وجّه ابنُ جرير (٢/٦٧٨) معنى الآية على هذه القراءة، فقال: «أنه موجه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمّى فاعله، ولو سمّي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة الله موليه إياها، بمعنى: مُوَجِّهه إليها». وقال ابنُ كثير (٢/١٢٢): «وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى مرجعكم جميعًا﴾ [المائدة:٤٨]»
نقل ابنُ عطية (٢/٢٠) في معنى الآية عن مجاهد وغيره قوله: «هي إشارة إلى محمد ﷺ؛ لأنه بُعث إلى الناس كافَّة، وأُعطي الخُمْس التي لم يُعطَها أحَدٌ قَبله، وهو أعظم الناس أمة، ، وختم الله به النُّبوات». ثم ذكر احتمالين آخرين: الأول: «أن يُراد به: محمدٌ وغيرُه ممن عَظُمَتْ آياتُه، ويكون الكلام تأكيدًا للأوَّل». والثاني: «أن يريد رفع إدريس المكان العليّ، ومراتب الأنبياء في السماء». ثم علَّق عليه بقوله: «فتكون الدرجات في المسافة، وبقى التفضيل مذكورًا في صدر الآية فقط»
وجّه ابن عطية (٢/٥٩٢-٥٩٣) معنى هذه الآية بحسب الاختلاف الوارد في روايات نزول الآيات السابقة، فقال: «قالت فرقة: هي في المنافقين الذين احتكموا إلى الطاغوت حسبما تقدم، فالمعنى: فكيف بهم إذا عاقبهم الله بهذه الذنوب بنقمة منه! ؟ ثم حلفوا إن أردنا بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه دون مر الحكم وتقصي الحق. وقالت فرقة: هي في المنافقين الذين طلبوا دم الذي قتله عمر، فالمعنى: فَكَيْفَ بهم إذا أصابَتْهُمْ مصيبة في قتل قريبهم ومثله من نقم الله تعالى»
ذكر ابنُ عطية (٣/٣٧٤) أنّ الضمير في ﴿به﴾ قد يعود على ﴿بينة﴾، أو الرب، أو القرآن، أو على ﴿ما﴾ ويكون المراد بها؛ إما الآيات المقترحة، أو العذاب. ورجَّح (٣/٣٧٤-٣٧٥) أن يكون المراد بها العذاب، وهو قول مقاتل، مستندًا إلى ظاهر القرآن، ونظائر المعنى فيه، فقال: «وهذا يترجح بوجهين: أحدهما من جهة المعنى: وذلك أن قوله: ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ يتضمن أنّكم واقعتم ما تستوجبون به العذاب، إلا أنه ليس عندي. والآخر من جهة اللفظ: وهو الاستعجال الذي لم يأتِ في القرآن استعجالهم إلا العذاب؛ لأن اقتراحهم بالآيات لم يكن باستعجال»
نقل ابن عطية (٣/٥١١) في معنى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ قولين: الأول: أن «المراد: وكم من أهل قرية، وحُذِف المضاف، وأُقِيم المضاف إليه مقام المضاف». الثاني: «إنما عبر بالقرية لأنها أعظم في العقوبة؛ إذ أهلك البشر وقريتهم، وقد بيَّن في آخر الآية بقوله سبحانه: ﴿أوْ هُمْ﴾ أنّ البشر داخلون في الهلاك». ثم وجَّهه بقوله: «فالآية -على هذا التأويل- تتضمن هلاكَ القرية وأهلَها جميعًا، وعلى التأويل الأول تتضمن هلاك الأهل»
قال ابنُ عطية (٤/٣٠٩بتصرف): «قال بعض الناس: كان الفَرْضُ بهذه الآية قد تَوَجَّه على الأعيان، ثم نُسِخَ ذلك بعدُ، وجُعِل فرض كفاية. وهذا الذي قالوه لم يُعْلَم قطُّ مِن شرع النبيِّ ﷺ أنّه ألزم الأمة جميعًا النفر، وإنما معنى الآية: الحضّ على قتالهم، والتحزّب عليهم، وجمع الكلمة. ثم قيَّدها بقوله: ﴿كما يقاتلونكم﴾ فبحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم، وأمّا الجهاد الذي يُنتَدب إليه فإنّما هو فرضٌ على الكفاية إذا قام به بعضُ الأمة سقط عن الغير»
قال ابنُ عطية (٣/٤١٤بتصرف): «ومعنى الريبة في هذه الآية: أمرٌ يعمُّ الغيظ والحنق، ويعمُّ اعتقاد صواب فعلهم، ونحو هذا مما يُؤَدِّي كله إلى الريبة في الإسلام، فمقصد الكلام: لا يزال هذا البنيان الذي هُدِم لهم يُبقي في قلوبهم حزازةً وأثرَ سوء. وبالشكِّ فَسَّر ابنُ عباس الرِّيبة هنا، وفَسَّرها السُّدِّيُّ بالكفر. ويحتمل أن يكون المعنى: لا يزالون مريبين بسبب بنائهم الذي اتضح فيه نفاقهم؟ وجملة هذا: أنّ الريبة في الآية تعمُّ معاني كثيرة، يأخذ كلُّ منافق منها بحسب قدْره من النفاق»
ذكر ابنُ عطية (٦/١١٦) اختلافا في المخاطب بقوله: ﴿يا بني إسرائيل قد أنجيناكم﴾ على قولين: الأول: أن الخطاب به وُجِّه لبني إسرائيل أيام موسى. الثاني: أن الخطاب به مُوَجَّه لمعاصري رسول الله ﷺ مِن بني إسرائيل. ورجّح ابنُ عطية مستندًا إلى ظاهر الآية القولَ الأول بقوله: «والمعنى الأول أظهر وأبين». وبيّن أن الآية على القول الثاني «تكون اعتراضًا في أثناء قصة موسى، القَصْدُ به: توبيخ هؤلاء الحضور؛ إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى»
علَّق ابنُ عطية (٦/٤٩٥ بتصرف) على هذا القول بقوله: «وهذا عندي على جهة المثال، أي: أهل الصنائع الخسيسة، لا أن هذه الصنائع المذكورة خُصَّت بهذا. ويظهر من الآية أن مراد قوم نوح بنسبة الرذيلة إلى المؤمنين تهجين أفعالهم، لا النظر في صنائعهم، ويدل على ذلك قول نوح: ﴿ما عِلْمِي﴾ الآية؛ لأنّ معنى كلامه: ليس في نظري وعلمي بأعمالهم ومعتقداتهم فائدة، إنما أقنع بظاهرهم، وأجتزئ به، ثم حسابهم على الله تعالى، وهذا نحو قول رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس...» الحديث بجملته»
نقل ابنُ عطية (٧/٧٤) عن ابن عباس أنّ السجود في قوله تعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا﴾ بمعنى: الركوع، ثم علَّق عليه بقوله: «وقد روي عن ابن جريج، ومجاهد: أنّ هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أُقِيمت الصلاة خرجوا من المسجد. فكأن الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضًا فمن مذهب ابن عباس أن القارئ للسجدة يركع، واستدل بقوله: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأَنابَ﴾ [ص:٢٤]»