اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ على أربعة أقوال: الأول: معناه: أعطى كل شيء زوجه مِن جنسه، ثم هداه لنكاحه. الثاني: أعطى كل شيء صورته، ثم هداه إلى معيشته ومطعمه ومشربه. الثالث: أعطى كلًّا ما يصلحه، ثم هداه له. الرابع: أنه هداهم إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٨١-٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وانتقد ما عداه، فقال: «لأنه -جلَّ ثناؤه- أخبر أنه أعطى كلَّ شيء خلقه، ولا يُعْطى المعطى نفسَه، بل إنما يعطى ما هو غيره؛ لأنّ العطية تقتضي المعطي والمعطى والعطية، ولا تكون العطية هي المُعْطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كل خلق بعض أجزائه؛ كان معلومًا أنه إذا قيل: أعطى الإنسان صورته إنما يعني: أنه أعطى بعض المعاني التي به مع غيره دعي إنسانًا، فكأن قائله قال: أعطى كل خلق نفسه. وليس ذلك إذا وُجِّه إليه الكلام بالمعروف من معاني العطية، وإن كان قد يحتمله الكلام. فإذا كان ذلك كذلك فالأصوب مِن معانيه أن يكون مُوَجَّهًا إلى أن كل شيء أعطاه ربه مثل خلقه، فزوجه به، ثم هداه لما بينا». ورجّح ابنُ عطية (٦/٩٩) القول الثاني مستندًا إلى العموم، ودلالة العقل بقوله: «وهذا القولُ أشرفُ معنًى، وأعمُّ في الموجودات». وأما ابنُ القيم فقد رجّح (٢/١٨١ بتصرف) القول الثالث مستندًا إلى النظائر، فقال: «وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه. وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين؛ فيكون نظير قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى:٣]»
ذكر ابنُ عطية (٦/٣٩٥-٣٩٦) في قوله: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ قولين: الأول: أنّ هذا الرجل المقدَّر في هذه الأحوال لم يرَ يده البتة. كما أفاده قول مقاتل. الثاني: أن هذا الرجل رأى يده بعد جهد وشدة. وقد بيّن ابنُ عطية أن وجْه القول الثاني عند القائلين به أنّ «(كاد) إذا صحبها حرف النفي وجب الفعل الذي بعدها، وإذا لم يصحبها انتفى الفعل». ثم علّق قائلًا: «وهذا لازم متى كان حرف النفي بعد»كاد«داخلًا على الفعل الذي بعدها، تقول: كاد زيد يقوم. فالقيام منفي، فإذا قلت: كاد زيد أن لا يقوم. فالقيام واجب واقع... فإذا كان حرف النفي مع»كاد«فالأمر محتمل؛ مرة يوجب الفعل، ومرة ينفيه، تقول: المفلوج لا يكاد يسكن. فهذا كلام صحيح تضمن نفي السكون، وتقول: رجل متكلم لا يكاد يسكن. فهذا كلام صحيح يتضمن إيجاب السكون بعد جهد ونادرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة:٧١] نفي مع»كاد«تضمن وجوب الذبح». ثم قال: «وقوله في هذه الآية: ﴿لم يكد يراها﴾ نفي مع»كاد«يتضمن في أحد التأويلين نفي الرؤية، ولهذا ونحوه قال سيبويه رحمه الله: إنّ أفعال المقاربة لها نحو آخر. بمعنى: أنها دقيقة التصرف». وذكر ابنُ جرير (١٧/٣٣٢) القولين، وعلّق على الأول بأنه: «أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب أكاد في كلامها». وعلّق على الثاني بأنه: «أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه»
وجَّه ابنُ عطية (١/٥٤٦) ما ورد عن ابن عمر، فقال بعدما ذكر قولَ من يُبِيح إتيانَ المرأة في الدُّبُر: «روي ذلك عن عبد الله بن عمر، ورُويَ عنه خلافُه وتكفيرُ مَن فَعَلَه، وهذا هو اللائق به». وبَيَّنَ ابنُ تيمية (١/٥١٤ بتصرف) أنّ ما نقله نافع عن ابن عمر اختلفت أنظارُ الناس فيه، فقال: «فمِن الناس من يقول: غَلِط نافعٌ على ابن عمر، أو لم يَفْهَم مرادَه، وكان مراده: أنها نزلت في إتيان النساء من جهة الدُّبُرِ في القبل؛ فإنّ الآية نزلت في ذلك باتفاق العلماء، وكانت اليهود تنهى عن ذلك، وتقول: إذا أتى الرجل المرأة في قُبُلِها من دُبُرِها جاء الولد أحول. فأنزل الله هذه الآية. وكان سالم بن عبد الله بن عمر يقول: كذب العَبْدُ على أبي. وهذا مما يُقَوِّي غلطَ نافع على ابن عمر؛ فإنّ الكذب كانوا يطلقونه بإزاء الخطأ. ومن الناس من يقول: ابن عمر هو الذي غلط في فهم الآية. والله أعلم أي ذلك كان؛ لكن نُقِل عن ابن عمر أنه قال: أو يفعل هذا مسلم؟!». وأمّا ابنُ كثير (١/٥٩٧) فذكر قولَ ابن عمر لما سُئِل عن تحميض الجواري: وهل يفعل ذلك أحدٌ من المسلمين؟! ، ثم قال: «وهذا إسناد صحيح، ونصٌّ صريحٌ منه بتحريم ذلك، فكلُّ ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم». يقول ابنُ عطية (١/٥٤٦-٥٤٧ بتصرف) بعد توجيهه السابق لما ورد عن ابن عمر: «وقد ورد عن رسول ﷺ... أنه قال: «إتيان النساء في أدبارهن حرام»... وهذا هو الحقُّ المُتَّبَع، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زَلَّةِ عالم بعد أن تَصِحَّ عنه». وقال ابن تيمية (١/٥١٥) أيضا: «لكن بكُلِّ حال معنى الآية هو ما فسرها به الصحابة والتابعون، وسببُ النزول يدلُّ على ذلك؛ فإنّ الله قال في كتابه: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾. وقد ثبت في الصحيح: أنّ اليهود كانوا يقولون إذا أتى الرجل امرأته في قُبُلها من دُبُرها: جاء الولدُ أحول. فسأل المسلمون عن ذلك النبيَّ ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، والحرثُ: موضع الزرع، والولدُ إنّما يزرع في الفَرْجِ لا في الدُّبُر، ﴿فأتوا حرثكم﴾ وهو موضع الولد ﴿أنى شئتم﴾ أي: مِن أين شئتم؛ من قُبُلِها، ومن دُبُرِها، وعن يمينها، وعن شمالها. فالله تعالى سَمّى النساء حرثًا؛ وإنما رَخَّص في إتيان الحروث، والحرث إنما يكون في الفرج. وقد جاء في غير أثر: أنّ الوطءَ في الدُّبُرِ هو اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الله لا يستحيي من الحق؛ لا تأتوا النساء في حُشُوشِهِنَّ». والحُشُّ هو: الدُّبُر، وهو موضع القَذَر. والله سبحانه حَرَّم إتيان الحائض مع أنّ النجاسة عارضة في فرجها، فكيف بالموضع الذي تكون فيه النجاسة المُغَلَّظة؟!». وذكَر ابنُ القيِّم (١/١٧٦) أن من نَسَب إلى بعض السلف جواز وطء الزوجة في دُبُرها، فقد غَلِط عليه
علَّق ابنُ كثير (١/٤٠٦) على أثر ابن زيد بقوله: «وهذا السياق يدل على أنهم كُلِّفوا بعد ما أحيوا، وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أنّه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق. والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح». وذكر ابنُ جرير (١/٦٩٧-٦٩٨) الآثار المروية عن السدي ومحمد بن إسحاق وابن زيد في بيان سبب قول بني إسرائيل لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، ولم يرجِّح قولًا منها على آخر، فقال: «ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله مَن ذكرنا قولَه في سبب قيلهم ذلك لموسى عليه السلام تقوم به حجة فيُسلَّم له، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذ كان لا خبر بذلك تقوم به حجة فالصواب مِن القول فيه أن يقال: إنّ الله قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: ﴿يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ كما أخبر عنهم أنهم قالوه، وإنما أخبر الله بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبيخًا لهم في كفرهم بمحمد، وقد قامت حجته على مَن احتج به عليه، ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك، وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها، وجائز أن يكون بعضُها حقًّا كما قال»
على هذا القول؛ يكون المرادُ بالآية: كل مشركة من أي أصناف الشرك كانت، ولم يُنسخ منها شيء. وهو ما انتَقَدَهُ ابنُ جرير (٣/٧١٦) مستندًا لمخالفته السُّنَّة، والإجماع، وما صح عن عمر، فقال: «وأما القول الذي رُوِي عن شَهْرِ بن حَوْشَب... فقولٌ لا معنى له؛ لخلافه ما الأمةُ مجتمعةٌ على تحليله بكتاب الله -تعالى ذكره- وخبر رسوله ﷺ. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من القول خلافُ ذلك بإسنادٍ هو أصَحُّ منه، وهو ما حدثني به موسى بن عبد الرحمن المسروقي... قال عمر: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة». وعلَّق ابنُ كثير (٢/٢٩٥) عليه، فقال: «هو حديثٌ غريب جِدًّا، وهذا الأثر عن عمر غريبٌ أيضًا». ووجَّهه ابنُ جرير (٣/٧١٦)، فقال: «وإنّما كَرِه عمرُ لطلحة وحذيفة -رحمة الله عليهم- نكاحَ اليهودية والنصرانية؛ حذرًا مِن أن يَقْتَدِي بهما الناسُ في ذلك؛ فَيَزْهَدُوا في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، فأمرهما بتخليتهما، كما حدثنا أبو كُرَيب... عن شقيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خَلِّ سبيلها. فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؛ فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تَعاطَوُا المُومِساتِ مِنهُنَّ». ثم قال مستندًا إلى السنة، والإجماع: «وقد حَدَّثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق الأزرق... قال: قال رسول الله ﷺ: «نَتَزَوَّجُ نساءَ أهل الكتاب، ولا يتَزَوَّجُون نساءَنا». فهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به؛ لإجماع الجميع على صحة القول به أوْلى مِن خبر عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب». وبنحوه قال ابنُ عطية (١/٥٤٠)
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى «المستقر والمستودع» على خمسة أقوال: الأول: المستقَرُّ في الرحم، والمستودَع في القبر حتى يبعثه الله لنَشْرِ القيامة. الثاني: المستقَرُّ: ما كان في بطون النساء، وبطون الأرض، أو على ظهورها. والمستودَع: ما كان في أصلاب الآباء. الثالث: المستقَرُّ في الأرض على ظهورها، والمستودَع عند الله. الرابع: المستقَرُّ في الرحم، والمستودَع في الصلب، الخامس: المستقَرُّ في القبر، والمستودَع في الدنيا. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩/٤٤٢) الجمعَ بين كل تلك الأقوال مستندًا إلى عموم اللفظ، فقال: «ولا شكَّ أنّ مِن بني آدم مستقرًّا في الرحم، ومستودَعًا في الصلب، ومنهم مَن هو مستقرٌّ على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودَعٌ في أصلاب الرجال، ومنهم مستقرٌّ في القبر، مستودَعٌ على ظهر الأرض، فكلُّ مستقَرٍّ أو مستودَعٍ بمعنًى من هذه المعاني فداخلٌ في عموم قوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾، ومرادٌ به». وانتقد ابنُ عطية (٣/٤٢٧) الأقوال السابقة، ورجَّح مستندًا إلى دلالة العقل، ودلالة الواقع أن «الذي يقتضيه النظر أنّ ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه، وليس بمستقر فيه استقرارًا مطلقًا لأنه ينتقل لا محالة: ينتقل إلى الرحم، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقل إلى القبر، ثم ينتقل إلى المحشر، ثم ينتقل إلى الجنة أو النار، فيستقرُّ في إحداهما استقرارًا مطلقًا، وليس فيها مستودع لأنّه لا نقلة له بعد». غير أنه ذكر توجيهًا للأقوال الواردة في معنى «المستقر والمستودع»، فقال: «وهو في كل رتبة متوسطة بين هذين الطرفين مستقرٌّ بالإضافة إلى التي قبلها، ومستودع بالإضافة إلى التي بعدها؛ لأنّ لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ولا بُدَّ». ورجَّح ابنُ كثير (٦/١١٨) قولَ من قال: إنّ المستقَر في الأرحام، والمستودَع في الأصلاب. ولم يذكر مستندًا
اختلف في صفة هؤلاء القوم الذين وصفهم الله بأنهم جاءوا رسول الله ﷺ معذرين. فقال قوم: هم المعتذرون بحق اعتذروا به فعُذروا، وهو قول من قرأ بالتخفيف. وقال آخرون: هم المقصرون المعتذرون بالكذب، وهو قول من قرأ بالتشديد. ورجَّح ابنُ جرير (١١/٦٢٢) القولَ الثاني الذي قاله قتادة، والحسن، ومجاهد من طريق ابن جُرَيج، استنادًا لِما رجَّحه من قراءة التشديد، والدلالة العقلية، فقال: «الذي عليه من القراءة قراءُ الأمصار التشديد في الذال، ... ففي ذلك دليلٌ على صِحَّة تأويل مَن تَأَوَّله بمعنى: الاعتذار؛ لأنّ القوم الذين وُصِفوا بذلك لم يكلفوا أمرًا عذروا فيه، وإنما كانوا فرقتين إمّا مجتهد طائع وإمّا منافق فاسق لأمر الله مخالف، فليس في الفريقين موصوف بالتعذير في الشخوص مع رسول الله ﷺ، وإنما هو معذر مبالغ، أو معتذر». وذكر قولًا آخر، فقال: «وقد كان بعضهم يقول: إنّما جاءوا معذرين غير جادين، يعرضون ما لا يريدون فعله». وعلَّق عليه بقوله: «فمن وجهه إلى هذا التأويل فلا كلفة في ذلك، غير أنِّي لا أعلم أحدًا مِن أهل العلم بتأويل القرآن وجَّه تأويله إلى ذلك، فأستحب القول به». ورجَّح ابنُ كثير (٧/٢٦٣) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ أي: لم يأتوا فيعتذروا». وعلق عليه ابنُ عطية (٤/٣٨٣) بقوله: «وقوله: ﴿مِنهُمْ﴾ يريد: أنّ المعذرين كانوا مؤمنين، ويرجحه بعض الترجيح. فتأمَّله»
اختُلِف في معنى: ﴿رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: الله الذي رفع السماوات بِعَمَدٍ لا ترونها. الثاني: رفع السماوات بغير عَمَد. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٤١١) مستندًا إلى دلالة ظاهر لفظ الآية: «أن يُقال كما قال الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾، فهي مرفوعةٌ بغير عَمَدٍ نراها، كما قال ربُّنا -جلَّ ثناؤه-، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه». ووجَّه ابنُ عطية (٥/١٦٩) عود الضمير في قوله تعالى: ﴿تَرَونَها﴾ بأنه على القول الأول يعود على «العَمَد»، وعلى القول الثاني يعود على «السماوات». ورجَّح (٥/١٧٠) مستندًا إلى القرآن، والدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول قتادة، وإياس بن معاوية، قائلًا: «والحق ألا عَمَد جملة، إذ العمد تحتاج إلى عمد، ويتسلسل الأمر، فلا بد من وقوفه على القدرة، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأَرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ونحو هذا من الآيات». وكذا ابنُ كثير (٨/١٠٢)، وزاد فقال: «وهذا هو اللائق بالسياق، ... فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَها﴾ تأكيدًا لنفي ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة». وانتقد ابنُ عطية (٥/١٧٠) القول الأول، سواء فيه قول مَن قال بأنها عَمَد غير مرئية، ومَن قال إن العَمَد جبل قاف المحيط بالأرض، والسماء عليه كالقبة، قائلًا: «وهذا كله ضعيف»
اختلف القراء في قراءة قوله: ﴿تساقط﴾. وذكر ابنُ جرير (١٥/٥١٣-٥١٤) من قرأ: ‹تَسّاقَطْ› بالتشديد فهي بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبًا جنيًا، ثم تدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدد. وأن مَن قرأوا ‹تَساقَطْ› وجهوا معنى الكلام إلى مثل ما وجه إليه مُشَدِّدوها. وذكر أن من قرأ: (تُسْقِط) فقد وجَّه معنى الكلام إلى: تسقط النخلة عليك رطبًا جنيًّا. وذكر ابنُ عطية (٦/٢٣) أنّ مَن قرأ: ﴿تَسّاقَطْ﴾ يريد: النخلة. ومن قرأ ‹يَسّاقَطْ› يريد: الجذع. وبيّن ابنُ جرير (١٥/٥١٤ بتصرف) أنّ القراءات الثلاث الأُول متقاربات المعاني، والقراءة بهنّ صواب؛ لقراءة علماء القراءة بهنّ، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قراءٌ أهل معرفة بالقرآن، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا وهو ثابت غير مقطوع فقد تساقطت النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا فقد تساقطت النخلة بأجمعها جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها فإنما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعًا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعًا مقطوعًا غير السدي، وقد زعم أنه عاد بهزها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبًا؛ نخلة؛ واحدًا، فبيِّنةٌ بذلك صحة ما قلنا». وذكر ابنُ كثير (٩/٢٣٦) أنّ جميع القراءات متقاربة المعنى
اختُلف في معنى: «الفلق» في هذه الآية على أقوال: الأول: سجنٌ في جهنم. الثاني: اسم من أسماء جهنم. الثالث: الصُّبح. الرابع: الخَلْق. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٧٤٥) القول الثالث -مستندًا إلى اللغة- وهو قول ابن عباس من طريق العَوفيّ، وما في معناه، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله -جلَّ ثناؤه- أمر نبيَّه محمدًا أن يقول: ﴿أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، والفَلَق في كلام العرب: فَلَقُ الصُّبح، تقول العرب: هو أبْيَنُ من فَلَقِ الصُّبح، ومن فَرَقِ الصُّبح». ثم بيَّن جواز الأقوال الأخرى وغيرها مما يندرج تحت معنى الفَلَق، فقال: «وجائزٌ أن يكون في جهنم سجنٌ اسمه: فَلَقٌ، وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن -جلَّ ثناؤه- وضع دلالةً على أنه عنى بقوله: ﴿بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ بعض ما يُدْعى الفَلَق دون بعض، وكان الله -تعالى ذِكْره- ربَّ كلِّ ما خلق من شيء، وجب أن يكون معنيًّا به كل ما اسْمُه الفلق؛ إذ كان رب جميع ذلك». وكذا رجَّح ابنُ كثير (١٤/٥٢٣) أنه الصبح قائلًا: «وهو الصحيح، وهو اختيار البخاري: في صحيحه». ولم يذكر مستندًا. وانتقد ابنُ تيمية (٧/٣٨٧) -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول الأول والثاني قائلًا: «وأمّا مَن قال: إنه واد في جهنم، أو شجرة في جهنم، أو أنه اسم من أسماء جهنم، فهذا أمر لا تُعرف صحته، لا بدلالة الاسم عليه، ولا بنقل عن النبي، ولا في تخصيص ربوبيته بذلك حكمه، بخلاف ما إذا قال: ربّ الخَلْق، أو ربّ كلّ ما انفلق، أو ربّ النور الذي يُظهره على العباد بالنهار، فإنّ في تخصيص هذا بالذِّكر ما يظهر به عظمة الرّبّ المستعاذ به»