سبق معنا الخلاف الوارد فيمن عُنِي بأخذ الميثاق، وهذا القول لطاووس يجعل صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين، وآخرها مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم، وعلّق عليه ابنُ تيمية (٢/٩٠) بقوله: «يعني بذلك: أن من أدرك نبوة محمد منهم، يعني: هم الذين أدركهم العمل بالآية، وإلا فذكر أن الميثاق أخذ على النبيين بعضهم على بعض، لكن ذلك عهد وإقرار مع العلم بأنهم لا يدركون». وانتقده ابنُ عطية (٢/٢٧١) لمخالفته للغة، فقال: «وهو قول يفسده إعراب الآية». وأفاد ابن كثير (٣/١٠٠) عدم معارضته لمن قال بأخذ الميثاق على الأنبياء والأمم، فقال: «وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس [من أن أخذ الميثاق هنا على الأنبياء والأمم]، ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه. ولهذا رواه عبد الرازق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه مثل قول علي وابن عباس»

بيَّن ابنُ جرير (٨‏/‏٥١٢) أنّ الآية نزلت في قول للمنافقين بدلالة أقوال السلف، وجائزٌ أن تكون نازلة في عبد الله بن أُبي، أو في غيره، لعموم الآية له ولغيره دون تخصيص، كما أفاد قول قتادة بن دعامة من طريق سعيد ومن وافقه، قال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ ذلك من الله خبرٌ عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى، ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر، إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة، فيكون بنا إليهم حاجة. وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين». وبنحوه ابن عطية (٣‏/‏١٩٢)، حيث قال: «وقوله تعالى: ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ لفظ محفوظ عن عبد الله بن أبي، ولا محالة أنّه قال بقوله منافقون كثير، والآية تعطي ذلك»

على هذا القول فالآية في المؤمنين. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٨٢) أنّ من قال بهذا القول احتج بقول النبي ﷺ لَمّا نزلت هذه الآية: «أعوذ بوجهك». فلما نزلت: ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك». فلمّا نزلت: ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: «هذه أهون» أو «هذه أيسر». وبَيَّن ابنُ جرير (٩‏/‏٣٠٨-٣٠٩) أنّ تَعَوُّذَ النبيِّ عند نزول هذه الآية يحتمل أمرين؛ إمّا كونه تعوذ لأمته من هذه الأمور التي ابتليت بها الأمم الكافرة فاستوجبوا العقوبة، وهوَّن الثالثة لأنه دعا بها فمنع. وإن كانت في المؤمنين فقد وجَّهه ابنُ جرير بأنّ: «في هذه الأمة مَن سيأتي من معاصي الله وركوب ما يسخط الله نحو الذي ركب من قبلهم من الأمم السالفة من خلافه والكفر به، فيحِلُّ بهم مثلَ الذي حَلَّ بمَن قبلهم من المثلات والنقمات، وذلك إذا كان فلا شكَّ أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب، وجحدوا آياته»

رجَّحَ ابنُ جرير (١٠‏/‏٦٣٨) بالسياق أنّ المراد بالضمير المذكور في ﴿ينظرون﴾ و﴿يبصرون﴾: الأصنام. ووصْفُهم بالنظر كنايةٌ عن المحاذاة والمقابلة، وما فيها من تخييل النظر، كما تقول: دار فلان تنظر إلى دار فلان. وعلَّقَ على قول مجاهد هذا بقوله: «كأنّ مجاهدًا وجَّه معنى الكلام إلى أنّ معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون، فهو وجْهٌ، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة، فهو بوصفها أشبه». وذَهَبَ ابنُ كثير (٦‏/‏٤٨٨) إلى ما ذهب إليه ابنُ جرير. ويُفْهَم ذلك أيضًا من كلام ابن عطية (٤‏/‏١١٦ بتصرف) حين بيَّنَ معنى الآية على اختيار ابن جرير، فقال: «ومعنى الآية على هذا تبيين جمودية الأصنام، وصغر شأنها... وإنّما تكرر القول في هذا، وترددت الآيات فيه؛ لأنّ أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكنًا في نفوس العرب في ذلك الزمن، ومستوليًا على عقولها؛ فأوعب القول في ذلك لُطْفًا من الله تعالى بهم»

ذكر ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٣٥-٥٣٧) اختلاف أهل العربية في معنى قوله تعالى: ﴿أفلمْ ييأس﴾، وأنّ فرقة منهم قالت: ﴿ييأس﴾ بمعنى: يعلم. وأن الفرقة الأخرى ذكرت أنّ اليأس على وجهه. ثم ذكر أنّ أهل التأويل من السلف على القول الأول. ورجّحه (١٣‏/‏٥٣٨) مستندًا إلى الإجماع واللغة، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل: إنّ تأويل ذلك: أفلم يتبين ويعلم. لإجماع أهل التأويل على ذلك، والأبيات التي أنشدناها فيه». وقد فسره بمعنى اليأس أبو العالية، فذكر أنّ المعنى: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدًا. وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٢٠٦) أنّ اليأس: «يحتمل أن يكون في هذه الآية على بابه، وذلك أنه لما أبعد إيمانهم في قوله: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ الآية على التأويلين في المحذوف المقدَّر، قال في هذه الآية: أفلم ييئس المؤمنون مِن إيمان هؤلاء الكفرة علمًا منهم أن لو شاء الله لهدى الناس جميعًا»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٦٠٥) في معنى الآية بأن «ظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع وكان موجودًا، وعلى ذلك فسره أكثر أهل هذا التأويل». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المثل مضروبًا بمن هذه صفته، وإن لم يقع ذلك في وجودٍ قط». ثم استظهر الأول قائلًا: «والأول أظهر». ثم ذكر معنى رواية ابن سلام، ونقل روايات أخرى، فقال: «وروي أنهما كانا شريكين حدادين، كسبا مالًا كثيرًا، وصنعا نحو ما روي في أمر الأخوين، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه. وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد: أن بحيرة تِنِّيس كانت ما بين الجنتين، وكانت للأخوين، فباع أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفق في طاعة الله حتى عيَّره الآخر، فجرت بينهما هذه المحاورة، فغرَّقها الله في ليلة، وإيّاها عنى بهذه الآية». ثم علَّق بقوله: «وفي بسط قصصهما طول فاختصرته، واقتصرت على معناه؛ لقلة صحته، ولأن في هذا ما يفي بفهم الآية»

ذكر ابنُ القيم (٢‏/‏١٩٧-١٩٨بتصرف) في تفسير قوله: ﴿من قبل﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أن معناه: حال صغره. الثاني: أن معناه: في سابق عِلْمِنا. الثالث: أنّ معناه: من قبل نزول التوراة. وقد رجّح القولَ الثالث مستندًا إلى السياق، فقال: «وأصحُّ الأقوال في الآية أنّ المعنى: من قبل نزول التوراة. فإنّه سبحانه قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، ثم قال: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾، ولهذا قطعت قبل عن الإضافة وبُنِيَت؛ لأن المضاف منويٌّ معلوم، وإن كان غير مذكور في اللفظ، فالسياق إنما يقتضي: مِن قبل ما ذُكِر». وانتقد ابنُ القيم مستندًا إلى ظاهر الآية والدلالة العقلية القولَ الثاني، فقال: «وقيل: المعنى بقوله: ﴿من قبل﴾ أي: في سابق علمنا، وليس في الآية ما يدل على ذلك، ولا هو أمر مختص بإبراهيم، بل كل مؤمن فقد قدّر الله هُداه في سابق علمه»

اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿نافلة﴾؛ فقيل: هو يعقوب خاصة. وقيل: هو إسحاق ويعقوب معًا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٣١٧ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية أنّ كلا القولين جائز، فقال: «والنافلة هي الفضل من الشيء يصير إلى الرجل مِن أيِّ شيء كان ذلك، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلًا مِن الله، تَفَضَّل به على إبراهيم، وهِبَةً منه له. وجائز أن يكون عنى به أنّه آتاهما إياه جميعًا نافلة منه له، وأن يكون عنى أنه آتاه نافلة يعقوب، ولا برهان يدلُّ على أيِّ ذلك المراد مِن الكلام، فلا شيء أولى أن يُقال في ذلك مِمّا قال الله، ووهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة». ورجّح ابنُ عطية (٦‏/‏١٨٢) القول الثاني، فقال: «والنافلة: العطية، كما تقول: نفَّلني الإمام كذا، ونافلة الطاعة كأنها عطية من الله تعالى لعباده يثيبهم عليها. وقالت فرقة: الموهوب إسْحاق، والنافلة يَعْقُوب. والأول أبين». ولم يذكر مستندًا

ذَهَبَ ابنُ كثير (١١‏/‏٢٤٠) إلى أنّ الآية عامَّة مستندًا إلى ظاهر الآية، وما ورد في السنة، فقال: «الظاهر: أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومَن آذاه فقد آذى الله، كما أنّ من أطاعه فقد أطاع الله، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل المزني، قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمَن أحبهم فبُحِبِّي أحبهم، ومَن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله، ومَن آذى الله يوشك أن يأخذه»». وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٣٣٨): «ليس أذاه -سبحانه- مِن جنس الأذى الحاصل للمخلوقين، كما أنّ سخطه وغضبه وكراهته ليست مِن جنس ما للمخلوقين»

اختُلف في قوله تعالى: ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ مَن هم الذين كُفَّت أيديهم عن المسلمين؟ على قولين: الأول: هم اليهود، كفَّ الله أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول الله ﷺ إلى مكة. الثاني: أنهم أسد وغَطَفان جاءوا لينصروا أهل خَيْبَر، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فانصرفوا عنهم. ورجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٨٢) -مستندًا إلى دلالة العقل- القول الأول، فقال معلِّلًا ترجيحه: «والذي قاله قتادة في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية، وذلك أنّ كفَّ اللهِ أيديَ المشركين من أهل مكة عن أهل الحُدَيبية قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، فعُلِم بذلك أن الكفَّ الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ غير الكفّ الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾»