بيَّن ابنُ جرير (٦‏/‏٥٣٩-٥٤٠ بتصرف) معنى الآية استنادًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني -جل ثناؤه- بقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾: وإن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأةٍ مكان امرأة لكم تطلقونها، ﴿وآتيتم إحداهن﴾ يقول: وقد أعطيتم التي تريدون طلاقها من المهر ﴿قنطارًا﴾ والقنطار: المال الكثير؛ ﴿فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ يقول: فلا تضرُّوا بهن إذا أردتم طلاقهنَّ؛ ليفتدين منكم بما آتيتموهن»

انْتَقَدَ ابنُ تيمية (٢‏/‏٤٠٢) مستندًا إلى دلالة التاريخ القولَ بنزول الآية يوم غدير خم، فقال: «قد ثبت في الصحاح والمساند والتفسير أنّ هذه الآية نزلت على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة، وهذا مستفيض من وجوه، وهو منقول في كتب المسلمين: الصحاح، والمساند، والجوامع، والسير، والتفسير، وغير ذلك. وهذا اليوم كان قبل يوم غدير خم بتسعة أيام؛ فإنه كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، فكيف يقال: إنها نزلت يوم الغدير؟!»

علَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٣٥٦ بتصرف) على قول مجاهد وقتادة بقوله: «وقال مجاهد وقتادة: ﴿والمَوْتى﴾ يريد: الكفار، أي: هم بمثابة الموتى حين لا يرون هدًى، ولا يسمعون فيعون. وقرأت هذه الطائفة: ﴿يرجعون﴾ بياء، والواو على هذا عاطفة جملة كلام على جملة، ﴿والمَوْتى﴾ مبتدأ، و﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ خبره، فكأنّ معنى الآية: إنّما يستجيب الذين يسمعون فيَعُون، والكفار سيبعثهم الله ويردهم إلى عقابه، فالآية على هذا متضمنة الوعيد للكفار، والعائد على الَّذِينَ هو الضمير في ﴿يَسْمَعُونَ﴾»

نقل ابنُ عطية (٣‏/‏٤٣٧) في نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «وسببها: أنّ كفار قريش قالوا لأبي طالب: إمّا أن ينتهي محمد وأصحابه عن سبِّ آلهتنا والغضِّ منها، وإمّا نسُبَّ إلهه ونهجوه. فنزلت الآية». ثم علَّق بقوله: «وحكمها على كل حالٍ باقٍ في الأُمَّة، فمتى كان الكافر في مَنَعة، وخيف أن يَسُبَّ الإسلام أو النبي ﷺ والله عز وجل؛ فلا يَحِلُّ للمسلم أن يسب دينهم، ولا صلبانهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك أو نحوه»

علَّقَ ابن كثير (٧‏/‏٧) على هذا الأثر، بقوله: «هذا يقتضي أنه فسَّر الأنفال بالفيء، وهو ما أخذ من الكفار بغير قتال». وعلَّقَ ابن عطية (٤‏/‏١٣٠) على هذا القول، وقول ابن عباس السابق -من طريق عطية العوفي- قائلًا: «هذان القولان لا تخرج بهما الآية عن الأسباب التي رويت في يوم بدر، ولا تختص الآية بيوم بدر على هذا، وكأن هاتين المقالتين إنما هي فيما ناله الجيش دون قتال، وبعد تمام الحرب وارتفاع الخوف»

قال ابنُ عطية (٥‏/‏٤١٧): «وظاهر الآية أن كل نفس تُجادِلُ؛ مؤمنة كانت أو كافرة، فإذا جادل الكفار بكذبهم وجحدهم للكفر شهدت عليهم الجوارح والرسل وغير ذلك بحسب الطوائف، فحينئذ لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فتجتمع آيات القرآن باختلاف المواطن». ثم ذكر قولًا آخر، وانتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وقالت فرقة: الجدال: قول كل أحد من الأنبياء وغيرهم: نفسي نفسي، وهذا ليس بجدال ولا احتجاج إنما هو مجرد رغبة»

قال ابنُ عطية (٥‏/‏٤٤٨): «وقالت فرقة: معنى هذه الآية: معاتبة الناس على أنهم إذا نالهم شرٌّ وضرعوا وألحُّوا في الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير ويلزمه الكل، من ذكر الله وحمده والرغبة إليه، لكن الإنسان يقصر حينئذ، فإذا مسه الضُّرُّ ألحَّ واستعجل الفرج. فالآية على هذا نحو قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾ [يونس:١٢]»

ذكر ابنُ جرير (١٥‏/‏٤٠٨) القراءات المختلفة في الآية، ثم رجّح هذه القراءة بقوله: «والفتح في الصاد والدال أشهر هذه اللغات، والقراءة بها أعجب إلَيَّ، وإن كنت مستجيزًا القراءة بجميعها لاتِّفاق معانيها. وإنما اخترت الفتح فيهما لما ذكرت من العلة». وقال ابنُ عطية (٥‏/‏٦٦٢) عَقِب ذكره القراءات المختلفة في الآية: «وكل ذلك بمعنًى واحد: هما الجبلان المتناوحان، وقيل: الصدفان: السطحان الأعليان مِن الجبلين. وهذا نحو مِن الأول»

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٥٠) الأقوال الواردة، ثم قال: «والآية إنّما المقصد بها الإشعارُ بمُلْكِ الله تعالى لملائكته، وأنّ قليلَ تصرِّفهم وكثيرَه إنما هو بأمره، وانتقالهم مِن مكان إلى مكان إنما هو لخدمته؛ إذ الأمكنة له، وهُم له، فلو ذهب بالآية إلى أنّ المراد بما بين الأيدي وما خلف الأمْكنة التي تصرفهم فيها، وأن المراد بما بين ذلك هم أنفسهم ومقاماتهم؛ لكان وجهًا، كأنه قال: نحن مقيّدون بالقدرة، لا ننتقل ولا نتنزل إلا بأمر ربك»

اختُلف هل يكتب الملكان كل كلام أم لا؟ وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٠) أن القول بكتابتهما لكل كلام هو ظاهر الآية، ورجَّحه (٨‏/‏٤١) مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «والأول أصوب». وكذا رجَّحه ابنُ تيمية (٦‏/‏٩٤) مستندًا إلى اللغة، فقال: «وظاهر القرآن يدل على أنهما يكتبان الجميع؛ فإنه قال: ﴿ما يلفظ من قول﴾ نكرة في سياق الشرط مؤكدة بحرف ﴿من﴾؛ فهذا يعمّ كل قوله». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨٦)