ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٤٢) نحو هذا القول عن سعيد بن جُبَير، وعن ابن زيد، ووجّهه، فقال: «قال ابن جُبَير وابن زيد: هي لفظة حبشية، نشأ الرجل: إذا قام من الليل، فـ﴿ناشِئَةَ﴾ على هذا جمع ناشئ، أي: قائم»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٢٥) قول ابن مسعود، ومثله عن ابن عباس، ثم علّق بقوله: «و﴿غَرْقًا﴾ على هذا القول إما أن يكون مصدرًا بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، وإما أن يكون كما قال علي، وابن عباس: تغرق نفوس الكفرة في نار جهنم»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٢٧٦ بتصرف) في قوله تعالى: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ ثلاثه احتمالات لمرجع الضمير: الأول: «أن يعود على الاستهزاء أو الشرك ونحوه. وهو قول الحسن، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، ويكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على ذلك بعينه، وتكون باءُ السبب، أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في موضع الحال». الثاني: «أن يعود على الذِّكْر المحفوظ المتقدم الذِّكر، وهو القرآن، أي: مكذَّبًا به مردودًا مُسْتَهْزَءًا به ندخله في قلوب المجرمين، ويكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ عائدًا عليه أيضًا، أي: لا يصدقون به». الثالث: «أن يعود على الاستهزاء والشرك، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على القرآن، فيختلف على هذا عَوْد الضميرين». ثم علَّق على هذه الاحتمالات بقوله: «والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض». ونقل ابنُ القيم (٢‏/‏١٠٠-١٠١) قول أنس بن مالك، وقول الحسن، وابن جريج، وابن زيد، وزاد قولًا للربيع أنّ معنى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أي: الاستهزاء، ثم علَّق عليها بقوله: «وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد: التكذيب والاستهزاء والشرك، كل ذلك فعلهم حقيقة، وقد أخبر أنّه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم». ثم استدرك عليها مستندًا إلى السياق قائلًا: «وعندي في هذه الأقوال شيء، فإنّ الظاهر أنّ الضمير في قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هو الضمير في قوله: ﴿سَلَكْناهُ﴾ فلا يصِحُّ أن يكون المعنى: لا يؤمنون بالشِّرك والتكذيب والاستهزاء، فلا تصِحُّ تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر الضميرين، والظاهر اتحادُّه، فالذين لا يؤمنون به هو الذي سلكه في قلوبهم وهو القرآن. فإن قيل: فما معنى سلكه إيّاه في قلوبهم وهم ينكرونه؟ قيل: سلكه في قلوبهم بهذه الحال، أي: سلكناه غير مؤمنين به، فدخل في قلوبهم مكذبًا به، كما دخل في قلوب المؤمنين مصدقًا به. وهذا مراد مَن قال: إنّ الذي سلكه في قلوبهم هو التكذيب والضلال، ولكن فسَّر الآية بالمعنى، فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم. فإن قيل: فما معنى: إدخاله في قلوبهم وهم لا يؤمنون به؟ قيل: لتقوم عليهم بذلك حجة الله، فدخل في قلوبهم، وعلموا أنّه حق وكذبوا به، فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به، مؤمن به، مَرْضِيٌّ به، وتكذيبهم به بعد دخوله في قلوبهم أعظم كفرًا مِن تكذيبهم به قبل أن يدخل في قلوبهم، فإنّ المكذب بالحق بعد معرفته له شر مِن المكذب به ولم يعرفه. فتأمَّله فإنّه من فقه التفسير»

في المراد بالبحرين أقوال: الأول: عني بهما: بحر السماء، وبحر الأرض. الثاني: عني بهما: بحر فارس، وبحر الروم. الثالث: عني بهما: فاطمة، وعلي. ولم يذكر ابن جرير (٢٢‏/‏٢٠١) غير القولين الأولين، ثم رجّح الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله قال ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرج من أصداف بحر الأرض عن قَطر ماء السماء، فمعلوم أنّ ذلك بحر الأرض وبحر السماء». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٣١٨) ترجيح ابن جرير، وانتقده مستندًا إلى لفظ الآية، فقال: «قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولّد من ماء السماء، وأصداف بحر الأرض. وهذا وإن كان هكذا ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ؛ فإنه تعالى قد قال: ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ أي: وجعل بينهما برزخًا، وهو: الحاجز من الأرض؛ لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيُفسد كل واحد منهما الآخر، ويُزيله عن صفته التي هي مقصودة منه. وما بين السماء والأرض لا يُسمى برزخًا وحِجرًا محجورًا». وقد ساق ابنُ تيمية (٦‏/‏١٧٠-١٧٢بتصرف) القول الثالث عن سفيان الثوري، من طريق الثعلبي، وذكر أنّ الثعلبي ذكره بإسنادٍ رواته مجهولون لا يُعرفون عن سفيان الثوري، ثم ساق إسناد الثعلبي، وانتقده -مستندًا لضعف إسناده- بقوله: «وهذا الإسناد ظُلمات بعضها فوق بعض، لا يثبت بمثله شيء». ثم انتقدالقول جملةً -مستندًا إلى أحوال النزول، واللغة، والنظائر، والدلالة العقلية، وإجماع المفسرين- من وجوهٍ:أحدها: أنّ سورة الرحمن مكّيّة بإجماع المسلمين، والحسن والحُسين إنما وُلدا بالمدينة. الثاني: أنّ تسمية هذين بحرين، وهذا لؤلؤًا، وهذا مرجانًا، وجعل النكاح مَرجًا؛ أمر لا تحتمله لغة العرب بوجه، لا حقيقة ولا مجازًا، بل كما أنه كذبٌ على الله وعلى القرآن، فهو كذبٌ على اللغة. الثالث: أنّ الله ذكر أنه مَرج البحرين في آية أخرى، فقال في الفرقان: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان:٥٣] فلو أُريد بذلك علي وفاطمة لكان ذلك ذمًّا لأحدهما، وهذا باطل بإجماع أهل السنة والشيعة. الرابع: أنه قال: ﴿بينهما برزخ لا يبغيان﴾ فلو أُريد بذلك عليّ وفاطمة؛ لكان البرزخ الذي هو النبي ﷺ بزعمهم أو غيره هو المانع لأحدهما أن يبغي على الآخر. وهذا بالذّم أشبه منه بالمدح. الخامس: أنّ أئمة التفسير مُتّفقون على خلاف هذا، كما ذكره ابن جرير وغيره. فقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كلّ عام. وقال الحسن: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يعني: بحر فارس والروم، ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾: هو الجزائر. وزاد ابنُ عطية (٨‏/‏١٦٦) قولين آخرين، أحدهما: عني بهما: بحر القلزم واليمن، وبحر الشام. ثانيهما: أنهما مطر السماء، وبحر الأرض. ثم رجّح أنّ المراد بالبحرين نوعي الماء: المالح والعَذب، فقال: «والظاهر عندي أنّ قوله تعالى: ﴿البحرين﴾ يريد بهما نوعي الماء: العَذب والأجاج». ولم يذكر مستندًا، وعلَّق عليه بقوله: «والعبرة في هذا التأويل منيرة». ثم وجّه ابن عطية قوله: ﴿يلتقيان﴾ حسب هذه الأقوال، فوجّهه على قول مَن قال: المراد بهما: بحر فارس والروم. وقول مَن قال: المراد بهما: بحر القلزم واليمن وبحر الشام. فقال: «أما قوله: ﴿يلتقيان﴾ فعلى التأويلين الأولين معناه: هما مُعدّان للالتقاء، وحقّهما أن يلتقيا لولا البرزخ». ووجّهه على قول مَن قال: عني بهما بحر السماء وبحر الأرض. فقال: «وعلى القول الثالث أنهما يلتقيان كل سنة مرة». وانتقد قول مَن قال: إنه بحر يجتمع في السماء. قائلًا: «فمَن ذهب إلى أنه بحر يجتمع في السماء فهو قول ضعيف». غير أنه ذكر له وجْهًا ينتظم به مع قول مَن قال: إنهما مطر السماء وبحر الأرض، فقال: «وإنما يتوجه اللقاء فيه وفي القول الرابع بنزول المطر». ووجَّهه على القول بأنّ المراد بهما نوعي الماء: المالح والعذب بقوله: «وفي القول الخامس بالأنهار في البحر، وبالعيون قرب البحر»

اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾؛ فقال بعضهم: ذهب مغاضبًا لقومه. وقال آخرون: ذهب مُغاضبًا لربه إذ رفع العذاب عن قومه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٣٧٧) مستندًا إلى السياق القول الثاني بقوله: «وهذا القول -أعني: قولَ مَن قال: ذهب عن قومه مغاضبًا لربه- أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ على ذلك». وانتقد (١٦‏/‏٣٧٧ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية والقرآن القول الأول، فقال: «على أنّ الذين وجَّهوا تأويل ذلك إلى أنّه ذهب مغاضبًا لقومه إنّما زعموا أنّهم فعلوا ذلك استنكارًا منهم أن يغاضب نبيٌّ من الأنبياء ربه، واستعظامًا له. وهم بقيلهم أنّه ذهب مغاضبًا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا؛ لأن ذهابه عن قومه مغاضبًا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته، لا شك أن فيه ما فيه. ولولا أنه قد كان ﷺ أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله -تعالى ذِكْرُه- ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويَصِفه بالصِّفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه ﷺ: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم﴾ [القلم:٤٨]، ويقول: ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [الصافات:١٤٣]». وانتقد ابنُ عطية (٦‏/‏١٩٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، قائلًا: «وفي هذا القول مِن الضَّعْف ما لا خفاء به مِمّا لا يَتَّصِف به نبيٌّ». وذكر ابنُ عطية قولًا ثالثًا في الآية، فقال: «وقالت فرقة: إنما غاضب الملِك الذي كان على قومه». ثم علّق عليه قائلًا: «وهذا نحوٌ مِن الأول [يعني قول من قال: غاضب قومه] فيما يلحق منه يونس عليه السلام»

اختُلِف في الاستدلال بهذه الآية على تحريم أكل لحوم الخيل على قولين: الأول: أن في هذه الآية دلالة على تحريم أكل لحوم الخيل. الثاني: أنها لا تدل على تحريم شيء. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏١٧٥-١٧٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول إبراهيم النخعي، وقول الأسود، وعلَّل ذلك بأنه «لو كان في قوله -تعالى ذكره-: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ دلالةٌ على أنها لا تصلح -إذ كانت للركوب- للأكل، لكان في قوله: ﴿فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ دلالة على أنها لا تصلح -إذ كانت للأكل والدِّفْءِ- للركوب، وفي إجماع الجميع على أن ركوب ما قال -تعالى ذِكْره-: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ جائزٌ حلالٌ غير حرام، دليلٌ واضحٌ على أن أكل ما قال: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ جائزٌ حلالٌ غير حرامٍ، إلا بما نصَّ على تحريمه، أو وضَع على تحريمه دلالة من كتابٍ أو وحيٍ إلى رسول الله ﷺ، فأما بهذه الآية فلا يُحَرَّم أكلُ شيءٍ». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٣٠) احتجاج ابن عباس ومالك بهذه الآية على كراهة لحوم الخيل والبغال والحمير، واحتجاج الحكم بن عيينة بها على حرمة لحوم الخيل والبغال والحمير، ثم استدرك قائلًا: «وهذه الحجة غير لازمة عند جماعة من العلماء، قالوا: إنما ذكر الله تعالى عظم منافع الأنعام، وذكر عظم منافع هذه وأهم ما فيها، وليس يقضي ذلك بأن ما ذكره لهذه لا تدخل هذه فيه». ثم ذكر (٥‏/‏٣٣١) قول ابن جرير بأن في «إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للأكل دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب»، وعلق قائلًا: «وفي هذا نظر، ولحوم الخيل عند كثير من العلماء حلال، وفي جواز أكلها حديث أسماء بنت أبي بكر، وحديث جابر بن عبد الله: كنا نأكل الخيل في عهد النبي ﷺ. والبغال والحمير مكروهة عند الجمهور، وهو تحقيق مذهب مالك»

أفادت الآثار اختلاف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنهم القسيسون والرهبان. الثاني: أنهم أهل الكتاب جميعًا. الثالث: أنهم الخوارج. وقد رجّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٤٢٧) أن الآية عامة في «كل عاملٍ عملًا يحسبه فيه مصيبًا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة من أهل أي دين كانوا». وبنحو ما قال ابنُ جرير قال ابنُ كثير (٩‏/‏٢٠٠)، ووجّه قول علي، فقال: «ومعنى هذا عن علي رضي الله عنهما: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعمُّ من هذا؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عَبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود». وانتقد ابنُ عطية (٥‏/‏٦٦٦) مستندًا إلى ظاهر الآية هذه الأقوال بقوله: «ويُضعِف هذا كله قولُه تعالى بعد ذلك: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ﴾، وليس من هذه الطوائف مَن يكفر بلقاء الله، وإنما هذه صفة مشركي عبدة الأوثان». ووجّه قول علي، فقال: «وهذا إن صحَّ عنه فهو على جهة مثال فيمن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن». ثم وجّه قول علي، وقول سعد بن أبي وقاص: «وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقوامًا أخذوا بحظهم من صدر الآية»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات والخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات﴾؛ فقال قوم: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وقال آخرون: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٣٨) مستندًا إلى السياق القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن زيد، فقال: «لأنّ الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصَّهم به على إفكهم، فكان خَتْمُ الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به أشبه مِن الخبر عن غيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٣٦٦) على القول الثاني بقوله: «فمعنى هذه: التفريق بين حُكْمِ عبد الله بن أُبَيٍّ وأشباهه وبين حُكْمِ النبي ﷺ وفضلاء صحابته -رضوان الله عليهم- وأمته، أي: النبي ﷺ طَيِّب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة، وأولئك خبيثون فهم أهل النساء الخبائث». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٠٢-٢٠٣) أنّ القول الثاني راجع إلى الأول باللازم، فقال: «وهذا أيضًا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان اللهُ ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب مِن كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثةً لما صلحت له لا شرعًا ولا قدرًا؛ ولهذا قال: ﴿أولئك مبرؤون مما يقولون﴾ أي: هم بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان، ﴿لهم مغفرة﴾ أي: بسبب ما قيل فيهم مِن الكذب، ﴿ورزق كريم﴾ أي: عند الله في جنات النعيم. وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة»

اختُلف في معنى هذه الآية على قولين: الأول: عُنِيَ بها اختصام المؤمنين والكافرين، والمظلوم والظالم. الثاني: عُنِيَ بها اختصام أهل الإسلام. وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٣٩٢) على القول الأول بقوله: «ومِن هذا قول عليٍّ:»أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الرحمن«، فيختصم عليٌّ، وحمزة، وعبيدة بن الحارث مع عُتْبَة، وشَيْبَة، والوليد». ورجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٢٠٢) مستندًا إلى دلالة العموم أن «جميعَكم أيُّها الناس تختصمون عند ربكم، مؤمنُكم وكافرُكم، ومُحِقِّوكم ومُبْطِلوكم، وظالموكم ومظلوموكم، حتى يؤخذ لكلٍّ من كلٍّ منكم ممن لصاحبه قِبَله حقٌّ حقُّه». وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله عمَّ بقوله: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ خطابَ جميعِ عباده، فلم يَخْصُص بذلك منهم بعضًا دون بعض، فذلك على عمومه على ما عمَّه الله به، وقد تنزل الآية في معنًى ثم يكون داخلًا في حكمها كلُّ ما كان في حكم معنى ما نزَلَت به». وحكى ابنُ عطية (٧‏/‏٣٩٣) العموم، ثم أدخل تحته قولًا آخر يُروى غير القولين السابقين: «أنه يختصم الروح مع الجسد في أن يُذَنِّب كلُّ واحد منهما صاحبه، ويجعل المعصية في حيزه، فيحكم الله تعالى بشركتهما في ذلك». ثم رجَّح أنها في الكفار، فقال: «ومعنى الآية عندي: أن الله تعالى توعدهم بأنهم سيخاصمون يوم القيامة في معنى ردِّهم في وجْه الشريعة وتكذيبهم لرسول الله إليهم». ورجَّح ابنُ كثير (١٢‏/‏١٢٦، ١٢٩) مستندًا إلى دلالة العموم أن «هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة»

اختُلف في المراد بقوله: ﴿ن﴾ على أقوال: الأول: أنّ النُّون: الحوت الذي عليه الأرض. الثاني: أنّ النُّون: الدَّواة. الثالث: حرف من حروف الرحمن. الرابع: لَوح من نور. الخامس: اسم من أسماء السورة. السادس: قَسمٌ أقسم الله به. السابع: حرف من حروف المعجم. ورجَّح ابنُ القيم (٣‏/‏١٧٦) القول الأخير، فقال: «الصحيح أنّ ﴿ن﴾ و﴿ق﴾ و﴿ص﴾ من حروف الهجاء التي يَفتتح بها الرّبّ سبحانه بعض السور». ولم يذكر مستندًا. ووجّه ابنُ عطية (٨‏/‏٣٦٤-٣٦٥) المراد بالقلم على القول بأنّ ﴿ن﴾ اسم الحوت بأنه القلم الذي خَلَقه الله تعالى وأمره فكَتب الكائنات، وأنّ الضمير في ﴿يسطرون﴾ للملائكة، وعلى القول بأنّ ﴿ن﴾ اسم للدَّواة، فـ﴿القلم﴾ هو المتعارف بأيدي الناس، وأنّ الضمير في ﴿يسطرون﴾ للناس. ثم علَّق على هذا القول بقوله: «فجاء القَسم -على هذا- بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف، وأمور الدنيا والآخرة، فإنّ القلم أخو اللسان، ومَطية الفِطنة، ونعمة من الله عامة». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣‏/‏١٤٥) -مستندًا إلى السنة- أنّ القلم المُقسَم به هو ما كُتب به القدَر، فقال: «وأما القلم: فهو القلم المعروف، غير أنّ الذي أقسم به ربنا من الأقلام: القلم الذي خَلَقه الله -تعالى ذِكْره-، فأمره فجَرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة». ثم ساق الأحاديث في ذلك. ورجَّح ابنُ كثير (١٤‏/‏٨٣) -مستندًا إلى النظائر- أنّ المراد بالقلم: جنس القلم، فقال: «وقوله: ﴿والقلم﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يُكتب به، كقوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:٣-٥]، فهو قَسمٌ منه تعالى، وتنبيه لخَلْقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تُنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿وما يسطرون﴾»