اختلف السلف في مدة الحين على أقوال: الأول: أن نهايته الموت. الثاني: نهايته يوم بدر. الثالث: أن نهايته القيامة. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/١٥٢) التعميم لدلالة اللغة والعموم في ذلك، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله أعلم المشركين المكذبين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين، مِن غير حَدٍّ منه لذلك الحين بحَدٍّ، وقد علم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلى ظهور حقيقته، ووضوح صحته في الدنيا، ومنهم مَن علم حقيقة ذلك بهلاكه ببدر وقبل ذلك، ولا حدَّ عند العرب للحين، لا يجاوز ولا يقصر عنه؛ فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فيه أصحُّ مِن أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت». واستدل بقول عكرمة من طريق أيوب. وذكر ابنُ كثير (٧/٨٣) القول الأول والثالث، ثم علّق قائلًا: «يعني: يوم القيامة، ولا منافاة بين القولين؛ فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة»
ذكر ابنُ كثير (١٢/١٦٦-١٦٧) أن من قالوا بهذا القول احتجوا لقولهم بقول الشاعر:يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْح شاجِر فَهَلا تَلا حم قَبْل التَّقَدُّمثم ساق حديث المهلّب بن أبي صُفرة -الوارد في الآثار المتعلقة بالآية-، ثم علَّق بقوله: «وهذا إسناد صحيح». وذكر ابن جرير (٢٠/٢٧٥-٢٧٦) هذا البيت تحت قول مَن قال: إن ﴿حم﴾ اسم. ثم قال: «وحُدِّثت عن معمر بن المثنى، أنه قال: قال يونس -يعني: الجرمي-: ومَن قال هذا القول فهو منكر عليه؛ لأنّ السورة ﴿حم﴾ ساكنة الحروف، فخَرجت مخرج التهجي، وهذه أسماء سور خرجت متحركات، وإذا سُميت سورة بشيء من هذه الأحرف المجزومة دخله الإعراب. والقول في ذلك عندي نظير القول في أخواتها، وقد بينا ذلك، في قوله: ﴿الم﴾ [البقرة:١]، ففي ذلك كفاية عن إعادته في هذا الموضع، إذ كان القول في ﴿حم﴾ وجميع ما جاء في القرآن على هذا الوجه، أعني: حروف التهجي قولًا واحدًا»
قال ابنُ كثير (١٣/٥٢١): «قوله تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ هذه الآية هي التي حَرّمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإسلام أن يتزوّج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي ﷺ زينب رضي الله عنها، قد كانت مُسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقِلادة لها كانت لأُمّها خديجة، فلمّا رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رِقّة شديدة، وقال للمسلمين: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا». ففعلوا، فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفّى له بذلك، وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة رضي الله عنهما، فأقامت بالمدينة مِن بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين، إلى أنْ أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمانٍ، فردَّها عليه بالنكاح الأول، ولم يُحدث لها صداقًا»
قال ابن عطية (٨/٣٣٦-٣٣٧): «لا خلاف بين العلماء أنّ السموات سبع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سبع سموات طباقًا﴾ [الملك:٣]، وقد فسّر رسول الله ﷺ أمرهن في حديث الإسراء، وقال ﷺ لسعد رضي الله عنهما: «حكَمتَ بحكم المَلك من فوق سبع أرقعة». ونطقت بذلك الشريعة في غير ما موضع. وأما»الأرض«فالجمهور على أنها سبع أرضين، وهو ظاهر هذه الآية، وأن المماثلة إنما هي في العدد، ويُستدل بقول رسول الله ﷺ: «مَن غصب شبرًا من أرض طُوّقه من سبع أرضين». إلى غير هذا مما وردت به روايات، ورُوي عن قوم من العلماء أنهم قالوا: الأرض واحدة، وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ارتفاع جِرمها، وفي أن فيها عالمًا يعبُد كما في كل سماء عالم يعبُد». وقال ابنُ كثير (١٤/٤٤): «ومن حمل ذلك على سبعة أقاليم فقد أبعد النّجعة، وأغرق في النزع، وخالف القرآن والحديث بلا مستند»
رجَّح ابنُ جرير (١/٦٢٣-٦٢٥)، وابنُ عطية (١/٢٠١-٢٠٢)، وابنُ كثير (١/٣٩١-٣٩٣) استنادًا إلى النظائر، ولغة العرب، وأقوال السلف ما أفادته الآثار هنا بكون الظن في هذه الآية بمعنى اليقين. وذكر ابنُ عطية أن هذا هو قول الجمهور. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وقوله تعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠]، وبما ورد في الحديث: أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: «ألم أزوِّجْك، ألم أكرِمْك، ألم أُسخِّر لك الخيل والإبل، وأَذَرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول الله تعالى: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني». ونقل ابنُ عطية عن المهدوي وغيره قوله: «إنّ الظن هنا يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين». ثم انتقده مستندًا إلى كلام العرب قائلًا: ""وهذا تعسُّفٌ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشكُّ مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر: أظن هذا إنسانًا، وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد كهذه الآية، وكقوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وكقول دريد بن الصمة:فقلت لهم: ظُنُّوا بألفي مدجَّج سراتُهُمُ بالفارسي المُسَرَّد""
هل في المال حقّ واجب سوى الزكاة؟ في هذه المسألة قولان لأهل العلم، ذكرهما ابنُ جرير (٣/٨٤-٨٥). وذَهبَ في ظاهر كلامه إلى أنّ فيه حقوقًا تجبُ غير الزكاة استنادًا إلى السياق، وقول أهل التأويل، حيث ذكر أول الآية ﴿وآتى المال على حُبّه﴾، ثم قال: «﴿وآتى الزكاة﴾، فلكلّ مالٍ منهما حكمٌ يخصّه، وكلاهما مذكورٌ في سياق ما أوجبه الله على أهل الإيمان». وقال ابنُ كثير (٢/١٦٠-١٦١ بتصرف): «قوله: ﴿وآتى الزكاة﴾ يحتمل أن يكون المراد به: زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، ويحتمل أن يكون المراد: زكاة المال، ويكون المذكور في قوله: ﴿وآتى المال على حبه﴾ إنما هو التطوع والبِرُّ والصِّلَة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إنّ في المال حَقًّا سوى الزكاة». وذَهَبَ ابنُ عطية (١/٤٢١) إلى نحو ما ذكره ابنُ جرير مُسْتَنِدًا إلى السياق، فقال: «وذِكْرُ الزكاة هنا دليلٌ على أنّ ما تقدم ليس بالزكاة المفروضة». وذَهَبَ ابنُ تيمية (١/٤١٢) إلى أنّ في المال حقوقًا سوى الزكاة، بها كمال البر، استنادًا إلى السياق، فقال: «وهذه الخصالُ المذكورة في الآية قد دلَّت على وجوبها؛ لأنه أخبر أنّ أهلها هم الذين صَدَقوا في قولهم، وهم المتقون، والصِّدق واجب، والإيمان واجب، ففيها إيجاب حقوق سوى الزكاة»
اختُلِف في معنى قوله: ﴿يسألونك كانك حفي عنها﴾؛ فقال بعضهم: يسألونك عنها كأنك حفي بهم. فمعنى: ﴿عنها﴾ التقديم وإن كان مؤخرًا. وقال آخرون: كأنك استحفيت المسألة عنها فعلمتها. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٦١٤) القول الثاني الذي قاله ابنُ عباس من طريق علي، ومجاهد، والضحاك، وابن زيد، مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: كأنّك حفيٌّ بالمسألة عنها فتعلمها». ثم قال: «فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿حفي عنها﴾ ولم يقل: حفي بها، إن كان ذلك تأويل الكلام؟ قيل: إنّ ذلك قيل كذلك؛ لأنّ الحفاوة إنما تكون في المسألة، وهي البشاشة للمسئول عند المسألة، والإكثار من السؤال عنه، والسؤال يوصل بـ»عن«مرة وبـ»الباء«مرة، فيقال: سألت عنه، وسألت به. فلما وضع قوله ﴿حفي﴾ موضع السؤال وصل بأغلب الحرفين اللذين يوصل بهما السؤال، وهو»عن""، كما قال الشاعر:سؤال حفي عن أخيه كأنه... يذكره وسنان أو متواسن"". وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٦/٤٧١)، ولم يذكر مستندًا. ووجَّه ابنُ جرير القول الثاني بقوله: «فوجَّه هؤلاء تأويلَ قوله: ﴿كأنك حفي عنها﴾، أي: حفيٌّ بها، وقالوا: تقول العرب: تحفيت له في المسألة، وتحفيت عنه. قالوا: ولذلك قيل: أتينا فلانًا نسأل به، بمعنى: نسأل عنه»
اختُلِف في معنى قوله: ﴿وجعلنا بينهم موبقا﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: وجعلنا فعْلهم ذلك لهم مهلكًا. والثاني: وجعلنا بين هؤلاء المشركين وما كانوا يدعون من دون الله شركاء في الدنيا يومئذ عداوة. والثالث: هو اسم وادٍ في جهنم. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٢٩٨) مستندًا إلى اللغة، والنظائر القول الأول الذي قاله ابن عباس، وقتادة من طريق معمر، وابن زيد، والضحاك، وعرفجة، فقال: «وذلك أنّ العرب تقول في كلامها: قد أوبقت فلانًا: إذا أهلكته. ومنه قول الله عز وجل: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾ [الشورى:٣٤]، بمعنى: يُهلكهن. ويقال للمهلك نفسه: قد وبَق فلان فهو يَوبَق وبقًا». ثم قال: «وجائز أن يكون ذلك المهلك الذي جعل الله -جل ثناؤه- بين هؤلاء المشركين هو الوادي الذي ذكر عن عبد الله بن عمرو، وجائز أن يكون العداوة التي قالها الحسن». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٩/١٥٧) مستندًا إلى السياق، فقال: «والظاهر من السياق هاهنا: أنّه المهلك، ويجوز أن يكون واديًا في جهنم أو غيره، إلا أن الله تعالى أخبر أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير». وذكر ابنُ عطية (٥/٦٢٢) قولًا بأن قوله: ﴿موبقا﴾ معناه: وعيدًا. وانتقده بقوله: «وهذا ضعيف»
اختُلِف في معنى قوله: ﴿تمنى﴾؛ فقال قوم: مِن الأُمنية، وذلك أن رسول الله ﷺ تمنى يومًا أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومُه، فألقى الشيطان على لسانه لِما كان قد تمناه. وقال آخرون: تمنّى: تلا وقرأ. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٦١٠) مستندًا إلى ظاهر الآية القولَ الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق علي، ومجاهد، والضحاك، ومَن وافقهم، فقال: «وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ على ذلك؛ لأن الآيات التي أخبر الله -جلّ ثناؤه- أنه يُحْكِمها لا شكَّ أنها آيات تنزيله، فمعلومٌ أن الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله -تعالى ذِكْرُه- أنّه نسخ ذلك منه وأبطله، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه». وكذا رجَّحه (٤/٤٣٨) ابنُ تيمية مستندًا إلى ظاهر القرآن، فقال: «وهو ظاهر القرآن، ومراد الآية قطعًا؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾، وهذا كله لا يكون في مجرد القلب إذا لم يتكلم به النبيُّ». وذكر ابنُ عطية (٦/٢٦٣) أنّ مَن قالوا بالقول الثاني تأولوا قوله: ﴿إلا أماني﴾ [البقرة:٧٨]، أي: إلا تلاوة. وذكر ابنُ كثير (١٠/٨٦) أن القول الثاني قول أكثر المفسرين
اختُلف في معنى: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ على قولين: الأول: والنهار إذا بيَّن الشمس. الثاني: إذا جلّاها الرّبّ -تبارك وتعالى- من ظُلمة الليل. ونقل ابنُ جرير (٢٤/٤٣٧) قولًا عن بعض أهل العربية، فقال: «وكان بعض أهل العربية يتأوَّل ذلك بمعنى: والنهار إذا جلّى الظُّلمة، ويجعل الهاء والألف من ﴿جَلاها﴾ كنايةً عن الظُّلمة، ويقول: إنما جاز الكناية عنها ولم يَجْرِ لها ذِكْرٌ قبل لأنّ معناها معروف، كما يُعرَف معنى قول القائل: أصبحت باردة، وأمست باردة، وهبَّت شمالًا. فكنّى عن مؤنَّثاتٍ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ، إذ كان معروفًا معناهُنَّ». ثم رجَّح القول الأول -مستندًا إلى أقوال السلف- وهو قول ابن عباس، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنهم أعلم بذلك، وإن كان للذي قاله مَن ذكرنا قوله من أهل العربية وجْهٌ». واستدرك عليه ابنُ كثير (١٤/٣٦٥) -مستندًا إلى السياق، والنظائر- قائلًا: «ولو أنّ هذا القائل تأوّل ذلك بمعنى ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ أي: البسيطة، لكان أولى، ويصح تأويله في قوله: ﴿والليل إذا يغشاها﴾ [الشمس:٤]، فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: ﴿والنهار إذا جلاها﴾ إنه كقوله: ﴿والنهار إذا تجلى﴾ [الليل:٢]». وذكر ابنُ عطية (٨/٦٢٨) لمرجع الضمير في الآية احتمالين، فقال: «والضمير في ﴿جَلّاها﴾ يحتمل أن يعود على الشَّمْسِ، ويحتمل أن يعود على الأرض وعلى الظُّلمة، وإن كان لم يجئ لذلك ذكر فالمعنى يقتضيه. قاله الزَّجّاج»