قال ابنُ عطية (٢/٥٩٠-٥٩١): «وقالت فرقة: نزلت في يهوديين». وذكر قولَ مجاهد من طريق ابن جريج أنّها نزلت في مؤمن ويهوديٍّ، ثم انتَقَدَ القولين مستندًا إلى ظاهر القرآن، فقال: «وهذان القولان بعيدان من الاستقامة على ألفاظ الآية»
رجَّح ابنُ عطية (٣/٣١٨) نزولها في كفار العرب، وليس أهل الكتاب مستندًا إلى السياق، فقال: «وذكر بعض الناس في هذه الآية: أنها نزلت في أهل الكتاب، وسياق الكلام ومعانيه يقتضي أنها في كفار العرب». وبنحوه رجَّح ابنُ جرير (٩/١٦٥)
رجَّح ابنُ جرير (١٠/٣٣-٣٤)، وابنُ كثير (٦/٢٤٠) استنادًا إلى دلالة العموم أنّ الآيةَ عامَّةٌ في كُلِّ مَن فارق دين الله وفرَّقه، وكانوا فِرَقًا فيه وأحزابًا وشِيَعًا، فهو بريء من النبي ﷺ، والنبي ﷺ منه بريء
ذكر ابنُ عطية (٤/٦٦) أنّ هذه الآيةَ خاصَّةٌ لمحمد ﷺ بين الرسل؛ فإنّ محمدًا ﷺ بُعِث إلى الناس كافة وإلى الجن، ونسبه لحسن. ثم علَّق بقوله: «وتقتضيه الأحاديث، وكلُّ نبيٍّ إنّما بُعِث إلى فرقة دون العموم»
وجَّه ابنُ تيمية (٤/٥٠٣) هذا القول بقوله: «وقوله: إنها نزلت زمن العهد. يعني -والله أعلم-: أنه عنى بها مثل أولئك المشركين المعاهدين، وإلا فهذه الآية نزلت في ليالي الإفك، وكان الإفك في غزوة بني المصطلق قبل الخندق، والهدنة كانت بعد ذلك بسنتين»
قال ابنُ عطية (٦/٥٣١) معلِّقًا على الخلاف في المرأة المذكورة، وما كان من وصفها، فقال: «وأكثر بعض الناس في قصصها بما رأيت اختصاره لعدم صحته، وإنما اللازم من الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن، ذات ملك عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار»
قال ابنُ جرير (١٨/٤٣٢) مبيّنًا معنى الآية استنادًا إلى أثر قتادة: «يقول -تعالى ذِكْرُه-: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ يوم﴾ يغشى الكافرين ﴿العذاب من فوقهم﴾ في جهنم، ﴿ومن تحت أرجلهم﴾». وبنحوه قال ابنُ عطية (٦/٦٥٦)
وجَّه ابنُ عطية (٨/٥٩٧) قول سعيد بن جُبَير بقوله: «لأنّ الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أنّ الكفار لا طعام لهم إلا مِن ضَرِيعٍ، وقد أخبر أنّ الزّقوم طعام الأثيم، فذلك يقتضي أنّ الضّريع: الزّقوم»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٣٦٩) في معنى الآية: أنّ الله تعالى يخبر «عن ثمود: أنهم كذَّبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي». ثم نقل قول محمد بن كعب، ثم علَّق بقوله: «والأول أولى، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما»
اختلف السلف في كيفية التحية التي تكون أحسن من المُحَيّى به على قولين: الأول: أنّ معناه: الزيادة على دعاء المُسلِّم بالدعاء. الثاني: أن معناه: فحيوا بأحسن منها أهل الإسلام، أو ردوها على أهل الكفر. وقد رجّح ابنُ جرير (٧/٢٧٦-٢٧٧) مستندًا إلى السنة القول الثاني، فقال: «وأولى التأويلين بتأويل الآية قولُ مَن قال: ذلك في أهل الإسلام. ووجَّه معناه إلى أنّه يرد السلام على المسلم إذا حياه تحية أحسن من تحيته أو مثلها. وذلك أن الصحاح من الآثار عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم». فبيَّن أنّه واجب على كل مسلم ردَّ تحية كل كافر أحسن من تحيته، وقد أمر الله برد الأحسن أو المثل في هذه الآية، من غير تمييز منه بين المستوجب رد الأحسن من تحيته عليه، والمردود عليه مثلها، بدلالة يُعلم بها صحة قول مَن قال: عنى برد الأحسن: المسلم. وبرد المثل: أهل الكفر. والصواب إذ لم يكن في الآية دلالة على صحة ذلك ولا بصحته أثر لازم عن الرسول ﷺ أن يكون الخيار في ذلك إلى المسلم عليه بين رد الأحسن أو المثل، إلا في الموضع الذي خص شيئًا من ذلك سنة من رسول الله ﷺ، فيكون مسلمًا لها. وقد خصت السنة أهل الكفر بالنهي عن رد الأحسن من تحيتهم عليهم أو مثلها، إلا بأن يقال: وعليكم. فلا ينبغي لأحد أن يتعدى ما حد في ذلك رسول الله ﷺ. فأما أهل الإسلام، فإن لمن سلم عليه منهم في الرد من الخيار ما جعل الله له من ذلك. وقد روي عن رسول الله ﷺ في تأويل ذلك بنحو الذي قلنا خبر». وزاد ابنُ عطية (٢/٦١٨) في معنى الآية قولًا آخر، فقال: «وقالت فرقة: إنما معنى الآية تخيير الراد، فإذا قال البادئ: السلام عليك، فللراد أن يقول: وعليك السلام. فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول: وعليك السلام ورحمة الله. وهذا هو التحية بأحسن منها»