قال ابن عطية (ط. دار الكتب العلمية ٤/٣٠٥): «هذه السورة مكية، إلا الصدر منها، العشر الآيات، فإنها مدنية، نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة، وفي هذا اختلاف، وهذا أصح ما قيل فيه»
نقل ابنُ عطية (٨/٦٩) عن مجاهد وواصل الأحدب قولهم في معنى الآية: «أراد القضاء والقدر». ووجَّهه بقوله: «أي: الرزق عند الله تعالى، يأتي به كيف شاء، لا ربَّ غيره»
قال ابنُ جرير (٢١/٥٤٣) في تفسير الآية: «وقوله: ﴿وما كانوا منتصرين﴾ يقول: وما كانوا قادرين على أن يستقيدوا مِمَّن أحلّ بهم العقوبة التي حلّتْ بهم». ثم ذكر قول قتادة ولم يعلّق عليه
قال ابنُ عطية (٨/٢٨٣): «هذه الآية كلها قد ارتفع حكمها، ثم ندب تعالى إلى التقوى وأوجبها، وذكر العلة التي بها يجب التقوى، وهي الإيمان بالله والتصديق بوحدانيته وصفاته وعقابه وإنعامه»
انتقد ابنُ عطية (٨/٣٧٥) هذا القول مستندًا لظاهر الآية، فقال: «وهذا يردّ عليه قولهم: ﴿سبحان ربنا﴾. فبادر القوم، وتابوا عند ذلك، وسبّحوا، واعترفوا بظُلمهم في اعتقادهم منع الفقراء»
قال ابنُ عطية (٨/٥١١): «قوله تعالى: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ يؤيّد أنّ الآية كلّها في قريش، والحديث الذي يقتضيه الضمير في ﴿بعده﴾ هو القرآن، وهذا توقيف وتوبيخ»
علَّق ابنُ عطية (٨/٦٤٥) على حديث أبي سعيد الخدري، وقول مجاهد، والحسن، وقتادة بقوله: «وهذا متَّجه، إلا أنّ الآية نزلت بمكة قديمًا، والأذان شُرِع بالمدينة»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٤٥٠) هذا الحديث عقب تفسير هذه الآية، ثم قال معلقًا: «ومعنى هذا: أنهم مُقصِّرون في شُكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومَن لا يقوم بحقّ ما وجب عليه فهو مغبون»
اختلف السلف في هذه الآية أمحكمة هي أم منسوخة على قولين: الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة:١٩١]. الثاني: أنها محكمة. وقال أصحاب هذا القول: إنّ قتْل الأسير غير جائز، وإنما يجوز المنّ عليه والفداء. وقد ذكر ابنُ جرير (٢١/١٨٧ بتصرف) القولين، ثم رجّح -مستندًا إلى عدم التعارض، وإلى السنة- أنها محكمة، فقال: «وذلك أنّ صفة الناسخ والمنسوخ أنّه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حالٍ واحدة، أو ما قامت الحجة بأنّ أحدهما ناسخ الآخر، وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المنّ والفداء والقتْل إلى الرسول ﷺ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتْل مذكورًا في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتْلهم في آية أخرى، وذلك قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ الآية [التوبة:٥]، بل ذلك كذلك؛ لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرًا في يده من أهل الحرب، فيقتل بعضًا، ويفادي ببعض، ويمُن على بعض، مثل يوم بدر قتَل عُقبة بن أبي مُعَيْط وقد أُتي به أسيرًا، وقتَل بني قريظة وقد نزلوا على حكم سعد، وصاروا في يده سلمًا، وهو على فدائهم والمنّ عليهم قادر، وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أُسروا ببدر، ومَنَّ على ثُمامة بن أُثال الحنفي وهو أسير في يده، ولم يزل ذلك ثابتًا من سِيَره في أهل الحرب مِن لدُن أذن الله له بحربهم إلى أن قبضه إليه ﷺ دائمًا ذلك فيهم، وإنما ذكر -جلَّ ثناؤه- في هذه الآية المنّ والفداء في الأسارى، فخصَّ ذكرهما فيها؛ لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدَّم في سائر آيِ تنزيله مكررًا، فأعلم نبيّه ﷺ بما ذكر في هذه الآية مِن المنِّ والفداء ما له فيهم مع القتل». وكذا رجّح ابنُ عطية (٧/٦٤٠) أن هذه الآية وقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥] محكمتان، فقال: «وعلى قول أكثر العلماء الآيتان محكمتان. وقوله هنا: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ بمثابة قوله هناك: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، وصرح هنا بذكر المنّ والفداء، ولم يصرّح به هناك، وهو أمر متقرر، وهذا هو القول القوي». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ كثير (١٣/٦٢) هذا الخلاف، ثم ذكر أثر سلمة بن نفيل -الآتي في الآثار المتعلقة بقوله تعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾-، وعلّق قائلًا:«وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى ألّا يبقى حرب»
عن ابن عباس -من طريق العوفي- قال: كان الناس أوّل ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه، حتى إذا أمسى طَعِم من الطعام فيما بينه وبين العَتَمَة، حتى إذا صُلّيتْ حَرُم عليهم الطعام حتى يُمْسِي من الليلة القابلة، وإنّ عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سَوَّلَتْ له نفسُه، فأتى أهلَه، ثم أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنِّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، فإنها زيّنت لي، فواقعتُ أهلي، هل تجدُ لي مِن رخصةٍ؟ قال: «لم تكن حقيقًا بذلك، يا عمر». فلما بلغ بيتَه أرسلَ إليه، فأنبأه بعُذْرِه في آية من القرآن، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة، فقال: ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ إلى قوله: ﴿تختانون أنفسكم﴾. يعني بذلك: الذي فعل عمر، فأنزل الله عفوه، فقال: ﴿فتاب عليكم﴾ إلى قوله: ﴿من الخيط الأسود﴾. فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح