سورة محمد — الآية ٣١

عن النّزال بن سَبرة، قال: قيل لعلي: يا أمير المؤمنين، إنّ هاهنا قومًا يقولون: إنّ الله لا يعلم ما يكون حتى يكون. فقال: ثَكلتْهم أمهاتهم، مِن أين قالوا هذا؟ قيل: يتأوّلون القرآن في قوله تعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾. فقال علي: مَن لم يعلم هَلك. ثم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، تعلَّموا العلم، واعملوا به، وعلِّموه، ومَن أشكل عليه شيء مِن كتاب الله عز وجل فليسألني، إنّه بلغني أنّ قومًا يقولون: إن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون؛ لقوله: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ﴾ الآية، وإنما قوله: ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ يقول: حتى نرى مَن كَتبتُ عليه الجهاد والصبر إن جاهد وصبر على ما نابه وأتاه مما قضيتُ عليه به

سورة الحجرات — الآية ٦

عن جابر بن عبد الله -من طريق موسى بن المسيب، عن سالم بن أبي الجعد- قال: بعَث رسولُ الله ﷺ الوليدَ بن عُقبة إلى بني وليعة، وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلمّا بلغ بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، فخشي القومَ، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بني وليعة أرادوا قتْلي، ومنعوني الصّدقة. فلما بلغ بني وليعة الذي قال لهم الوليدُ عِند رسول الله ﷺ أتَوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، لقد كذب الوليد، ولكن كانت بينه وبيننا شحناء، فخشِينا أن يُكافئنا بالذي كان بيننا. فأنزل الله في الوليد: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية

ذكر المفسرون تفسيرات عدة للتهلكة. وأفاد ابنُ جرير (٣‏/‏٣٢٥) دخولَ جميع الأقوال في التهلكة، فقال: «فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، ولم يكن الله عز وجل خَصَّ منها شيئًا دون شيء؛ فالصوابُ من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- نهى عن الإلقاء بأيدينا لِما فيه هلاكُنا، والاستسلامِ للهلكة -وهي العذاب- بتَرْكِ ما لَزِمَنا من فرائضه، فغير جائزٍ لأحد مِنّا الدخولُ في شيء يكره الله مِنّا مِمّا نَسْتَوْجِبُ بدخولنا فيه عذابَه». ثم رَجَّح القولَ الذي قاله ابنُ عباس من طريق علي، مُسْتَنِدًا إلى قول ابن عباس، فقال: «غير أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا -أيها المؤمنون- في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي»

اخْتُلِف في معنى هذه الآية؛ فذهب بعضهم إلى أنّ المعنى: إذا أدْبَر منصرفًا. وقال آخرون: إذا غضب. ووجَّه ابنُ عطية (١‏/‏٤٩٩ بتصرف) كِلا القولين بقوله: «﴿تَوَلّى﴾ و﴿سَعى﴾ تحتمل جميعًا معنيين: أحدهما: أن تكون فعل قلب، فيجيء ﴿تَوَلّى﴾ بمعنى: ضَلَّ وغَضِب وأَنِف في نفسه، فسعى بحِيَله وإرادته الدوائرَ على الإسلام، ومِن هذا السعي قول الله تعالى: ﴿وأَنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم:٣٩]. ونحا هذا المنحى في معنى الآية ابنُ جريج وغيره. والمعنى الثاني: أن يكونا فعل شخصٍ، فيجيء ﴿تَوَلّى﴾ بمعنى: أدْبَر ونَهَضَ عنك، يا محمد، و﴿سَعى﴾ يجيء معناها: بقدميه، فقطع الطريق وأفسدها. نحا هذا المنحى ابن عباس وغيره، وكلا السعيين فساد»

اخْتار ابنُ عطية (١‏/‏٥١٦) أنّ الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، مستندًا للسياق، فقال: «وأكثر المتأولين على أنّ الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر، لا على شَكٍّ ولا ارتياب». ثُمَّ ذكر (١‏/‏٥١٧) قولًا لطائفة أخرى قالت: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله؟ فيقول الرسول: ألا إنّ نصر الله قريب. فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. وانتَقَدَه، فقال: «وهذا تحُكُّم، وحملُ الكلام على وجهه غيرُ مُتَعَذِّر». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون: ﴿ألا إن نصر الله قريب﴾ إخبارًا من الله تعالى مؤتنفًا بعد تمام ذكر القول»

رَجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٧٦٢-٧٦٣ بتصرف) قولَ السدي مستندًا إلى السياق، فقال: «والذي هو أولى بتأويل الآية ما روينا عن السُّدِّيِّ؛ لأن الله -تعالى ذكره- عَقَّب قوله: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ بالأمر باتِّقائه في ركوب معاصيه، فكان الذي هو أولى بأن يكون الذي قبل التهديد على المعصية عامًّا الأمر بالطاعة عامًّا. فإن قال لنا قائل: وما وجه الأمر بالطاعة بقوله: ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ من قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾؟ قيل: إنّما عَنى به: وقدموا لأنفسكم من الخيرات التي ندبناكم إليها بقولنا: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ [البقرة:٢١٥] وما بعده من سائر ما سألوا رسولَ الله ﷺ، فأُجِيبُوا عنه مِمّا ذكره الله -تعالى ذكره- في هذه الآيات»

اختلف أهل التفسير، هل الاصطفاء هنا على العالمين كان عامًّا؟ أم على أهل زمانهم فقط؟. ووجَّه ابنُ عطية (٢‏/‏١٩٨) الآيةَ باحتمال الوجهين، فقال: ""الآلُ في اللغة: الأهلُ والقرابةُ، ويُقال للأتباع وأهل الطاعة: آلٌ، فمنه: آل فرعون، ومنه قول الشاعر -وهو أراكة الثقفي- في رثاء النبي ﷺ وهو يُعَزِّي نفسَه في أخيه عمرو:فلا تَبْكِ مَيْتًا بعد مَيْتٍ أجَنَّهُ عليٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بكرأراد: جميع المؤمنين. و(الآل) في هذه الآية يحتمل الوجهين، فإذا قلنا: أراد بالآل: القرابة والبيتيّة؛ فالتقدير: إنّ الله اصطفى هؤلاء على عالَمِي زمانهم، أو على العالمين عامًّا بأن نُقَدِّر محمدًا عليه السلام مِن آل إبراهيم. وإن قلنا: أراد بالآل: الأتباعَ؛ فيستقيم دخولُ أمة محمدٍ في الآل؛ لأنّها على مِلّة إبراهيم""

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٣٧٣) أنّ مِن ﴿الشاكرين﴾ سعد بن الربيع، وأنس بن النضر، والأنصاري الذي ذكر ابنُ جرير عنه بسنده أنّه مرَّ عليه رجلٌ من المهاجرين والأنصاريُّ يتشحط في دمه، فقال: يا فلان، أشعرتَ أنّ محمدًا قد قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمدٌ قد قُتِل فإنّه قد بلَّغ فقاتِلوا عن دينكم. ثم وجَّه (٢‏/‏٣٧٤) ذلك بقوله: «فهؤلاء أصحاب النازلة يومئذ [يعني: يوم أحد] صدَّق فعلُهم قولَـهم، ثم يدخل في الآية الشاكرون إلى يوم القيامة». وعلَّل ما جاء في أثر علي رضي الله عنهما من تخصيص أبي بكر رضي الله عنهما بهذا؛ لكونه صدع بهذه الآية يوم موت النبيِّ ﷺ، فثبَّت الناس بها، فكان هذا من المواطن التي ظهر فيها شُكْرُ أبي بكر، وشكر الناس بسببه

ظاهر قول مقاتل وقول الضحاك السابق عليه تفسيرُ الإسراف في الآية بالخطايا الكبار، وقد نقل ابنُ تيمية (٢‏/‏١٥٦) أنّ بعض العلماء فرَّق بين الذنوب وبين الإسراف، فقال: «قيل: إنّ الذنوب هي الصغائر، والإسراف هو الكبائر». ثُمَّ علَّق بقوله: «والتحقيق: أنّ الذنوب اسمُ جنس، والإسراف: تعدي الحد، ومجاوزة القصد، كما في لفظ الإثم والعدوان، فالذنوب كالإثم، والإسراف كالعدوان، كما في قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ ومجاوزة قدر الحاجة، فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله، فهذا كله ذنب، كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبع لهواه، والإسراف كالذي يغضب لله، فيعاقب أكثر مما أمر الله، والآية في سياق قتال المشركين، وما أصابهم يوم أحد»

فسَّر ابنُ عطية (٣‏/‏١٩٨-١٩٩ بتصرف) الركوع في الآية بأن المراد به الصلاة، وأنه جاء نعتًا للمذكورين بتكثير الصلاة، وذكر أنّ هذا قول الجمهور، ثم رجّحه مستندًا إلى اللغة، وقول جمهور المفسرين. وانتقد قولَ مَن قال: إنّ الآية نزلت في عليٍّ، وأنّه تصدق حال ركوعه، فقال: «وفي هذا القول نظر». وكذا انتَقَدَه ابنُ كثير (٥‏/‏٢٦٤-٢٦٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «قوله: ﴿وهم راكعون﴾ فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿ويؤتون الزكاة﴾، أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى». ثم ذكر جملة من المرويات في معنى هذا القول، وضعَّفَها جميعًا