قال ابنُ عطية (٢‏/‏١٦٢-١٦٣) في نزول الآية: «وقالت فرقة: الآية نازلة في المنافقين، وفي مَن ضَعُف جَلَده عن الإيمان من المؤمنين، وقلَّت تجربته». ثم علّق قائلًا: «فإمّا أن يكون ذلك في أمر السرايا، فإنهم كانوا يسمعون أقوال المنافقين، فيقولونها مع من قالها، ويذيعونها مع من أذاعها، وهم غير متثبتين في صحتها، وهذا هو الدالُّ على قلة تجربتهم، وإما أن يكون ذلك في سائر الأمور الواقعة، كالذي قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: إنّه جاء وقوم في المسجد يقولون طلَّق رسول الله ﷺ نساءه...»، وذكر أثر عمر المروي هنا

ذكر ابنُ جرير (٨‏/‏٣٨٠-٣٨١) أنّ حجة قائلي هذا القول هي أنّ ما كان في القرآن «أو - أو» فإنه للتخيير، كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وكآية كفارة اليمين، وآية جزاء الصيد. وإذا كان ذلك كذلك فهو في هذه الآية كذلك. وبنحوه قال ابن عطية (٣‏/‏١٥٥-١٥٦)، وكذا ابن كثير (٥‏/‏١٦٤). ونقل ابن عطية (٣‏/‏١٥٥) عن مالك أنه استحسن أن يأخذ في الذي لم يَقْتل بأيسر العقوبات. وعلَّق عليه بقوله: «لا سيما إن كانت زلَّةً ولم يكن صاحب شرور معروفة، وأما إن قَتل فلا بد من قتله»

اختُلِف في السارق المعنيِّ بهذه الآية على قولين: الأول: أنّه السارق لثلاثة دراهم فصاعدًا. والثاني: أنه السارق لربع دينار أو قيمته. والثالث: هو سارق القليل والكثير. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٤٠٩) القول الثاني مستندًا إلى السنّة، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا قولُ مَن قال: الآية معنيٌّ بها خاصٌّ مِن السُّرّاق، وهم سُرّاق ربعِ دينار فصاعدًا، أو قيمته؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «القطع في ربع دينار فصاعدًا»». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏١٦٢) أن حديث عائشة المتقدم وارد في هذا القول

وجَّه ابنُ عطية (٣‏/‏٥٥١) معنى الآية على قول عبد الملك ابن جُرَيْج وما في معناه بقوله: «قوله: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ على هذا التأويل متعلق بالمحذوف المقدر في قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كأنّه قال: هي خالصة أو ثابتة في الحياة الدنيا للذين آمنوا، و›خالِصَةٌ‹ بالرفع خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مُقَدَّر، تقديره: وهي خالصة يوم القيامة، و﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يراد به: استمرار الكون في الجنة». ولم يذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏١٥٩-١٦٢) في معنى الآية غير هذا القول وما في معناه من أنّ الكفار يشاركون المؤمنين في الطيبات في الدنيا، ويُحْرَمُونها في الآخرة

علَّق ابن عطية (٤‏/‏٢٣٣) على قول مجاهد بقوله: «فـ﴿مَنِ﴾ في هذا التأويل رُفِع عطفًا على اسم الله عز وجل». وانتقد ابنُ القيم (١‏/‏٤٤٩) هذا التقدير مستندًا إلى ظاهر الآية، ودلالة العقل، فقال: «وهذا خطأ من جهة المعنى، ... -وإن قال به بعض الناس- فهو خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه؛ فإن»الحسب«و»الكفاية«لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة. قال الله تعالى: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال:٦٢]، ففرّق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده»

أشار ابنُ عطية (٤‏/‏٣٩٧-٣٩٨) إلى قول ابن عباس مِن أنّ المَعْنيَّ بهذه الآية هو أبو لبابة وأصحابه، وأنهم أرادوا التصدق بأموالهم زيادة في التوبة، وتكون الصدقة على هذا على بابها، وبيّن أن هذا هو الذي تظاهرت به أقوال المتأولين. ثم نقل قولًا عن بعض الفقهاء أنّ الصدقة في الآية هي الزكاة المفروضة، وعلّق عليه بقوله: «فقوله على هذا ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ﴾ ضميره لجميع الناس، وهو عموم يراد به الخصوص؛ إذ يخرج من الأموال الأنواع التي لا زكاة فيها كالثياب والرباع ونحوه، والضمير الذي في أمْوالِهِمْ أيضًا كذلك عموم يراد به خصوص؛ إذ يخرج منه العبيد وسواهم»

وجَّه ابنُ جرير (١٣‏/‏٤٠٧) قول مجاهد وقتادة من جهة الإعراب، بأنّ قوله تعالى: ﴿والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ مرفوع على أنه كلام مبتدأ، فيكون مرفوعًا بـ﴿الحَقُّ﴾، و﴿الحَقُّ﴾ مرفوعٌ به. وبنحوه ابنُ كثير (٨‏/‏١٠١)، ثم علَّق على هذا الوجْه بقوله: «هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد، وقتادة». وذكر ابنُ جرير وجْهًا آخر لإعراب الآية، وهو «الخفض على العطف به على ﴿الكِتابِ﴾، فيكون معنى الكلام حينئذٍ: تلك آيات التوراة والإنجيل والقرآن، ثم يَبْتَدئ ﴿الحَقُّ﴾، بمعنى: ذلك الحقُّ، فيكون رفعه بمضمر ٍمن الكلام قد استُغْنِىَ بدلالة الظاهر عليه منه»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: «شعائر الله» في الآية؛ فقيل: إنها البدن، وتعظيمها: استحسانها، واستسمانها. وقيل: إنها مناسك الحج، وتعظيمها: إشعارها. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٥٤١) مستندًا إلى دلالة العموم شمول الآية لكلا المعنيين، فقال: «إن الله -تعالى ذِكْره- أخبر أنّ تعظيم شعائره، وهي ما جعله أعلامًا لخلقه فيما تعبَّدهم به من مناسك حجِّهم من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم: من تقوى قلوبهم، لم يَخْصُص من ذلك شيئًا، فتعظيم كل ذلك من تقوى القلوب كما قال -جلَّ ثناؤه-، وحقٌّ على عباده المؤمنين به تعظيم جميع ذلك»

أفاد قولُ مقاتل: أنّ الإشارة بـ﴿ذلكم﴾ إلى النبي ﷺ وصحابته. وذلك ما فسر به ابنُ جرير (١٦‏/‏٦٣٤)، ورواه عن قائل لم يسمه، فقال: «وقد ذُكِر عن بعضهم أنه كان يقول: إنّ المشركين قالوا: واللهِ، إنّ محمدًا وأصحابه لشر خلق الله. فقال الله لهم: قل أفأنبئكم -أيها القائلون هذا القول- بشر من محمد ﷺ؟ أنتم -أيها المشركون- الذين وعدهم الله النار». وقد ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٢) قول ابن جرير، وانتقده بقوله: «وهذا كله ضعيف». وبيّن أن الإشارة بـ﴿ذلكم﴾ إلى السطو

انتقد ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٥-٢٧٦) مستندًا لدلالة العقل دعوى النسخ في الآية، فقال: «وقال هبة الله وغيرُه: إنّ قوله: ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ وقوله في الأخرى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة، ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر، فلم يستقر تكليفُ بلوغ الغاية شرعًا ثابتًا فيقال: إنّه نسخ بالتخفيف. وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق». ووافقه ابنُ القيم (٢‏/‏٢٢٤ بتصرف) بقوله: «ولم يُصِب مَن قال: إنّ الآية منسوخة. لظَنِّه أنّها تضمنت الأمر بما لا يُطاق»