سورة البقرة — الآية ٢٧٨

عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف - قال: نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عُمير بن عوف [الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد ياليلَ] بن عمرو، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير، وكلهم إخوة، وهم الطالِبُون، والمطْلُوبون بنو المغيرة من بني مخزوم، وكانوا يُداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا، وكان النبي ﷺ صالح ثَقِيفًا، فطلبوا رِباهم إلى بني المغيرة، وكان مالًا عظيمًا، فقال بنو المغيرة: والله لا نُعطِي الربا في الإسلام وقد وضعه الله ورسوله عن المسلمين. فعرَّفوا شأنهم معاذَ بن جبل، ويقال: عتّابَ بن أسِيد، فكتب إلى رسول الله ﷺ: إن بني ابن عمرو بن عمير يطلبون رِباهم عند بني المغيرة. فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾. فكتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل: «أنِ اعرِضْ عليهم هذه الآية، فإن فعَلوا فلهم رؤوس أموالهم، وإن أبوا فآذنهم بحرب من الله ورسوله»

سورة الفرقان — الآية ٧٠

عن أبي هريرة، قال: صلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ العتمة، ثم انصرفتُ، فإذا امرأةٌ عند بابي، فقالت: جئتُك أسألُك عن عملٍ عملتُه، هل ترى لي مِنه توبةً؟ قلتُ: وما هو؟ قالت: زنيتُ، ووُلِد لي، وقتلته. قلتُ: لا، ولا كرامةَ. فقامت وهي تقول: واحسرتاهُ! أخُلِق هذا الجسدُ للنار؟! فلمّا صليتُ مع النبي ﷺ الصبحَ مِن تلك الليلةِ قصصتُ عليه أمْرَ المرأة، قال: «ما قلتَ لها؟». قال: قلتُ: لا، ولا كرامةَ. قال: «بئسَ ما قلت، أما كنت تقرأ هذه الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله الها آخر﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب﴾؟» الآية. قال أبو هريرة: فخرجتُ، فما بقيت دارٌ بالمدينة ولا خطةٌ إلا وقفتُ عليها، فقلتُ: إن كان فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأتِ، ولْتُبْشِر. فلمّا انصرفتُ مِن العشاء إذا هي عند بابي، فقلت: أبشري، إنِّي ذكرتُ للنبي ﷺ ما قلتِ لي، وما قلتُ لكِ، فقال: «بئسَ ما قلتَ، أما كنت تقرأ هذه الآية؟». وقرأتها عليها، فخرَّتْ ساجِدةً، وقالت: الحمدُ لله الذين جعل لي توبةً ومخرجًا، أشهدُ أنّ هذه الجارية -لِجارية معها- وابنًا لها حُرّان لوجه الله، وإنِّي قد تبتُ مِمّا عملتُ

سورة الفرقان — الآية ٧٠

عن عبيد، قال: سمعتُ الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾: وهذه الآية مكية، نزلت بمكة، ﴿ومن يفعل ذلك﴾ يعني: الشرك والقتل والزِّنا جميعًا. لما أنزل الله هذه الآية قال المشركون مِن أهل مكة: يزعم محمد أنّ مَن أشرك وقتل وزَنى فله النار، وليس له عند الله خير. فأنزل الله: ﴿إلا من تاب﴾ مِن المشركين من أهل مكة، ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ يقول: يبدل الله مكانَ الشرك والقتل والزنا؛ الإيمانَ بالله والدخول في الإسلام، وهو التبديل في الدنيا. وأنزل الله في ذلك: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ يعني: هم بذلك، ﴿لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر:٥٣] يعني: ما كان في الشرك، يقول الله لهم: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾ [الزمر:٥٤]، يدعوهم إلى الإسلام، فهاتان الآيتان مكيتان، والتي في النساء [٩٣]: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ الآية، هذه مدنية، نزلت بالمدينة، وبينها وبين التي نزلت في الفرقان ثماني سنين، وهي مُبْهَمة ليس منها مخرج

اختلف المفسّرون في معنى التأويل في قوله: ﴿وابتغاء تأويله﴾؛ فقال بعضهم: الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء مُدَّةِ أمر النبي ﷺ وأُمَّتِه مِن قِبَل الحروف المقطّعة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: عواقب القرآن، وقالوا: إنّما أرادوا أن يعلموا متى يجيء ناسخُ الأحكام التي كان الله -جل ثناؤه- شرعها لأهل الإسلام قبل مجيئه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وابتغاء تأويل ما تشابه مِن آي القرآن يتأوّلونه إذ كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات على ما في قلوبهم من الزيغ، وما ركبوه من الضلالة. ورَجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٢١٦-٢١٧) القولَ الأول الذي قاله ابن عباس، والثاني الذي قاله السدي، مستندًا إلى ظاهر الآية، حيث إنّ طلب القوم معرفةَ الوقت الذي هو جاء قبل مجيئه، المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم؛ موافق لإخبار الله بأنّه تأويلٌ لا يعلمه إلا هو، أمّا غيره من التأويل فقد عُلِم واشْتَهَر. لكنَّه استَدْرَك (٥‏/‏٢١٦-٢١٧) على القول الثاني الذي قاله السّدّي حَصْرَه معنى الآية في أنّ القوم طلبوا معرفة وقتِ مجيء الناسخ لِما قد أُحْكِم قبل ذلك

اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الشهوات﴾ على أربعة أقوال: أولها: أنهم الزناة. وثانيها: أنهم اليهود والنصارى. وثالثها: أنهم اليهود خاصَّة. ورابعها: أنهم كل متبع شهوة في دينه لغير الذي أُبيحَ له. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٢٣-٦٢٤) استنادًا إلى عموم لفظ الآية القولَ الرابعَ، وهو قول ابن زيد من طريق ابن وهب، وقال مُعَلِّلًا ذلك: «وإنّما قلنا: ذلك أولى بالصواب لأنّ الله عز وجل عمّ بقوله: ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات﴾، فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة، وعمَّهم بوصفهم بذلك، من غير وصفهم باتّباع بعض الشهوات المذمومة. فإذ كان ذلك كذلك فأولى المعاني بالآية ما دلَّ عليه ظاهرُها دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل أو قياس، وإذا كان ذلك كذلك كان داخلًا في ﴿الذين يتبعون الشهوات﴾: اليهود، والنصارى، والزناة، وكلُّ متبع باطلًا؛ لأن كُلَّ متَّبعٍ ما نهاه الله عنه فمُتَّبِعٌ شهوة نفسه. وإذا كان ذلك بتأويل الآية أولى وجبتْ صحةُ ما اخترنا من القول في تأويل ذلك». وذَهَبَ إلى ذلك أيضًا ابنُ تيمية (٢‏/‏٢٣٢)، وابنُ كثير (٣‏/‏٤٤٣)

اختُلِفَ في حكم هذه الآية، أمنسوخَةٌ هي أم محكَمَةٌ؟ ، على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ... ﴾ الآية. والآخر: أنها محكمة، وليست منسوخة. ومعناها: قل الأنفال لله، وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخِرَةِ، و«للرسول» يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيه. ورجَّحَ ابنُ جرير (١١‏/‏٢٣) القولَ الثاني -وهو قول ابن زيد- لعدم ورود دليل بالنسخ، فقال: «الصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله -جل ثناؤه- أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه ﷺ، يُنفِّل من شاء، فنفَّلَ القاتِلَ السَّلَبَ، وجعل للجيش في البَدْأة الربعَ، وفي الرجعة الثلثَ بعد الخمس. ونفَّل قومًا بعد سُهْمانهم بعيرًا بعيرًا في بعض المغازي. فجعل الله -تعالى ذكره- حكم الأنفال إلى نبيه ﷺ، ينفِّل على ما يرى مما فيه صلاحُ المسلمين، وعلى مَن بعده من الأئمة أن يستَنّوا بسُنته في ذلك. وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ؛ لاحتمالها ما ذكرتُ من المعنى الذي وصفت. وغيرُ جائِزٍ أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٨٩-٥٩٠بتصرف) في الآية احتمالين، فقال: ""﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: إذ وعدتك، فاعلم يقينًا أنّه لا خلف في الوعد، فإذا رأيت ولدك لم يُحْمَل فكان الواجِبُ عليك أن تقِف وتعلم أنّ ذلك هو بحقٍّ واجب عند الله... ويحتمل قوله: ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: لا تطلب مني أمرًا لا تعلم المصلحة فيه علم يقين. ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي، وقال: إنّ ﴿بِهِ﴾ يجوز أن يتعلق بلفظة ﴿عِلْمٌ﴾ كما قال الشاعر:كان جزائي بالعصا أن أجلداويجوز أن يكون ﴿بِهِ﴾ بمنزلة: فيه، فتتعلق الباء بالمستقر. واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي، والمعنى في الآية واحد"". وانتقد (٣‏/‏١٧٨) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية قول ابن زيد بقوله: «وهذا تأويل بشع، وليس في الألفاظ ما يقتضي أنّ نوحًا اعتقد هذا -وعياذًا بالله-، وغاية ما وقع لنوح عليه السلام أن رأى ترك ابنه معارِضًا للوعد فذكر به، ودعا بحسب الشفقة ليكشف له الوجه الذي استوجب به ابنه الترك في الغرقى»

أفادت الآثارُ أنّ معنى قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾: «أن أجور الصابرين توفّى بغير حصر ولا عدٍّ، بل جزافًا». ثم علَّق عليه ابنُ عطية (٧‏/‏٣٨١-٣٨٢) بقوله: «وهذه استعارة للكثرة التي لا تُحصى... وإلى هذا التأويل ذهب جمهور المفسرين، حتى قال قتادة: ما ثَمَّ -واللهِ- مكيال ولا ميزان، وفي بعض الحديث أنه لما نزلت: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] قال -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم، زِدْ أُمَّتي». فنزلت: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، فقال: «اللهم، زِدْ أُمَّتي». فنزلت هذه الآية، فقال: «رضيتُ، يا رب»». ثم ذكر (٧‏/‏٣٨١) احتمالًا آخر في معنى الآية: «أن الصابر يوفّى أجره، ثم لا يحاسب عن النعيم، ولا يُتابَع بذنوب». ثم وجَّهه بقوله: «فيقع ﴿الصّابِرُونَ﴾ في هذه الآية على الجماعة التي ذكرها النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها تدخل الجنة بغير حساب، وفي قوله: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، الذين لا يتطيَّرون ولا يَكْتَوُون ولا يَسْتَرْقُون، وعلى ربهم يتوكلون، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر...» الحديثَ على اختلاف ترتيباته»

وجَّه ابنُ جرير (٢١‏/‏٤٣٤) قول ابن زيد بقوله: «وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطابًا من الله لرسوله ﷺ أنه كان في غفلة في الجاهلية مِن هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءَه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقرر ذلك عنده، فصار حادّ البصر به». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٤٤)، وكذا قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٩٠). وانتقده ابنُ عطية مستندًا للسياق، وظاهر الآية، فقال: «وهذا التأويل يضعف من وجوه: أحدها: أنّ الغفلة إنما تُنسب أبدًا إلى مقصّر، ومحمد ﷺ لا تقصير له قبل بعثه ولا بعده. وثانيها: أن قوله تعالى -بعد هذا-: ﴿وقال قرينه﴾ يقتضي أن الضمير إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له: ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ -وإن جعلناه عائدًا على ذي النفْس في الآية المتقدمة- جاء هذا الاعتراض لمحمد ﷺ بين الكلامين غير متمكن. فتأمله. وثالثها: أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف». وانتقده كذلك ابنُ كثير (١٣‏/‏١٩٠) مستندًا للسياق

اختُلف في معنى: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ على قولين: الأول: أنّ النبي ﷺ نذيرٌ لقومه كما كانت النُّذُر الذين قبله نُذُرًا لقومهم. الثاني: هذا الذي أنذرتكم به -أيُّها القوم- مِن الوقائع التي ذكرتُ لكم أني أوْقَعْتُها بالأمم قبلكم، من النُّذُر التي أنذرتها الأمم قبلكم في صحف إبراهيم وموسى. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٩٤) -مستندًا إلى السياق- القول الثاني، وهو قول أبي مالك، فقال: «وهذا القول الذي ذُكِر عن أبي مالك أشْبَه بتأويل الآية». ثم علَّل ذلك بقوله: «وذلك أنّ الله -جلَّ ثناؤه- ذكر ذلك في سياق الآيات التي أخبر عنها أنها في صحف إبراهيم وموسى نذيرٌ من النُّذُر الأولى، التي جاءت الأمم قبلكم كما جاءتكم، فقوله: ﴿هَذا﴾ بأن يكون إشارة إلى ما تقدَّمه من الكلام، أوْلى وأَشْبه منه بغير ذلك». ونقل ابنُ عطية (ينظر: ٨‏/‏١٣٢) عن قوم: أن الإشارة إلى القرآن. ثم رجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏١٣٣) القول الأول، فقال: «والأشبه أن تكون الإشارة إلى محمد ﷺ». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏١٥٠) أن القول الأول، وكذا قول مَن قال: إن الإشارة إلى القرآن متلازمان