سورة الأحزاب — الآية ٩

ومحمد ابن شهاب الزهري

سورة الأحقاف — الآية ٣٣

وكان ابن أبي إسحاق

سورة النازعات — الآية ١١

وعكرمة مولى ابن عباس

سورة البلد — الآية ٢٠

وعكرمة مولى ابن عباس

اختُلف في عوْد الضمير في قوله: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ على أقوال: الأول: أنه عائد على القرآن، فهو علم للساعة لما فيه من البعث والجزاء. الثاني: أنه عائد على عيسى؛ إذ خروجه علم الساعة؛ لأنه من علامة القيامة وشروط الساعة. الثالث: أنه عائد على عيسى، والمعنى: أنّ ما أجراه الله على يديه من إحياء الموتى دليل على الساعة وبعْث الموتى. الرابع: أنه عائد على النبي ﷺ. ذكَره ابنُ عطية (٧‏/‏٥٥٩). وانتقد ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٢٣) القول الثالث الذي قاله ابن إسحاق، فقال: «وفي هذا نظر». وكذا انتقد القول الأول الذي قاله الحسن من طريق قتادة، وقتادة من طريق معمر، فقال: «وأبعد منه [أي: من قول ابن إسحاق] ما حكاه قتادة...: أي الضمير في ﴿وإنه﴾ عائد على القرآن». ثم رجَّح -مستندًا إلى دلالة السياق والقرآن والقراءات- القول الثاني الذي قاله ابن عباس، ومجاهد، والضَّحّاك، وأبو مالك، والحسن، وابن زيد، ومقاتل، والسُّدّي، فقال: «بل الصحيح أنه عائد على عيسى عليه السلام؛ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ أي: قبل موت عيسى ﷺ، ثم ﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا﴾ [النساء:١٥٩]، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: (وإنَّهُ لَعَلَمٌ لِّلسّاعَةِ) أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة». وساق ابنُ عطية الأقوال، ثم علَّق بقوله: «مَن قال: إن الإشارة إلى عيسى. حسن مع تأويله»علْم«، و»عَلَم«أي: هو إشعار بالساعة وشرط من أشراطها، يعني: خروجه في آخر الزمان، وكذلك من قال: الإشارة إلى محمد ﷺ، أي: هو آخر الأنبياء. فقد تميّزت الساعة به نوعًا وقدرًا من التمييز، وبقي التحديد التام الذي انفرد الله بعلمه، ومن قال: الإشارة إلى القرآن. حسُن قوله في قراءة من قرأ: ﴿لعلم﴾ بكسر العين وسكون اللام، أي: يعلمكم بها وبأهوالها وصفاتها، وفي قراءة من قرأ: (لَذِكْرٌ)»

رجَّح ابنُ جرير (١‏/‏٦٢٣-٦٢٥)، وابنُ عطية (١‏/‏٢٠١-٢٠٢)، وابنُ كثير (١‏/‏٣٩١-٣٩٣) استنادًا إلى النظائر، ولغة العرب، وأقوال السلف ما أفادته الآثار هنا بكون الظن في هذه الآية بمعنى اليقين. وذكر ابنُ عطية أن هذا هو قول الجمهور. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وقوله تعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠]، وبما ورد في الحديث: أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: «ألم أزوِّجْك، ألم أكرِمْك، ألم أُسخِّر لك الخيل والإبل، وأَذَرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول الله تعالى: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني». ونقل ابنُ عطية عن المهدوي وغيره قوله: «إنّ الظن هنا يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين». ثم انتقده مستندًا إلى كلام العرب قائلًا: ""وهذا تعسُّفٌ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشكُّ مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر: أظن هذا إنسانًا، وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد كهذه الآية، وكقوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وكقول دريد بن الصمة:فقلت لهم: ظُنُّوا بألفي مدجَّج سراتُهُمُ بالفارسي المُسَرَّد""

علَّقَ ابن عطية (١‏/‏٣٠٠-٣٠١ بتصرف) على القراءتين، وبيَّن ما يترتب عليهما، فقال: «وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى (الملِكين) بكسر اللام، قال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضا فـ(ما) نافية، وقال الحسن: هما عِلْجان كانا ببابل ملكين، فـ(ما) على هذا القول غير نافية. وهارُوتَ ومارُوتَ بدل من ﴿المَلَكَيْنِ﴾ على قول من قال: هما ملَكان، ومن قرأ (ملِكين) بكسر اللام وجعلهما داود وسليمان أو جعل المَلَكين جبريل وميكائل، جعل هارُوتَ ومارُوتَ بدلًا من ﴿الشَّياطِينُ﴾ في قوله: ﴿ولكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾، وقال: هما شيطانان، ويجيء ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ إما على أن الاثنين جمع، وإما على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا عِلْجَيْن قال: ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ بدل من قوله: ﴿المَلَكَيْنِ﴾، وقيل: هما بدل من ﴿النّاسَ﴾ في قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ﴾». وعلَّقَ ابن كثير (١‏/‏٥٢٢) على هذا القول مُبَيِّنًا ما استندوا إليه من نظائر القرآن والسنّة، فقال: «ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله: ﴿وما أُنزلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر:٦]، ﴿وأَنزلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥]، ﴿ويُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣]. وفي الحديث: «ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء». وكما يقال: أنزل الله الخير والشر»

حكى ابنُ عطية (٦‏/‏٤٤٧-٤٤٨) قولًا عن الضحاك أن الصهر: قرابة الرضاع. ثم انتقده، فقال: «وذلك عندي وهم، أوجبه أنّ ابن عباس قال: حُرِّم مِن النسب سبع، ومن الصهر خمس. وفي رواية أخرى: مِن الصهر سبع. يريد: قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وبَناتُكُمْ وأَخَواتُكُمْ وعَمّاتُكُمْ وخالاتُكُمْ وبَناتُ الأَخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣]، فهذا هو من النسب، ثم يريد بالصهر: قولَه تعالى: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكُمْ وأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ وأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣]، ثم ذكر المحصنات». ثم وجّه قول ابن عباس بقوله: «ومجمل هذا: أنّ ابن عباس أراد: حُرِّم مِن الصهر مع ما ذكر معه. فقصد بما ذُكِر إلى عظمه وهو الصهر، لا أنّ الرضاع صهر، وإنما الرضاع عديل النسب؛ يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه، ومَن روى: وحرم من الصهر خمس. أسقط مِن الآية الجمع بين الأختين، والمحصنات، وهن ذواتي الأزواج». وحكى ابنُ عطية عن الزهراوي قولًا: أنّ النسب من جهة البنين، والصهر من جهة البنات، ثم علّق عليه قائلًا: «وهذا حسن»

ذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٣٤) قول مجاهد، وقول ابن عباس قبله، ورجّح قول ابن عباس بالسياق، فقال: «الأظهر هاهنا قول ابن عباس؛ لأنه قال بعده: ﴿حدائق﴾ وهي البساتين من النخيل وغيرها، ﴿وأعنابا وكواعب أترابا﴾ أي: وحورًا كواعب»

سورة المجادلة — الآية ٤

عن القاسم بن محمد، قال: أتتِ امرأةٌ إلى ابن عباس، فقالت: إني نذرتُ أنْ أنحر ابني. فقال ابن عباس: لا تنحري ابنك، وكفِّري عن يمينك. فقال شيخ عند ابن عباس: وكيف يكون في هذا كفّارة؟ فقال ابن عباس: إنّ الله تعالى قال: ﴿والَّذِينَ يُظاهَرونَ مِنكُم مِن نِسائِهِمْ﴾، ثم جعل فيه من الكفّارة ما قد رأيتَ