قال ابنُ جرير (١٨‏/‏١٤٦): «إنما قال -جل ثناؤه-: ﴿رب هذه البلدة الذي حرمها﴾ فخصَّها بالذكر دون سائر البلدان، وهو رب البلاد كلها؛ لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسول الله ﷺ -الذين هم أهل مكة- بذلك نعمته عليهم، وإحسانه إليهم، وأنّ الذي ينبغي لهم أن يعبدوه هو الذي حرم بلدهم، فمنع الناس منهم، وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، لا مَن لم تَجْرِ له عليهم نعمة، ولا يقدر لهم على نفع ولا ضر». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٥٦٦): «أضاف في هذه الآية التحريم إلى الله تعالى من حيث ذلك بقضائه وسابق علمه، وأضافه النبي ﷺ إلى إبراهيم في قوله: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة». من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته؛ فليس بين الآية والحديث تعارض»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٩) في معنى قوله تعالى: ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ الكُفّار من قريش والعرب لا يعلمون أنّ الأمور مِن عند الله -تبارك وتعالى-، وأن وعْده لا يتخلَّف، وأن ما يورده نبيه -عليه الصلاة والسلام- حقٌّ. ورجَّح هذا المعنى قائلًا: «وهذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل». ثم انتقد مستندًا إلى الإجماع ما حكاه ابنُ جرير من روايات للنزول تفيد مدنية الآية، فقال: «وقد حكى الطبريُّ وغيرُه روايات يردُّها النظر أوَّل قول، من ذلك أن بعضهم قال: إنما نزلت ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك. فهذا يقتضي أن الآية مدنية، والسورة كلها مكية بإجماع، ونحو هذا من الأقوال»

ذكر ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٥٠) في قوله: ﴿إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ وجهين، رجّح الأول منهما، فقال: «وفي قوله: ﴿إن أنتم إلا في ضلال مبين﴾ وجهان: أحدهما: أن يكون مِن قيل الكفار للمؤمنين، فيكون تأويل الكلام حينئذ: ما أنتم -أيها القوم- في قيلكم لنا: أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم. إلا في ذهاب عن الحق، وجَور عن الرشد، مبين لمن تأمله وتدبره أنه في ضلال. وهذا أولى وجهيه بتأويله. والوجه الآخر: أن يكون ذلك مِن قيل الله للمشركين، فيكون تأويله حينئذ: ما أنتم -أيها الكافرون- في قيلكم للمؤمنين: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه. إلا في ضلال مبين عن أنّ قيلكم ذلك لهم ضلال». وبنحوه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٥٣)، ولم يذكرا مستندًا. وانتقد ابنُ كثير (١١‏/‏٣٦٧) الوجه الثاني من هذين الوجهين بقوله: «وفي هذا نظر»

اختُلف في معنى قوله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ على قولين: الأول: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه. الثاني: أفرأيت من اتخذ معبوده ما هويت عبادَته نفسُه من شيء. وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٠) على القول الثاني الذي قاله سعيد بن جُبير، ومقاتل، وسفيان، بقوله: «إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة». ثم بيّن أن هذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الأمّارة. ورجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٩٣) -مستندًا إلى ظاهر الآية- القول الثاني، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أفرأيت -يا محمد- مَن اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما هوي مِن شيء دون إله الحق الذي له الألوهة من كل شيء؛ لأن ذلك هو الظاهر من معناه دون غيره»

انتقد ابنُ عطية (٥‏/‏٩٨ ط: دار الكتب العلمية) القول بنزولها في أبي بكر الذي قاله علي، وابن عباس، ومقاتل مستندًا لأحوال النزول، فقال: «وفي هذا القول اعتراض بأنّ هذه الآية نزلت بمكة لا خلاف في ذلك، وأبو قحافة أسلم عام الفتح». ثم وجّهه (٧‏/‏٦٢٠) بقوله: «فإنما يتجه هذا التأويل على أنّ أبا بكر كان يطمع بإيمان أبويه، ويرى مخايل ذلك فيهما، فكانت هذه نعمة عليهما، أن ليسا مِمَّن عَسى في الكفر ولجّ وحُتم عليه، ثم ظهر إيمانهما بعد». ثم رجَّح (٧‏/‏٦٢٠-٦٢١ بتصرف) العموم مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، فقال: «والقول بأنها عامة في نوع الإنسان لم يقصد بها أبو بكر ولا غيره أصح، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ﴾ دليل على أن الإشارة بقوله: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ إنما أراد الجنس»

للسلف في الموصوف بهذه الصفات قولان: الأول: أنهن الحور العين اللواتي أُنشئن في الجنة. الثاني: أنهن من نساء الدنيا. وقد ذكر ابنُ القيم (٣‏/‏١٠٠-١٠١) القولين، ثم رجّح -مستندًا إلى ظاهر القرآن، وإلى السياق- الأول، فقال: «ظاهر القرآن أنّ هؤلاء النسوة لسنَ من نساء الدنيا، وإنما هنّ من الحُور حور العين. وأما نساء الدنيا فقد طَمثهن الإنس، ونساء الجنّ قد طَمثهن الجنّ، والآية تدل على ذلك. ويدل على أنهن الحور اللاتي خُلقن في الجنة أنه سبحانه جعلهنّ مما أعده الله في الجنة لأهلها مِن الفاكهة والثمار والأنهار والملابس وغيرها، ويدل عليه أيضًا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الخِيامِ﴾، ثم قال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنس قَبْلَهُمْ ولا جانٌّ﴾»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٩) أنّ هذا التأويل أجمعت الأمة عليه في هذه الآية، وأنها مخرجة عن معنى لفظها المعهود، ثم قال: «ودخل في الإجماع مَن يقول بأن المشتَبه كلّه، ينبغي أن يُمرّ ويؤمن به ولا يُفسّر، وقد أجمعوا على تأويل هذه لبيان وجوب إخراجها عن ظاهرها». وذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٠٤) أن «المعية» تختلف أحكامُها بحسب الموارد (السياق)، فلما قال: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها﴾ إلى قوله: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ دلّ ظاهرُ الخطاب على أنّ حكم هذه المعيّة ومقتضاها أنه مُطّلع عليكم؛ شهيد عليكم، ومهيمن عالمٌ بكم. ثم قال: «وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه، وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿هو معهم أين ما كانوا﴾ الآية [المجادلة:٧]»

على هذا الأثر فالتي سقت النبي ﷺ عسلًا هي حفصة، وهو ما علَّق عليه ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٢)، بقوله: «والغرض أنّ هذا السياق فيه أنّ حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته، عن عائشة. وفي طريق ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة أنّ زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأنّ عائشة وحفصة تَواطأتا وتَظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بُعد في ذلك، إلا أنّ كونهما سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر». ثم قال: «ومما يدل على أنّ عائشة وحفصة رضي الله عنهما هما المُتظاهِرتان الحديث...». وساق الأثر الوارد عن ابن عباس في سؤاله لعمر الوارد في نزول الآيات، وأثر عمر الوارد في نزول قوله: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾

اختُلف في المشار إليه بـ﴿هذا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أُشير به إلى الآيات التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى﴾. الثاني: إلى قصة هذه السورة. الثالث: إنّ هذا الذي قضى الله في هذه السورة لفي الصُّحف الأولى. الرابع: أن قوله: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى﴾ في الصُّحف الأولى. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣٢٥) -مستندًا إلى الأظهر لغة- أنّ «قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى﴾، لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ﴿هذا﴾ إشارةٌ إلى حاضرٍ، فلأَن يكون إشارة إلى ما قَرُب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره». ونحوه قال ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٤). وكذا ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٢٨) فقال: «وهذا اختيار حسن قوي»

سورة البقرة — الآية ١٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضَّحّاك- قال: كان عبد الله بن أُبيّ بن سلول الخزرجي عظيم المنافقين من رهط سعد بن عبادة، وكان إذا لَقِيَ سعدًا قال: نِعْم الدينُ دين محمد. وكان إذا رجع إلى رؤساء قومه من أهل الكفر قال: شُدُّوا أيديكم بدين آبائكم. فأنزل الله هذه الآية