عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾، قال: جعلوا لله -تبارك وتعالى- بنات، وجعلوا الملائكة لله بنات، وعبدوهم. وقرأ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأَصْفاكُمْ بِالبَنِينَ *وإذا بُشِّرَ﴾ الآية [الزخرف:١٦-١٧]. وقرأ: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ﴾ الآية إلى آخره [النحل:٥٧]، وقال: دَعَوا لله ولدًا، كما دَعَت اليهود والنصارى. وقرأ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٨]، قال: والضِّيزى في كلام العرب: المخالفة. وقرأ: ﴿إنْ هِيَ إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية كلّها، قال: لَمّا هادَن رسولُ الله ﷺ المشركين كان في الشّرط الذي شُرط: أن تردّ إلينا مَن أتاك مِنّا، ونردّ إليك مَن أتانا منكم، فقال النبيُّ ﷺ: «مَن أتانا منكم فنردّه إليكم، ومَن أتاكم منّا فاختار الكفر على الإيمان فلا حاجة لنا فيهم». وقال: فأبى الله ذلك في النساء، ولم يَأبَه للرجال. فقال الله عز وجل: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وآتُوهُمْ ما أنْفَقُوا﴾ أزواجهنّ
عن الشعبي، قال: كان رسول الله ﷺ يُبايع النساء، ووضع على يده ثوبًا، فلما كان بعد كان يَخْبُرُ النساء، فيَقرأ عليهنّ هذه الآية: ﴿يا أيها النَّبِيّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن﴾، فإذا أقررنَ قال: «قد بايعتكنّ». حتى جاءت هند امرأة أبي سُفيان، فلما قال: «ولا تَزنينَ». قالت: أوَتزني الحُرّة؟! لقد كُنّا نستحي من ذلك في الجاهلية، فكيف بالإسلام؟! فقال: «ولا تَقتُلنَ أولادكنّ». قالت: أنتَ قتلتَ آباءهم وتُوصينا بأولادهم! فضحك رسول الله ﷺ، فقال: «ولا تَسرقنَ». فقالت: يا رسول الله، إني أصيب من مال أبي سُفيان. فرخّص لها
علَّقَ ابن عطية (١/٣٢٦) على قولِ مَن قال: إنها في النصارى. بقوله: «مَن جعل الآية في النصارى روى أنه مرَّ زمانٌ بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أُوجِع ضربًا». وعلَّقَ ابن كثير (٢/٢٧) على هذا القول أيضًا -وقد كان رجَّح أنها في كفار قريش- بقوله: «وهذا لا ينفي أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإنّ النصارى لَمّا ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت يصلي إليها اليهود عُوقِبوا شرعًا وقدرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن بهم بيت المقدس، وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضًا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم»
ذهبَ ابنُ جرير (٢/٦١٥) وابنُ عطية (١/٣٦٥) وابنُ كثير (٢/١٠٧) إلى أنّ الآية تَعُمُّ جميع من قال: ﴿ما ولّاهم﴾. قال ابنُ جرير: «يعني بقوله -جلَّ ثناؤُه-: ﴿سيقول السفهاء﴾: سيقول الجهال من الناس، وهم اليهود، وأهل النفاق». ثُمَّ ذكر (٢/٦١٦) مُسْتَنَدَه من أقوال أهل التأويل. وقال ابنُ عطية: «والمراد بالسفهاء هنا: جميع من قال: ﴿ما ولّاهم﴾». وقال ابنُ كثير: «قيل: المراد بالسفهاء هاهنا: المشركون؛ مشركو العرب. قاله الزجاج. وقيل: أحبار يهود. قاله مجاهد. وقيل: المنافقون. قاله السدي. والآية عامة في هؤلاء كلهم»
ذكر ابن عطية (٢/٢٠٨-٢٠٩) في عَوْد الضمير من قوله: ﴿منها﴾ احتمالين، فقال: «والضمير في منها عائد على النار، أو على الحفرة»، ثم علّق بقوله: «والعود على الأقرب أحسن»، وذكر قولًا آخر، فقال: ""وقال بعض الناس -حكاه الطبري-: إن الضمير عائد على «الشفا»، وأنّث الضمير من حيث كان الشفا مضافًا إلى مؤنث، فالآية كقول جرير:رأت مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلالإلى غير ذلك من الأمثلة«. ثم انتقده قائلًا:»وليس الأمر كما ذكر، والآية لا يحتاج فيها إلى هذه الصناعة، إلا لو لم تجد معادًا للضمير إلا «الشفا»، وأما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة""
ذكر ابنُ عطية (٣/٣٧٠) أن اللام على هذا القول هي لام الصيرورة، ثم ذكر احتمال الآية لمعنى آخر، وهو أن تكون اللام في ﴿لِيَقُولُوا﴾ على بابها في لام كي، وتكون المقالة منهم استفهامًا لأنفسهم ومباحثة لها، وتكون سبب إيمان من سبق إيمانه منهم، ويكون معنى الآية على هذا: وكذلك ابتلينا أشراف الكفار بضعفاء المؤمنين ليتعجبوا في نفوسهم من ذلك، ويكون سبب نظر لمن هدي. ثم رجَّح المعنى الأول مستندًا إلى أنّه الأظهر، فقال: «والتأويل الأول أسبق، والثاني يتخرج». ثم قال: «و﴿منّ﴾ على كِلا التأويلين إنما هي على معتقد المؤمنين، أي: هؤلاء منَّ الله عليهم بزعمهم أنّ دينهم مِنَّة»
ذكر ابنُ عطية (٣/٤٩٧) أنّ «﴿أنْ﴾ من قوله تعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في موضع نصب، والعامل فيه ﴿أنْزَلْناهُ﴾، والتقدير: وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن». ثم رجَّحه لاتساق نظم الآية قائلًا: «وهذا أصحُّ الأقوال وأضبطها للمعنى المقصود». ثم نقل احتمالًا آخر، فقال: «وقيل: العامل في ﴿أنْ﴾ قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا﴾». ووجَّهه بقوله: «فكأنه قال: واتقوا أن تقولوا. وهذا تأويل يتخرج على معنى: واتقوا أن تقولوا كذا لأنّه لا حجة لكم فيه». ثم استدرك عليه قائلًا: «ولكن يعرض فيه قلق لقوله تعالى أثناء ذلك: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وفي التأويل الأول يتَّسق نظم الآية»
انتقد ابنُ كثير (٩/٨٨ بتصرف) هذا الأثر مستندًا إلى ضعف إسناده، والدلالة العقلية بقوله: «وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون. وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة؛ فإن له بعض ما ينكر. ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات، فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فحصل وهم في ذلك»
زاد ابنُ عطية (٧/١٠٧) إضافة لما ورد في آثار السلف في نزول الآية قولين آخرين: الأول: أنّ المراد بالذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه: هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة. ذكره عن مقاتل، والكلبي. الثاني: أن الآية في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وفوا بعهود الإسلام على التمام، فالشهداء منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة منهم، إلى من حصل في هذه المرتبة ممن لم ينص عليه. وعلّق عليه قائلًا: «ويصحح هذه المقالة ما روي أن رسول الله ﷺ كان على المنبر، فقال له أعرابي: يا رسول الله، مَن الذي قضى نحبه؟...»