أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى المثلية في جزاء الصيد على قولين: الأول: يُنْظَر إلى أشبه الأشياء به شبهًا من النَّعَم، فيجزيه به، ويُهديه إلى الكعبة. الثاني: يُقَوَّم الصيد المقتول قيمته من الدراهم، ثم يشتري القاتل بقيمته نِدًّا من النَّعَم، ثم يُهْدِيه إلى الكعبة. وقد رجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٦٨٧) القول الأول، وانتَقَد الثاني مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، فقال: «وأَوْلى القولين في تأويل الآية ما قال عمر، وابن عباس، ومَن قال بقولهما: إنّ المقتول مِن الصيد يُجْزى بمثله من النَّعَم، كما قال الله تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وغير جائزٍ أن يكون مِثْلُ الذي قَتَل من الصيد دراهم، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾؛ لأن الدراهم ليست من النَّعَم في شيءٍ»

استحسنَ ابنُ كثير (٦‏/‏١٩٢) قولَ ابن زيد هذا، من جهة ما لَه من النظائر، وقال معلِّقًا عليه: «هذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن، يشهد له قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾ [يس:٧١-٧٢]، وقال تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين﴾ إلى أن قال: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل: ٦٩-٨٠]، وقال تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون * ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون﴾ [غافر:٧٩-٨١]»

رجَّح ابنُ كثير (٦‏/‏٢٢٦) مستندًا إلى النظائر قول السدي، ووصفه بأنّه أقوى وأظهر، وقال: «لأنّه قال: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ كما تقدم في أول السورة: ﴿وهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأَوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام:٢٦]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل:٨٨]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾». ووجَّه قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، بأن مرادهم: «أي: لا آمن بها ولا عمل بها، كقوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى * ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة:٣١-٣٢]، ونحو ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٣١) نحو ما رُوِي عن ابن عباس من أنّه فَسَّر الأجل: بالغرق عن يحيى بن سلام، وعَلَّق عليه قائلًا: «وإنما هذا القول؛ لأنّه رأى جمهور هذه الطائفة قد اتفق أن هلكت غرقًا، فاعتقد أنّ الإشارة هنا بالأجل إنما هي إلى الغرق، وهذا ليس بلازم؛ لأنّه لا بد أنّه مات منهم قبل الغرق عالَمٌ، وهم ممن أُخِّر وكشف عنهم العذاب إلى أجل بلغه، ودخل في هذه الآية، فأين الغرق من هؤلاء؟ وأين هو ممن بقي بمصر ولم يغرق؟». ثم رجّح مستندًا لدلالة العقل أنّ الأجل في الآية إنما: «يُراد به: غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت. وهذا اللازم من اللفظ، كما تقول: أخذت كذا إلى وقت. وأنت لا تريد وقتًا بعينه»

اختلف أهل التفسير في السبب الذي من أجله جعل الله مثله كمثل الكلب؛ فقال بعضهم: مثَّله به لتركه العمل بآيات الله سواء وُعِظ أم لم يوعظ. وقال آخرون: إنّما مَثَّله بالكلب لأنّه كان يلهث كما يلهث الكلب. ورجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٨٨) القولَ الأول مستندًا إلى ظاهر الآية، وانتقد الثاني الذي قاله السدي لمخالفته الواقع، فقال: «لدلالة قوله تعالى: ﴿ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، فجعل ذلك مثل المكذبين بآياته. وقد علمنا أنّ اللِهاث ليس في خِلْقة كلِّ مكذب كُتِب عليه ترك الإنابة من تكذيب بآيات الله، وإن ذلك إنما هو مَثَلٌ ضربه الله لهم، فكان معلومًا بذلك أنّه لِلَّذي وصف اللهُ صفته في هذه الآية -كما هو لسائر المكذبين بآيات الله- مَثَلٌ»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٣١٢ بتصرف): «قوله: ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ معناه: عامًا من الأعوام، وليس يريد أنّ تلك مداولة في الشهر بعينه؛ عام حلال وعام حرام. وقد تأوَّل بعضُ الناس القصةَ: أنّهم كانوا إذا شقَّ عليهم توالي الأشهر الحُرُم أحلّ لهم المحرم وحرّم عليهم صفر بدلًا منه، ثم مشت الشهور مستقيمة على أسمائها المعهودة، فإذا كان مِن قابل حرّم المحرم على حقّه وأحلّ صفر، ومشت الشهور مستقيمة. ورأت هذه الطائفةُ أنّ هذه كانت حالة القوم. والذي قدّمناه قبلُ ألْيَقُ بألفاظ الآيات، وقد بَيَّنه مجاهد، وأبو مالك، وهو مقتضي قول النبي ﷺ: «إنّ الزمان قد استدار...». مع أنّ هذا الأمر كله قد تقضّى، والله أعلم أيَّ ذلك كان»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٧٨) أنّ مكيًّا والمهدوي ذكرا أنّه قيل: إنّ في الآية تقديمًا وتأخيرًا في القصص، وذلك أنّ قصة النسوة كانت قبل فضيحتها في القميص للسيِّد، وباشتهار الأمر للسيد انقطع ما بينها وبين يوسف. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا مُحْتَمَل، إلا أنّه لا يلزم مِن ألفاظ الآية، بل يحتمل أن كانت قصة النساء بعد قصة القميص، وذلك أنّ العزيز كان قليل الغيرة، بل قومه أجمعون، ألا ترى أنّ الإنكار في وقت القميص إنما كان بأن قيل: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾. وهذا يَدُلُّ على قلة الغيرة، ثم سكن الأمر بأن قال: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾، وأنت ﴿واستغفري﴾، وهي لم تبق حينئذ إلا على إنكارها، وإظهار الصِّحَّة، فلذلك تُغُوفِل عنها بعد ذلك؛ لأنّ دليل القميص لم يكن قاطعًا، وإنّما كان أمارةً ما، هذا إن لم يكن المتكلم طفلًا»

لم يذكر ابنُ جرير (١٤‏/‏٩٨) في معنى: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ سوى قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣١١) ثلاثه احتمالات لمرجع الضمير في: ﴿وإنَّها﴾: الأول: «أن يعود على المدينة المهلكة... وهذا تأويل مجاهد، وقتادة، وابن زيد». ثم وجَّهه بقوله: «أي: أنها في طريق ظاهر للمعتبر». الثاني: «أن يعود على الآيات». الثالث: «أن يعود على الحجارة». ثم ذكر أنه يقويه «ما روي أن النبي ﷺ قال: «إن حجارة العذاب مُعَلَّقة بين السماء والأرض منذ ألْفَيْ عام لِعُصاة أُمَّتي»». ونقل ابنُ كثير (٨‏/‏٢٧٢) عن السدي أنّ معنى الآية: بكتاب مبين. ثم وجَّهه بقوله: «يعني: كقوله: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ فِي إمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]». ثم انتقده قائلًا: «ولكن ليس المعنى على ما قال ههنا»

اختلف في معنى: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أن ظل كل شيء سجوده. الثاني: أن سجود الظلال سجود أشخاصها. الثالث: أن سجود الظلال كسجود الأشخاص تسجد لله خاضعة. ووجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٣٦٥) القول الأول بقوله: «هو سجود عبادة حقيقية». ووجَّه القول الثالث بقوله: «عبَّر عن الخضوع والطاعة وميلان الظلال ودورانها بالسجود». ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٤٢) مستندًا إلى دلالة اللغة، وأقوال السلف القول الثالث، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد. وسجودها: مَيَلانُها ودَوَرانُها من جانبٍ إلى جانبٍ، وناحيةٍ إلى ناحيةٍ. كما قال ابن عباس. يقال من ذلك: سجَدَتِ النخلة إذا مالت، وسجَدَ البعير وأسْجَدَ: إذا مَيَّل للركوب»

على هذا القول الذي قاله ابن زيد، وابن إسحاق، ومقاتل فقوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا﴾ إلى قوله: ﴿العرش العظيم﴾ من كلام الهدهد، وهو ما استدركه ابنُ عطية (٦‏/‏٥٣١) مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «ويعترض بأنّه غير مخاطب [أي: الهدهد]، فكيف يتكلم في معنى شرْع». ثم ذكر أنّ الآيات تحتمل احتمالين: أحدهما: أن تكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم. والآخر: أن تكون من قول الله تعالى اعتراضًا بين الكلامين. ورجح الثاني، فقال: «وهو الثابت مع التأمل». ولم يذكر مستندًا. ثم قال: «وقراءة التشديد في ﴿ألّا﴾ تعطي أن الكلام للهدهد، وقراءة التخفيف تمنعه وتقوي الآخر حسب ما سمع، ويتأمل». وبيَّن (٦‏/‏٥٣٤) أنّ قراءة ‹ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ› بياء الغائب تُعطي أنّ الآية من كلام الهدهد، وأن قراءتها بتاء المخاطبة تُعْطِي أنه من كلام الله