفسيرًا لِلَّفظة، وإنما أرادوا بها أنها مواخر لهذه الأحوال، فنَصُّوا على هذه الأحوال، إذ هي موضع النعم المعدودة، إذ نَفْس كون الفلك ماخرة لا نعمة فيه، وإنما النعمة في مخرها بهذه الأحوال في التجارات، والسفر فيها، وما يمنح الله فيها من الأرباح والمِنَن"". وذكر ابنُ كثير (٨‏/‏٢٩٩ بتصرف) «أن السفن تمخر البحر، أي: تشقه، وقيل: تمخر الرياح، ». ثم علَّق عليهما بقوله: «وكلاهما صحيح»

قال ابنُ عطية (٥/ ٣٩٨): «قوله: ﴿لكل شيء﴾، أي: مما نحتاج في الشرع، ولا بد منه في المِلَّة، كالحلال والحرام، والدعاء إلى الله والتخويف من عذابه، وهذا حصر ما اقتضته عبارات المفسرين». وقال ابن كثير (٨‏/‏٣٤٣): «ووجه اقتران قوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب﴾ مع قوله: ﴿وجئنا بك شهيدا على هؤلاء﴾ أن المراد -والله أعلم-: أنّ الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم القيامة، ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين﴾ [الأعراف:٦]، ﴿فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر:٩٢-٩٣]، ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾ [المائدة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [القصص:٨٥]، أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه، ومعيدك يوم القيامة، وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو متجه حسن»

ذَهَبَ ابنُ كثير (١١‏/‏٢٤٠) إلى أنّ الآية عامَّة مستندًا إلى ظاهر الآية، وما ورد في السنة، فقال: «الظاهر: أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومَن آذاه فقد آذى الله، كما أنّ من أطاعه فقد أطاع الله، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل المزني، قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمَن أحبهم فبُحِبِّي أحبهم، ومَن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله، ومَن آذى الله يوشك أن يأخذه»». وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٣٣٨): «ليس أذاه -سبحانه- مِن جنس الأذى الحاصل للمخلوقين، كما أنّ سخطه وغضبه وكراهته ليست مِن جنس ما للمخلوقين»