سورة سبأ — الآية ٤٤

قال يحيى بن سلّام: ﴿وما آتَيْناهُمْ مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ يقرؤونها بما هم عليه مِن الشرك، ﴿وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾، كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهُمْ مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦، السجدة:٣] من أنفسهم، يعني: قريشًا. وقال الحسن: وكان موسى عليهم حُجَّة

سورة الزخرف — الآية ٨١

عن النّضر، عن هارون، عن عمرو، عن الحسن: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾، يقول: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول الدائنين بأنّه ليس له ولد، قال النضر بن شميل يقول: ديني هذا، قال هارون: وتفسير أبي عمرو [بن العلاء]: إن قلتم للرحمن ولد فأنا أول العابدين

قال ابنُ جرير (١/٤٧٦) مرجِّحًا هذا القول: «والصواب في تأويل قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾: إني مُسْتَخْلِفٌ في الأرض خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خَلَفًا. وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة». وعلَّقَ ابنُ كثير (١/٣٣٨) على قول قتادة قائلًا: «وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك»

علَّقَ ابنُ القيم (١‏/‏١٢٢) على هذا القول، وانتَقَدَه مُبَيِّنًا أنه قول لا دليل عليه، واللفظ على خلافه. وزاد ابن عطية (١‏/‏١٨٦) قولين آخرين في مَن المخاطب بالهبوط؟ الأول: نقله عن الحسن: أنه «آدم وحواء والوسوسة». والثاني عن غيره: أنه «آدم وحواء والوسوسة والحية، لأن إبليس قد كان أهبط قبل عند معصيته»

قال ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٢٣) مبيّنًا معنى الآية: «كما أنزلنا الكتب على من قبلك -يا محمد- من الرسل؛ كذلك أنزلْنا إليك هذا الكتاب». وبنحوه قال ابنُ عطية (٦‏/‏٦٥٢). وعلَّقَ ابنُ كثير (١٠‏/‏٥١٩) على كلام ابن جرير، بقوله: «هذا الذي قاله حَسَنٌ، ومناسبة، وارتباط جَيِّد»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏١٨٤) أنّ «الرَّفْرَف: ما تدلّى مِن الأَسِرّة مِن غالي الثياب والبُسُط». ونقل قول ابن جُبير في معنى: «الرفرف»، ووجَّهه بقوله: «ووَجْه قول ابن جُبير: أنه مِن رفَّ النَّبت: إذا نعُم وحسُن». ثم رجَّح قائلًا: «والأول أصوب وأبين». ولم يذكر مستندًا

علَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٣٩٦) على قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقول سعيد بن جُبَير، ومجاهد، وقتادة بقوله: «وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإنّ مَن مات مُقرّبًا حصل له جميع ذلك مِن الرحمة، والراحة والاستراحة، والفرح والسرور، والرزق الحسن، ﴿وجَنَّةُ نَعِيم﴾»

اختُلف في المراد بالذّكر على قولين: الأول: أنّ الذّكر هنا عام في الصلاة والتوحيد والدعاء، وغير ذلك من فرض ومندوب. ونسبه ابنُ عطية (٨‏/‏٣١٥) للحسن وجماعة من المفسرين. الثاني: الصلوات الخمس. ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏٣١٥) القول الأول، فقال: «والأول أظهر». ولم يذكر مستندًا

رجَّح ابن جرير (١٠‏/‏٧٠) مستندًا إلى السنة قول عمرو بن دينار وما في معناه أنّ الميزان: هو الميزان المعروف الذي يوزَن به، له لسان وكِفَّتان، وأنّ الله -جلَّ ثناؤه- يزِن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات. وقال معلِّلًا: «لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بقوله: «ما وُضِعَ في الميزان شيءٌ أثقل من حسن الخلق». ونحو ذلك من الأخبار التي تُحَقِّقُ أنّ ذلك ميزانٌ توزن به الأعمال على ما وصَفْتُ». ووافقه ابن عطية (٣‏/‏٥١٥-٥١٦) مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالات العقلية، وعلَّل ذلك من ثلاث جهات، فقال: «أولها: أنّ ظواهر كتاب الله تقتضيه، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ينطق به، من ذلك قوله لبعض الصحابة -وقد قال له: يا رسول الله، أين أجدك في يوم القيامة؟- فقال: «اطلبني عند الحوض، فإن لم تجدني فعند الميزان». ولو لم يكن الميزان مرئيًا محسوسًا لَما أحاله رسول الله ﷺ على الطلب عنده. وجهة أخرى: أنّ النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه، ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فَلِمَ نَخْرُج من حقيقة الأمر إلى مجازه دون عِلَّة؟ وجهة ثالثة: وهي أنّ القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سَمْعًا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أنّ الميزان والصراط والجنة والنار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر... فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها». وذكر ابن كثير (٦‏/‏٢٦١) ثلاثة أقوال في الذي يوضع في الميزان يوم القيامة: الأول: الأعمال. الثاني: كتاب الأعمال. الثالث: صاحب العمل. ثُمَّ علَّق عليها قائلًا: «وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا؛ فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالُّها، وتارة يوزن فاعلها». ونقل ابن عطية (٣‏/‏٥١٦) عن الحسن قوله: «فيما روي عنه: بلغني أنّ لكل أحد يوم القيامة ميزانًا على حِدَة». ثم انتَقَدَه قائلًا: «وهذا قول مردود، والناس على خلافه، وإنّما لكل أحد وزن يختص به، والميزان واحد»

اختلف في معنى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أتقن كلَّ شيءٍ وأحْكَمَه. الثاني: الذي حسَّن خَلْق كلِّ شيء. وهذان القولان على قراءة من قرأ بفتح اللام. الثالث: أعْلَمَ كل شيء خَلْقه. وهذا القول على قراءة من قرأ بتسكين اللام. ووجَّه ابنُ عطية (٧‏/‏٦٩) القول الأول بقوله: «فهو حسنٌ من جهة ما هو لمَقاصِدِه التي أريد لها». ووجَّه ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٩٩-٦٠٠) القول الثاني -وهو قول قتادة من طريق سعيد- بقوله: «وأما الذي وجَّه تأويل ذلك إلى أنه بمعنى: الذي أحسن خَلْقَ كلِّ شيء، فإنه جعل الخَلْقَ نصبًا بمعنى التفسير، كأنه قال: الذي أحسن كلَّ شيءٍ خَلْقًا منه. وقد كان بعضهم يقول: هو من المقدَّم الذي معناه التأخير». ووجَّهه ابنُ كثير (١١‏/‏٩٢) بقوله: «كأنه جعله من المقدَّم والمؤخَّر». ووجَّه ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٩٨-٥٩٩) القول الثالث بقوله: «كأنهم وجَّهوا تأويل الكلام إلى أنه ألْهَمَ خَلْقَه ما يحتاجون إليه، وأن قوله: ﴿أحْسَنَ﴾ إنما هو من قول القائل: فلانٌ يُحسِن كذا، إذا كان يَعْلَمُه... وعلى هذا القول، »الخَلْق«و»الكلّ«منصوبان بوقوع ﴿أحسن﴾ عليهما». ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٩٩) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه لا معنى لذلك إذ قُرِئ كذلك إلا أحد وجهين؛ إمّا هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التَّحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسْن؛ فلما كان في خَلْقِه ما لا يُشَكُّ في قُبْحِه وسماجته عُلِمَ أنه لم يَعْنِ به أنه حسَّن كلَّ ما خلَق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته». وانتقد ابنُ عطية القول الثالث قائلًا: «وهذا قولٌ فيه بُعْد»