سورة النساء — الآية ٤٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾، لَمّا نزلت هذه الآيةُ قال النبي ﷺ: «قد قدَّم الله عز وجل تحريم الخمر إلينا». وذلك أنّ عبد الرحمن بن عوف الزهري صنع طعامًا، فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا، وسعد بن أبى وقاص -رحمهم الله جميعًا-، فأكلوا، وسقاهم خمرًا، فحضرت صلاة المغرب، فأمَّهم عليُّ بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، فقال في قراءته: نحن عابدون ما عبدتم. فأنزل الله عز وجل في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ في صلاتكم. فتركوا شربها إلا من بعد صلاة الفجر إلى الضحى الأكبر، فيُصَلُّون الأولى وهم أصحياء. ثُمَّ إنّ رجلًا مِن الأنصار يُسَمّى: عتبان بن مالك دعا سعد بن أبى وقاص إلى رأس بعيرٍ مشوِيٍّ، فأكلا، ثم شربا فسكِرا، فغضب الأنصاريُّ، فرفع لَحْيَ البعير، فكسر أنف سعد؛ فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر في المائدة بعد غزوة الأحزاب، ثم قال سبحانه: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾

حكى ابنُ جرير (١‏/‏٥٠٥) خلافًا في معنى التسبيح في الآية: أهو التسبيح المعلوم، أم الصلاة؟ ثم جمع بين القولين بقوله: «فمعنى قول الملائكة إذن: ﴿ونحن نسبِّح بحمدك﴾: نُنَزِّهك، ونُبَرِّئُك مما يُضِيفُه إليك أهلُ الشرك بك، ونصلي لك. ﴿ونقدس لك﴾: ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأَدْناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك». وقال ابن القيم (١‏/‏١١٦): «المعنى: نُقَدِّسك، ونُنَزِّهُك عما لا يليق بك. هذا قول جمهور أهل التفسير». ونقل ابن عطية (١‏/‏١٦٨) أقوالًا في معنى الآية ووجَّهها، فقال: «قال بعض المتأولين: هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ الآية، أم نتغير عن هذه الحال؟ قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: ﴿أتَجْعَلُ﴾. وقال آخرون: معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]. وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم: ﴿أتَجْعَلُ﴾؟ وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. وقال قوم: معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. وهذا أيضًا حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: ﴿أتَجْعَلُ﴾؟»

رَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٨٦-٨٧) هذا القول مستندًا إلى القرآن، والسياق، والدلالات العقلية، فقال: «وإنّما قُلنا ذلك أشْبَهُ بتأويل الآية لأنّ الله -تعالى ذكره- ذكر حين قال: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾: ﴿فإن الله سميع عليم﴾، ومعلومٌ أنّ انقضاء الأشهر الأربعة غير مسموع، وإنّما هو معلوم، فلو كان عزم الطلاق انقضاء الأشهر الأربعة لم تكن الآية مختومة بذكر الله الخبر عن الله -تعالى ذكره- أنه سميع عليم، كما أنه لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعته في مراجعة المؤلي زوجته التي آلى منها وأداء حقها إليها بذكر الخبر عن أنه شديد العقاب؛ إذ لم يكن موضع وعيد على معصية، ولكنه ختم ذلك بذكر الخبر عن وصفه نفسه -تعالى ذكره- بأنه غفور رحيم؛ إذ كان موضع وعد المنيب على إنابته إلى طاعته، فكذلك ختم الآية التي فيها ذكر القول والكلام بصفة نفسه بأنّه للكلام سميع، وبالفعل عليم، فقال -تعالى ذكره-: وإن عزم المُؤْلُون على نسائهم على طلاق مَن آلَوْا منه من نسائهم فإنّ الله سميعٌ لطلاقهم إيّاهُنَّ إن طلقُوهُنَّ، عليم بما أتَوْا إليهِنَّ مما يَحِلُّ لهم ويحرم عليهم». وذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥٥٦) أن من قال بهذا القول استدَلَّ بقوله:﴿سَمِيعٌ﴾؛ لأن هذا الإدراك إنما هو في المقولات

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٦٠٨-٦٠٩) قول مقاتل، ثم علَّق عليه بقوله: «ويعضد هذا التأويل أحاديث عن النبي ﷺ معناها: أنّ ما يصيب ابن آدم من المصائب فإنما هي عقوبة ذنوبه. ومن ذلك أنّ أبا بكر الصديق لما نزلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] جزِع، فقال له رسول الله ﷺ: «ألست تمرض؟ ألست تسقم؟ ألست تغتم؟». وقال أيضًا ﷺ: «ما يصيب الرجل خدشة عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر». ففي هذا بيان، أو تلك كلها مجازاة على ما يقع من الإنسان». وذكر ابنُ عطية في معنى الآية قولين آخرين لم ينسبهما لأحد من السلف، فقال: «وقالت طائفة: معنى الآية كمعنى التي قبلها في قوله: ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ على تقدير حذف: يقولون، فتقديره: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا يقولون: ما أصابك من حسنة. ويجيء القطع على هذا القول من قوله: ﴿وأَرْسَلْناكَ﴾. وقالت طائفة: بل القطع في الآية من أولها، والآية مُضَمَّنة الإخبارَ أنّ الحسنة من الله وبفضله، وتقدير ما بعده: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ على جهة الإنكار والتقرير، فعلى هذه المقالة ألف الاستفهام محذوفة من الكلام. وحكى هذا القولَ المهدويُّ»

ذكر ابنُ جرير (٧‏/‏٢٦٨-٢٦٩) في معنى الشفاعة قولين: الأول: أنها شفاعة الناس بعضهم لبعض. كما في قول ابن زيد وقتادة والحسن ومجاهد وغيرهم. والثاني: أن المراد بالشفاعة الحسنة هو مناصرة أصحاب النبي في جهاد عدوهم، والشفاعة السيئة هو مناصرة العدو على المؤمنين. وهذا ما رجّحه ابنُ جرير مستندًا إلى السياق، فقال: «وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الآية التي أمر الله نبيه ﷺ فيها بحض المؤمنين على القتال، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله ﷺ والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التي لم يجرِ لها ذِكْرٌ قبلُ ولا لها ذِكْرٌ بعدُ». هذا، ولم يستبعد ابنُ جرير القول الأول، بل ذهب إلى أنه يدخل في الآية بطريق العموم، فقال: «وقد قيل: إنه عنى بقوله: ﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾: شفاعة الناس بعضهم لبعض. وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا، ثم عمّ بذلك كل شافع بخير أو شر». وعلّق ابنُ عطية (٢‏/‏٦١٦-٦١٧) على الاختلاف في تفسير الآية بقوله: «وهذا كله قريبٌ بعضُه من بعض». وعرض ابنُ تيمية (٢‏/‏٣١٧بتصرف) القولين الذين حكاهما ابنُ جرير وغيرهما، ثم علَّق قائلًا: «وكل هذا صحيح، فكلُّ مَن أعان شخصًا على أمر فقد شفعه فيه»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في من عني بـ﴿الناس﴾ في قوله تعالى: ﴿أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ على أقوال: الأول: هم كفار قريش. وهو قول عكرمة، وقتادة أو الكلبي أو كليهما. الثاني: هم غير كفار قريش. وهو قول وهب بن منبه، وقتادة من طريق سعيد. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏١١٩) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول، وعلَّل ذلك قائلًا: «لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم؛ لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم، وأشدهم عليهم يومئذٍ، مع كثرة عددِهم، وقلة عدد المسلمين». ووجَّه ابنُ عطية (٤‏/‏١٦٨) القول الثاني قائلًا: «والناس الذين يخاف تَخَطُّفهم -على هذا التأويل-: فارس والروم. والمأوى -على هذا-: هو النبوة والشريعة. والتأييد بالنصر: هو فتح البلاد وغلبة الملوك. والطيبات: هي نعم المآكل والمشارب والملابس». ثم انتقده مستندًا إلى أحوال النزول بقوله: «وهذا التأويل يَرُدُّه أن العرب كانت في وقت نزول هذه الآية كافرة إلا القليل، ولم تترتب الأحوال التي ذكرها هذا المتأَوِّل». غير أنه ذَكَر له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «وإنما كان يمكن أن يخاطب العرب بهذه الآية في آخر زمن عمر بن الخطاب، فإن تمثَّل أحد بهذه الآية لحالة العرب فتمثُّلُه صحيح، وأما أن تكون حالة العرب هي سبب الآية فبعيد لِما ذكرناه»

انتقد ابنُ عطية (٦‏/‏٣١١) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ أبي صالح، والسدي، والكلبي، ومقاتل، ويحيى بن سلام، فقال: «وهذا ليس من نمط الآية». ثم قال أيضًا (٦‏/‏٣١١-٣١٢): «ومَن قال: إن الحق في الآية: الله تعالى؛ تشعَّبَتْ له لفظة ﴿اتَّبَعَ﴾، وصَعُبَ عليه ترتيبُ الفساد المذكور في الآية؛ لأن لفظة الاتِّباع -على كلا الوجهين- إنما هي استعارة بمعنى أن تكون أهواؤهم يصونها الحق ويقررها، فنحن نجد الله تعالى قد قدَّر كُفْرَ أمم وأهواءهم، فليس في ذلك فساد سماوات، وأما الحق نفسه الذي هو الصواب فلو كان طبْق أهوائهم لفسد كلُّ شيءٍ. فتأمَّلْه». وذكر قولًا آخر ولم ينسبه، وهو أنّ الحق هنا: الصواب والمستقيم، ورجَّحه (٦‏/‏٣١١ بتصرف) بقوله: «وهذا هو الأحرى». ثم علَّق بقوله: «على أن يكون الحقّ المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ جاءَهُمْ بِالحَقِّ وأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ هو: الذي جاء به محمد رسول الله ﷺ». ثم بيَّن وجْه فساد السماوات والأرض في الآية بناءً على هذا المعنى، فقال: «ويستقيم -على هذا- فساد السماوات والأرض ومن فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاء، وذلك أنهم جعلوا لله شركاء وأولادًا، ولو كان هذا حقًّا لم تكن لله -تبارك وتعالى- الصِّفات العَلِيَّة، ولو لم يَكُن له لم تَكُن له الصنعة ولا القدرة، وكان ذلك فساد السماوات والأرض ومن فيهن»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٥٥٧-٥٥٨ بتصرف): «احتجَّتْ عائشة رضي الله عنها في إنكارها أنّ النبي ﷺ أسمع موتى بدر بهذه الآية، ونظرت هي في الأمر بقياس عقليٍّ، ووقفت مع هذه الآية، وقد صحَّ أن النبيَّ ﷺ قال: «ما أنتم بأسمع منهم». فيشبه أنّ قصة بدر هي خرق عادة لمحمد عليه السلام في أن رد الله إليهم إدراكًا سمعوا به مقالة، ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لِمَن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم. وقد عُورِضت هذه الآية بالسلام على القبور، وبما رُوي في ذلك من أنّ الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، قالوا: فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير مُعارِض للآية؛ لأن السلام على القبور إنما هو عبادة، وعند الله الثواب عليها، وهو تذكير للنفس بحالة الموت وبحالة الموتى في حياتهم، وإن جوَّزنا مع هذا أنّ الأرواح في وقت على القبور؛ فإن سَمِع فليس الروح بميت، وإنما المراد بقوله: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ الأشخاص الموجودة مفارقة لأرواحها، وفيها نقول: خرقت العادة لمحمد عليه السلام في أهل القليب. وذلك كنحو قوله ﷺ في الموتى إذا دخل عليهم الملَكان: «إنهم يسمعون خَفْق النِّعال»»

سورة البقرة — الآية ٢٤

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في الآية: هي حجارة في النار من كِبْرِيت أسود، يُعَذَّبون به مع النار

سورة آل عمران — الآية ١١٠

عن إسماعيل السدي، في الآية، قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: أنتم؛ فكنا كلنا، ولكن قال: ﴿كنتم﴾ في خاصة أصحاب محمد، ومن صنع مثل صنيعهم كانوا ﴿خير أمة أخرجت للناس﴾