بَيَّن ابنُ جرير (٦/٦٦٣) معنى الآية مستندًا إلى لغة العرب، وأقوال السلف، فقال: «ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي. يقول: ورثة من بني عمه، وإخوته، وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العم: المولى». واختار ابنُ عطية (٢/٥٣٧) معنى الورثة؛ لأنّه أعمّ في المعنى، فقال: «المولى في كلام العرب لفظةٌ يشترك فيها القريب القرابة، والصديق، والحليف، والمعتِق، والمعتَق، والوارث، والعبد فيما حكى ابن سيده، ويحسن هنا من هذا الاشتراك الورثة؛ لأنها تصلح على تأويل: ولكل أحد، وعلى تأويل: ولكل شيء، وبذلك فسر قتادة والسدي وابن عباس وغيرهم أنّ الموالي: العصبةُ والورثةُ»
علَّق ابنُ كثير (٤/٥٢) على هذا الأثر، فقال: «ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح». ووجَّه ابنُ جرير (٧/٣٤) معنى الآية على قول ابن مسعود، فقال: «فتأويلُ الآية على تأويلِ عبد الله هذا: إنّ الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذرة قِبَل عبدٍ له آخر في معاده ويوم لقائه، فما فوقه، فيتركه عليه، فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه، ولكنَّه يأخذه منه له، ويأخذ مِن كُلِّ ظالم لكل مظلوم تَبِعَتَه قِبَلَه. ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ يقول: وإن توجد له حسنة يضاعفها، بمعنى: يضاعف له ثوابها وأجرها، ﴿ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾ يقول: ويعطه من عنده أجرًا عظيمًا. والأجر العظيم: الجنة على ما قاله عبد الله»
نقل ابنُ جرير (٧/١٧٥) خلافًا بين السلف في تفسير قوله: ﴿وأطيعوا الرسول﴾ على قولين: الأول: أنّه أمر باتِّباع سُنَّةِ النبي. الثاني: أنّه أمرٌ بطاعة النبي في حياته. وقد رَجَّح ابنُ جرير العمومَ في الآية، وأنّ ذلك: «أمرٌ مِن الله بطاعة رسوله ﷺ في حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته في اتِّباع سُنَّتِه؛ وذلك أنّ الله عمَّ بالأمر بطاعته، ولم يُخَصِّص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يَخُصَّ ذلك ما يجب التسليم له». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٨٨) عن ابن زيد قولًا آخر، فقال: «وقال ابن زيد: معنى الآية: وأطيعوا الرسول». وعلَّق عليه قائلًا: «يريد: وسنته بعد موته»
أفاد هذا القول أنّ قوله: ﴿بآخرين﴾ يعني: من نوعكم. وذكر ابنُ عطية (٣/٤١) هذا القول، وساق بعده حديث سلمان، ثم ذكر احتمالًا آخر، وهو أن تكون الآية وعيدًا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما روي أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل آدم. ثم قال: «وقدرة الله على ما ذكر تقضي العقول بداهتها». وذكر ابنُ جرير (٧/٥٨١) أنّ هذا الوعيد والتوبيخ في الآية هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق، وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق. وانتقده ابنُ عطية (٣/٤١) مستندًا لدلالة العموم، فقال: «هذا تأويل بعيد، واللفظ إنما يظهر حُسْن رَصْفه بعمومه، وانسحابه على العالم جملة، أو العالم الحاضر»
على هذا القول فالموالاة التي ذكرتها الآية: هي في الميراث. وذكر ابنُ عطية (٤/٢٤٦بتصرف) أن هناك من جعلها المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وذكر أنّه لازِمٌ مِن دلالة اللفظ. ثم علَّق بقوله: «ومن ذَهَبَ إلى أنها في التَّآزر والتعاون فإنما يَحمل نفْي الله تعالى ولايتهم عن المسلمين على أنها صفة الحال، لا أنّ الله حَكم بأن لا ولاية بين المهاجرين وبينهم جملة، وذلك أن حالهم إذا كانوا متباعدي الأقطار تقتضي أن بعضهم إنْ حَزَبه حازب لا يجد الآخر ولا ينتفع به، فعلى هذه الجهة نفي الولاية، وعلى التأويلين ففي الآية حض للأعراب على الهجرة، ... ومن رأى الولاية في الموارثة فهو حكْم من الله ينفي الولاية في الموارثة، قالوا: ونسخ ذلك قوله تعالى: ﴿وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ﴾»
ذكر ابنُ عطية (٤/٤٥٤) أنّ المهدويَّ حكى عن بعض أهل اللغة: أنّ لفظة الرجاء إذا جاءت منفيَّة فإنها تكون بمعنى: الخوف، وحكي عن بعضهم أنّها تكون بمعناها في كل موضع تدل عليه قرائن ما قبله وما بعده، ثم علَّق بقوله: «فعلى هذا التأويل معنى الآية: إنّ الذين لا يخافون لقاءنا». ثُمَّ بيَّن أنّ بعض أهل العلم قال: إنّ الرجاء في هذه الآية على بابه، وذلك أنّ الكافر المُكَذِّب بالبعث ليس يرجو رحمةً في الآخرة، ولا يُحْسِن ظنًّا بأنّه يلقى الله، ولا له في الآخرة أمل، فإنّه لو كان له فيها أملٌ لَقارنه لا محالة خوفٌ، وهذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى النجاة«. ثم قال:»والذي أقول: إنّ الرجاء في كل موضع على بابه""
ذكر ابنُ عطية (٦/٣٨١) أنّ الله أمر في هذه الآية كلَّ مَن يتعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذُّر أن يستعف، وبين أنه لما كان أغلب الموانع على النكاح عدَم المال وعَدَ بالإغناء من فضله، ثم قال: «فعلى هذا التأويل يعمَّ الأمر بالاستعفاف كل مَن تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر». ثم ذكر أن جماعة من المفسرين قالت بأنّ النكاح في هذه الآية اسم ما يُمْهر وينفق في الزواج؛ كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس، ووجَّهه بقوله: «وحملهم على هذا قوله: ﴿حتى يغنيهم الله من فضله﴾، فظنُّوا أنّ المأمور بالاستعفاف إنما هو من عُدِم المال الذي يتزوج به». وانتقده مستندًا لدلالة العموم، فقال: «وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف، وذلك ضعيف»
قال ابنُ عطية (٦/٥٤٩ بتصرف): «في هذا التفضيل بلفظة ﴿خَيْرٌ﴾ أقوال: أحدها: أن التفضيل وقع بحسب معتقد المشركين؛ إذ كانت تعتقد أن في آلهتها خيرًا بوجه ما. وقالت فرقة: في الكلام حذف مضاف في الموضعين، التقدير: أتوحيد الله خير أم عبادة ما تشركون. فـ»ما«في هذه الآية بمعنى: الذي. وقالت فرقة:»ما«مصدرية، وحذف المضاف إنما هو أولًا، تقديره: أتوحيد الله خير أم شِرْكِكم. وقيل: ﴿خَيْرٌ﴾ هنا ليست بأفعل، إنما هي فَعْل كما تقول: الصلاة خير، دون قصد تفضيل. وقالت فرقة: تقدير هذه الآية: آلله ذو خير، أما تشركون؟». وانتَقَدَ القول الأخير بقوله: «وهذا النوع من الحذف بعيد تأوُّلُه»
أفاد قول الحسن وقتادة: أن النبي خير زوجاته بين الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن الطلاق. وقد بيّن ابنُ عطية (٧/١١١) أن ذلك: «لأن التخيير يتضمن ثلاث تطليقات، وهو قد قال: ﴿وأسرحكن سراحا جميلا﴾، وليس مع بتِّ الطلاق سراح جميل». وذكر ابنُ كثير (١١/١٤٩) ما جاء في قول الحسن وقتادة، وانتقد ذلك مستندًا إلى ظاهر الآية بقوله: «وهو خلاف الظاهر من الآية؛ فإنه قال: ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا﴾ أي: أعطيكن حقوقكن، وأطلق سراحكن». وذكر ابنُ كثير هذا المعنى عن علي بن أبي طالب من طريق عبد الله بن أحمد بسنده عن علي رضي الله عنه، وعلق عليه بقوله: «وهذا منقطع»
انتقد ابن عطية (٧/٢٦٧) مستندًا إلى أحوال النزول والدلالة العقلية ما أفاده هذا الأثر عن ابن عباس من كون الآية نازلة في عبد الله بن أبي، فقال: «وهو وهمٌ ممن نسبه إلى ابن عباس؛ لأن السورة مكية، والآية مكية بإجماع، ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسْمُ أُبي هو الذي خلط على الرواة؛ لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن إسحاق وغيره: من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم بمكة ففته في وجه النبي ﷺ، وقال: من يحيي هذا، يا محمد؟». وبنحوه قال ابنُ كثير (١١/٣٨٤)