وجَّه ابنُ جرير (١٠/٢٣٤) معنى الآية على قول ابن عباس، فقال: «فتأويلُ الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن عبد الله بن عباس، ومَن ذكرنا قوله فيه: قال اللهُ لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله والإذعان لطاعته وطاعة رسله الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء: أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا، أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟ قال: قد غفرتُ لهم، ورحمتهم بفضلي ورحمتي، ادخلوا -يا أصحاب الأعراف- الجنة، لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تُعاقَبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى: ﴿ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ﴾ على أقوال: الأول: أنّه العهد الذي أُخِذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. الثاني: أنه التشديد الذي كان عليهم. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٤٩٦) مستندًا إلى أقوال أهل التأويل أنّ الإصر: هو العهد، وجمع بين القولين في معنى الآية، فقال: «معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأمِّيُّ العهد الذي كان الله أخذه على بني إسرائيل من إقامة التوراة، والعمل بما فيها من الأعمال الشديدة؛ كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضة، فنسخها حكم القرآن». ولم يذكر مستندًا. ووافقه ابنُ عطية (٤/٦٤)، فقال: «وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين»
علَّق ابنُ كثير (٧/٥١) على قول ابن عباس قائلًا: «وهذا تفسير حسن جدًّا». وذكر ابنُ عطية (٤/١٦٥-١٦٦) قول ابن عباس وقول الزبير، ثم علّق قائلًا: «فيجيء قوله: ﴿لا تصيبن﴾ على هذا التأويل صفة لـ﴿فتنة﴾، فكان الواجب إذا قدَّرنا ذلك أن يكون اللفظ: لا تصيب». ثم ذكر ابنُ عطية في معنى الآية قولًا آخر، فقال: «والتأويل الآخر في الآية هو أن يكون قوله: ﴿واتقوا فتنة﴾ خطابًا عامًّا لجميع المؤمنين مستقلًّا بنفسه، تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة، وأُخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول»
ساق ابنُ عطية (٦/٢٢٣) الأقوال، ثم ذكر أنّ الآية تحتمل معنًى آخر، وهو أن يُراد به: الكفار، وكل من يغتاظ بأن ينصره الله ويطمع أن لا يُنصر، قيل له: مَن ظن أن هذا لا ينصر فليمت كمدًا، هو منصور لا محالة، فليختنق هذا الظانُّ غيظًا وكمدًا. ثم قال: «ويؤيد هذا أن الطبريَّ والنقاش قالا: ويقال: نزلت في نفر من بني أسد وغطفان قالوا: نخاف أن ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهود من المنافع». وبين أن الضمير في قوله: ﴿ينصره﴾ عائد -على هذا الاحتمال- على النبي ﷺ فقط. وتقدم في نزول الآية أن ما أورده ابن جرير الطبري دون عزو وسند، وفيه ١٦/٤٨٤ قولهم: «نخاف أن لا ينصر محمد»، على النفي
وجّه ابنُ جرير (١٧/٥٤٢) معنى الآية على قول ابن عباس، فقال: «فتأويل الكلام على قول ابن عباس: والسميعِ، إنّ هذه الآيات التي أنزلتها على محمد ﷺ في هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنزلته إليه مِن قبلها الذي بُيِّن -لِمَن تدبَّره بفهم، وفكر فيه بعقل- أنّه مِن عند الله جل جلاله، لم يتخرصه محمد ﷺ، ولم يَتَقَوَّله من عنده، بل أوحاه إليه ربه». وقال ابنُ عطية (٦/٥٦٨): «مَن قال: إنّ هذه الحروف مِن أسماء الله تعالى. قال: إنّ الطّاء مِن الطَّوْل الذي لله تعالى، والسّين مِن السّلام، والميم من المنعم، أو مِن الرحيم، ونحو هذا»
ذكر ابنُ تيمية (٥/٤٦٩) أن القول بعود الضمير على القرآن في قوله: ﴿أنه الحق﴾ هو قول السلف وعامة العلماء والمفسرين، ثم ذكر قولًا آخر بعوده على الله تعالى. ورجَّح الأول مستندًا إلى السياق، فقال: «والصواب: الأول، كما قال: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به﴾ وهذا هو القرآن. ثم قال بعد ذلك: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾، ثم قال: ﴿أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ فأخبر أنّه سيُري الناس في أنفسهم وفي الآفاق من الآيات العيانية المشهودة المعقولة ما يبيّن أنّ الآيات القرآنية المسموعة المتلوّة حق، فيتطابق العقل والسمع، ويتفق العيان والقرآن، وتصدق المعاينة للخبر»
اختُلف في المراد بقوله: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى: لا يُبعث. الثاني: لا يُؤمر ولا يُنهى. ورجَّح ابنُ كثير (١٤/٢٠٣) عموم الآية للحالين، فقال: «والظاهر أنّ الآية تعمّ الحالين، أي: ليس يُترك في هذه الدنيا مُهمَلًا لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُترك في قبره سُدًى لا يُبعث، بل هو مأمور منهيٌّ في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة». وذكر ابنُ القيم (٣/٢٣٤) القول الثاني، وذكر قولًا آخر وهو أنّ المعنى: لا يُثاب ولا يُعاقب. ثم علَّق بقوله: «والصحيح: الأمران؛ فإنّ الثواب والعقاب مُترتّبان على الأمر والنهي، والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة امتثالهما»
ذكر ابنُ عطية (٨/٤٩٤) أنّ قوله تعالى: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ يَقتضي أنها من زجاج ومن فِضّة، ثم قال: «وذلك متمكن؛ لكونه من زجاج في شفوفه ومن فِضّة في جوهره، وكذلك فِضّة الجنة شفافة». ونقل ابنُ القيم (٣/٢٣٦) أنّ ابن قتيبة قال: الآية على التشبيه، أراد: قوارير كأنها من فِضّة، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن:٥٨]، أي: لهنّ ألوان المرجان في صفاء الياقوت. وانتقده مستندًا للغة، فقال: «وهذا مردود عليه؛ فإنّ الآية صريحة أنها من فِضّة، و﴿مِن﴾ ههنا لبيان الجنس كما تقول: خاتم من فِضّة. ولا يُراد بذلك أنه يُشبه الفِضّة، بل جنسه ومادته الفِضّة»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تأويل قوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحبِّ. وهو قول ابن عباس، وابن الحنفية، والحسن، وأنس، وطاووس، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وابنه، وغيرهم. ثانيها: أنّ هذا حقٌّ أوجبه الله في المال، غيرُ الصدقة المفروضة. وهو قول مجاهد، وعطاء، وحماد، وابن سيرين، ويزيد بن الأصم، والربيع بن أنس، وغيرهم، وقول آخر لابن الحنفية. ثالثها: أنّ هذا كان شيئًا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة، ثم نسخته الصدقة المعلومة. وهو قول السديّ، وإبراهيم النخعيّ، وعطية العوفي، وقول آخر لابن عباس، وابن الحنفية، والحسن. ورجَّحَ ابنُ جرير (٩/٦١١-٦١٤ بتصرف) القولَ الثالثَ -وهو القول بالنسخ- استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، والإجماع على أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية، وأنّ صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الجفاف. وبيَّنَ أنّ نصَّ الآية يفيد أنّ إيتاء الحقِّ يوم الحصاد، فعلى ذلك يكون الحقُّ المذكور في الآية مغايرًا للزكاة المفروضة المجمع على صفتها. ثم انتَقَدَ القولَ بإيجاب حقٍّ في المال سوى الصدقة المفروضة بأنّه لا يخلو أن يكون ذلك فرضًا واجبًا، أو نَفْلًا. فإن يكن فرضًا واجبًا يكن مَن فرَّط في أدائه إلى أهله آثمًا، وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة ما يُنبِئُ عن أنّ ذلك ليس كذلك. أو يكون ذلك نَفْلًا فيجب على ذلك أن يكون الخيارُ في إعطاء ذلك إلى ربِّ الحرث والثمر، وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ما يُنبِئ عن أنّ ذلك ليسَ كذلك. وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادًا بها الندب، وكان غير جائز أن يكون لها مخرجٌ في وجوب الفرض بها في هذا الوقت؛ عُلِم أنها منسوخة. ثم قال: «ومِمّا يُؤَيِّد ما قلنا في ذلك من القول دليلًا على صحته أنّه -جلَّ ثناؤه- أتبع قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾، ومعلومٌ أنّ مِن حُكْم الله في عباده مُذْ فَرَض في أموالهم الصدقة المفروضةَ المؤقتةَ القدرِ أنّ القائم بأخذ ذلك ساستهم ورُعاتهم. وإذا كان ذلك كذلك فما وجه نهي ربِّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك، والآخِذ مُجْبِرٌ، وإنما يأخذ الحق الذي فرض لله فيه؟ فإن ظن ظانٌّ أن ذلك إنما هو نهيٌ من الله القيِّمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدِّي في مال رب المال، والتجاوزِ إلى أخْذِ ما لم يُبَحْ له أخذه، فإنّ آخر الآية -وهو قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾- معطوف على أوله، وهو قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. فإن كان المنهيَّ عن الإسراف القيِّمُ بقبض ذلك، فقد يجب أن يكون المأمورُ بإيتائه المنهيَّ عن الإسراف فيه، وهو السلطان. وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ كان خارجًا من قول جميع أهل التأويل، ومخالفًا المعهود من الخطاب، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه. فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾: وآتوا حقَّه يوم كيله، لا يوم قصله وقطعه، ولا يوم جداده وقطافه، فقد علمتَ مَن قال ذلك من أهل التأويل؟... قيل: لأنّ يوم كيله غير يوم حصاده، ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجّهوا معنى الحصاد إلى معنى الكيل، فذلك ما لا يعقل في كلام العرب؛ لأنّ الحصاد والحصد في كلامهم: الجدّ والقطع، لا الكيل. أو يكونوا وجّهوا تأويل قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ إلى: وآتوا حقه بعد يوم حصاده إذا كِلتموه. فذلك خلاف ظاهر التنزيل، وذلك أنّ الأمر في ظاهر التنزيل بإيتاء الحقِّ منه يوم حصاده، لا بعد يوم حصاده، ولا فرقَ بين قائلٍ: إنما عنى الله بقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾: بعد يوم حصاده. وآخرَ قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده. لأنهما جميعًا قائلان قولًا دليلُ ظاهر التنزيل بخلافه». واسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٦/١٨٩) على هذا القول بقوله: «وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنّه فصّل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته. قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٣/٤٧٦) مستندًا إلى إمكان الجمع بين هذه الآية، وآية الزكاة القولَ بالنسخ، فقال: «والنسخ غير مترتب في هذه الآية؛ لأنّ هذه الآية وآية الزكاة لا تتعارض، بل تنبني هذه على الندب، وتلك على الفرض». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٣/٤٧٥) أيضًا -مستندًا إلى أحوال النزول، وأنّ بعض ما ذُكِرَ في الآية لا زكاة فيه- القولَ بأنها في الزكاة المفروضة، بقوله: «هذا قولٌ مُعْتَرَض بأنّ السورة مكية، وهذه الآية على قول الجمهور غير مستثناة، وحكى الزجّاج أنّ هذه الآية قيل فيها: إنها نزلت بالمدينة. ومعترض أيضًا بأنّه لا زكاة فيما ذُكِر من الرمان وجميع ما هو في معناه»
اختُلف في معنى: «الغاسق إذا وقب» على أقوال: الأول: الليل إذا أظلم. الثاني: النهار إذا دخل في الليل. الثالث: الكوكب، وهو الثُّريّا إذا سقطتْ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عن طلوعها. الرابع: هو القمر. وعلَّق ابنُ تيمية (٧/٣٩١) على القول الثالث بقوله: «ويشبه -والله أعلم- أن يكون من الحكمة في ذلك: أنّ النور هو جنس الخير، والظُّلمة جنس الشّرّ، وفي الليل يقع من الشرور النفسانية ما لا يقع في النهار، والقمر له تأثير في الأرض لا سيما حال كسوفه؛ فإنّ النبي قال: «إنهما آيتان يخوّف الله بهما عباده». والتخويف إنما يكون بانعقاد سبب الخوف، ولا يكون ذلك إلا عند سبب العذاب أو مظنّته، فعُلم أنّ الكسوف مظنّة حدوث عذاب بأهل الأرض، ولهذا شُرع عند الكسوف الصلاة الطويلة والصدقة والعتاقة والدعاء لدفْع العذاب، وكذلك عند سائر الآيات التي هي إنشاء العذاب كالزلزلة، وظهور الكواكب وغير ذلك، وهو أقرب الكواكب التي لها تأثير في الأرض بالترطيب واليبس وغير ذلك». ووجَّهه ابنُ القيم (٣/٤٠٨) بقوله: «إنْ أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل، وإنْ أراد: أنّ اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما؛ فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه، وأمّا أن يختص اللفظ به فباطل». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٥٢٤) على القول الرابع بقوله: «وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد...». ثم ذكر حديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٧٤٩) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: إنّ الله أمر نبيَّه أن يستعيذ من شرِّ ﴿غاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلِم، يقال: قد غَسَقَ الليل يَغْسِق غُسوقًا: إذا أظلم، ﴿إذا وقَبَ﴾ يعني: إذا دخل في ظلامه؛ والليل إذا دَخَل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفَل غاسق، والقمر غاسقٌ إذا وقب، ولم يَخْصُص بعض ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسق فإنه كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب». ونقل ابنُ عطية (٨/٧١٥) عن القتبي وغيره أنّ «الغاسق إذا وقب»: «هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف». واستدل أصحاب القول الثالث بحديث أبي هريرة الوارد في تفسير الآية وفيه: «النجم: الغاسق». واستدل أصحاب القول الرابع بحديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. وعلَّق عليهما ابنُ تيمية (٧/٣٨٨) بقوله: «وهذا المرفوع قد ظنّ بعض الناس منافاته لمن فسّره بالليل؛ فجعلوه قولًا آخر، ثم فسّروا وقوبه بسكونه. قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق: القمر إذا كسف واسوَدّ. ومعنى وقب: دخل في الكسوف، وهذا ضعيف، فإنّ ما قال رسول الله لا يُعارض بقول غيره، وهو لا يقول إلا الحقّ، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه، بل مع ظهوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]. فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فتُرى بالليل، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته، والدليل مستلزم للمدلول، فإذا كان شرّ القمر موجودًا فشَرّ الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره، فتكون الاستعاذة من الشّرّ الحاصل عنه أقوى، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى: «هو مسجدي هذا». مع أنّ الآية تتناول مسجد قباء قطعًا. وكذلك قوله عن أهل الكساء: «هؤلاء أهل بيتي». مع أنّ القرآن يتناول نساءه، فالتخصيص لكون المخصوص أولى بالوصف، فالقمر أحقّ ما يكون بالليل بالاستعاذة». ووافقه ابنُ القيم (٣/٤٠٦، ٤٠٧). وذكر ابنُ كثير (١٤/٥٢٥) نحو هذا مختصرًا